الدرس في الباعث الحثيث شرح اختصار علوم الحديث 55، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المفهوم والشرح مع الأمثلة من السنة والصحابة والتابعين. يبرز أهمية هذا الفهم في الرواية والرواة.
يتناول النوع الثالث والأربعين من علوم الحديث ويذكر أمثلة على إخوة رواة من الصحابة والتابعين. يبرز العلماء الذين صنفوا في هذا المجال.
يناقش رواية الآباء عن الأبناء والعكس مع ذكر الأمثلة والكتب المصنفة في هذا الموضوع. يشير إلى شيوع رواية الأبناء عن الآباء.
يتحدث عن العلماء الذين ألفوا في الأسانيد العالية والنازلة وأحاديث الآباء عن الآباء. يشير إلى ندرة صحة الروايات المسلسلة بآل البيت.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، ما بعد. قال الحافظ ابن كثير رحمه الله: النوع الحادي والأربعون معرفة رواية الأكابر عن الأصاغر. قال: قد يروي الكبير القدر أو السن أو هما عمن دونه في كل منهما أو فيهما، ومن أجل ما يذكر في هذا الباب ما ذكره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في خطبته عن تميم الداري مما أخبره به عن رؤية الدجال في تلك الجزيرة التي في البحر، والحديث في الصحيح، أي في صحيح مسلم، وهو حديث فاطمة بنت قيس في مسألة الدجال. فإن هذه القصة رواها النبي صلى الله عليه وسلم عن تميم الداري، فهذا من رواية الأكابر عن الأصاغر، والأكابر هنا المراد بهم إما بالسن وإما بالمرتبة معنا بالعلم، والأصاغر هنا المقصود بهم إما الأبناء وإما التلاميذ وإما الذين هم أقل من من يروون عنه من ناحية العلم. قالوا: كذلك في صحيح البخاري رواية معاوية بن هشام عن مالك بن يخامر عن معاذ، وهم بالشام، في حديث «لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق». لما ذكر هذا معاوية رضي الله عنه، قال مالك بن يخامر، وهو تابعي، قال: سمعت معاذاً يقول: إنهم بالشام، قال: فقال معاوية: وهذا مالك بن يخامر يقول: وهم بالشام، وأنا أخذ رواية مالك بن يخامر عن معاذ، وهذا فن من الفنون التي تكلم بها العلماء، وهي رواية الأكابر عن الأصاغر؛ لأنها قليلة، والعادة أنها يروي الصغير عن الكبير، وتلميذ عن الشيخ، والابن عن أبيه، لكن أحياناً يحصل العكس. قال ابن صلاح: قد روى العبادلة عن كعب الأحبار، يريد بالعبادلة عبد الله بن عمر، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن الزبير، لكن المشهور هم الثلاثة الأولون، يروون عن كعب، كذلك روى عنه أبو هريرة ومعاوية وغيرهم، وأما عبد الله بن مسعود فلم يرو عنه. قال قلت: وقد حكى عنه عمر وعلي وجماعة من الصحابة. قالوا: قد روى الزهري ويحيى بن سعيد الأنصاري عن مالك، روى الزهري عن مالك حديثاً واحداً، ويحيى بن سعيد كذلك، وهما يعتبران من مشايخ مالك، وهما من شيوخه. وكذا روى عن عمر بن شعيب جماعة من الصحابة والتابعين، قيل: عشرون، ويقال: بضع وسبعون، الله أعلم، عمر بن شعيب يعتبر من أتباع التابعين، وقيل: إنه من التابعين، لكن من صغار التابعين، وقد روى عنه من الصحابة ومن كبار التابعين؛ لما عنده من الصحيفة التي أخذها عن أبيه عن جده عبد الله بن عمرو، فكان الناس يحتاجون إلى هذه الصحيفة، فلهذا أخذوا عنه، حتى بعض الصحابة. قال: وكذا روى عن عمر بن شعيب جماعة من الصحابة والتابعين، قيل: عشرون، وقيل: بضع وسبعون، فالله أعلم، ولو سردنا جميع ما وقع من ذلك لطال الفصل جداً. قال ابن صلاح في التنبيه على ذلك من الفائدة: معرفة الراوي من المروي عنه. وقال: وقد صح أن عائشة رضي الله عنها قالت: «أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن ننزل منازلنا»، وهذا الحديث ذكره الإمام مسلم في مقدمة صحيحه، وهو منقطع. وقول ابن الصلاح: «قد صح»، إنما فعل ذلك تبعاً للحاكم في علوم الحديث، والحديث كما قلنا رواه أبو داود من رواية ميمون بن شبيب عن عائشة، وميمون لم يسمع من عائشة، بل لم يدركها، لكن معناه صحيح، وهو أن ينزل كل أحد منزلته. فرواية الأكابر معناه عن الأصاغر رواية عظيمة أن يروي عنه شيخه، ولهذا الترمذي رحمه الله لما روى حديثاً قال: «وقد روى هذا الحديث عني محمد بن إسماعيل»، قال: «وقد روى عني هذا الحديث محمد بن إسماعيل عن البخاري»، هو شيخه، لكن يفتخر أن البخاري روى عنه هذا الحديث. ويدخل في ذلك أيضاً رواية كما قلنا التلاميذ عن المشايخ، والأبناء عن الآباء كما سيأتي، وغالباً كل من كان صغيراً أو كل من كان كبيراً روى عن صغير. قال: معرفة الإخوة والأخوات من الرواة، وكما قلنا بعضها العلم نزل منزلة عظيمة في الرواية عن الصغار، مثل كما ذكرنا يحيى بن أبي كثير، فإنه لم يرو عن تلاميذه بل روى عن تلاميذ تلاميذه، روى عن هقل بن زياد، وهو تلميذ الأوزاعي، والأوزاعي تلميذ ليحيى بن كثير. قال: النوع الثاني والأربعون معرفة المدبج، وهو رواية الأقران سناً وسنداً، واكتفى الحاكم بالمقاربة في السند وإن تفاوتت الأسنان، فمتى روى كل منهم عن الآخر سمي مدبجاً، كأبي هريرة وعائشة، والزهري وعمر بن عبد العزيز، ومالك والأوزاعي، وأحمد بن حنبل وعلي بن المديني. فما لم يرو عن الآخر لا يسمى مدبجاً، والله أعلم الذي عليه العمل الذي عليه عمل العلماء في تصنيف من المدبج، فقد ألف الدارقطني كتاباً في المدبج، وألف كذلك الخطيب البغدادي، وعملهم أنهم يذكرون لا يميزون بين المدبج وبين رواية الأقران، لا يميزون بين المدبج ورواية الأقران، يعني أن يذكرون من روى عن من يكون مثله سواء كان في السن أو في الرواية، أحياناً يكون في السن، وحياناً يكون في الرواية، والمقصود أكثر هو الرواية. مثلاً الآن عندنا سفيان بن عيينة وشعبة بن الحجاج، بينهما قرابة تسع عشرة سنة أو عشرون سنة بين سفيان بن عيينة وشعبة، لكن يعتبر في الرواية قرين شعبة، يعتبر سفيان قرين شعبة، معنى بعضهم مثلاً كمعمر وسفيان بن عيينة وصالح بن كيسان، معنى صالح بن كيسان أكبر من سفيان بن عيينة بكثير، ممكن ثلاثين سنة، لكنه يعتبر قريناً له؛ لأنه روى صالح بن كيسان عما روى عنه سفيان بن عيينة كالزهري وغيره. قال: النوع الثالث والأربعون معرفة الإخوة والأخوات من الرواة، وقد صنف في ذلك جماعة منهم علي بن المديني وأبو عبد الرحمن النسائي. فمن أمثلة الأخوين عبد الله بن مسعود وأخوه عتبة، وعمر بن العاص وأخوه عمرو، وزيد بن ثابت وأخوه يزيد، ومن التابعين عمر بن شرحبيل أبو ميسرة وأخوه أرقم، كلاهما من أصحاب عبد الله بن مسعود، ومن أصحاب أيضاً هشام بن شرحبيل وأخوه أرقم. قال: وهذا فيه شيء من الخطأ، والظاهر أن ابن كثير تابع ابن الصلاح في ذلك، وإلا العراقي قال: هذا ليس بصحيح، وأرقم من شرحبيل واحد، وإنما اختلفوا هل هشام أخو عمر وأرقم أو ليس أخوهما أو أنهم اختلفوا أن عمراً ليس أخاً لهم، ورجح الحافظ العراقي أن أبا ميسرة عمر بن شرحبيل ليس أخاً لهم، وإنما أرقم وهشام ثلاثة إخوة. قال: سهل وعباد وعثمان بن حنيف، ومن الصحابة قاله عمر بن شعيب وأخواه عمرو وشعيب، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم وأخواه أسامة وعبد الله، أربعة إخوة، سهيل بن أبي صالح وإخوته عبد الله الذي يقال له عباد ومحمد وصالح، وخمسة إخوة سفيان بن عيينة وإخوته لأربع إبراهيم وآدم وعمران ومحمد، كلهم إخوة للسفيان بن عيينة. قال الحاكم: سمعت الحافظ أبا علي الحسين بن علي يعني النيسابوري يقول: كلهم حدثوا. قال: ستة إخوة وهم محمد بن سيرين وإخوته أنس ومعبد ويحيى وحفصة وكريمة، كذا ذكرهم النسائي ويحيى بن معين أيضاً، ولم يذكر الحافظ أبو علي النيسابوري فيهم كريمة قبله، وكان معبد أكبرهم وحفصة أصغرهم. قال: وقد روى محمد بن سيرين عن أخيه يحيى عن أخيه أنس عن مولاهم أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «لبيك حقاً حقاً تعبداً ورقاً». قالوا: مثال سبعة إخوة النعمان بن مقرن وإخوته سنان وسويد وعبد الرحمن وعقيل ومعقل ولم يسم السابع، حاجر، وصحب النبي عليه الصلاة والسلام، ويقال: إنهم شهدوا الخندق كلهم. قال ابن عبد البر وغير واحد: لم يشاركهم أحد في هذه المكرمة، أنهم شهدوا الخندق جميعهم. قال قلت: ثم سبعة إخوة صحابة شهدوا كلهم بدراً، لكنهم لأم، وهي عفراء بنت عبيد، تزوجت أولاً بالحارث بن رفاعة الأنصاري وأولدها معاذاً ومعوذاً، ثم تزوجت بعد طلاقها بالبكير بن عبد ياليل بن ناشب فأولدها إياساً وخالداً وعاقلاً وعامراً، ثم عادت إلى الحارث فأولدها عونة، يعني عون يعتبر أخاً شقيقاً لمعاذ ومعوذ، وهؤلاء معاذ ومعوذ فعلوا في بدر قتلوا أبا جهل. قال: فأربعة منهم أشقاء وهم بنو البكير، وثلاثة أشقاء وهم بنو الحارث، وسبعتهم شهدوا بدراً مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، ومعاذ ومعوذ أبناء عفراء، اللذان أثبتا أبا جهل عمر بن هشام المخزومي، ثم احتز رأسه وطرحه عبد الله بن مسعود الهدلي رضي الله عنهم. قال: وذكر هنا أيضاً عن السيوطي في التدريب أن هناك إخوة تسعة مهاجرون وهم أولاد الحارث بن قيس بن عدي السهمي، وهم بشر وتميم والحارث والحجاج والسائب وسعيد وعبد الله ومعمر وأبو قيس. وقال: وذكر في الإصابة أن ابن سعد في الطبقات ذكر سبعة فقط. قال: النوع الرابع والأربعون معرفة رواية الآباء عن الأبناء، وهذا يعتبر في النوع الذي تقدم هو رواية الأكابر عن الأصاغر. قال: وقد صنف فيه الخطيب كتاباً، وقد ذكر الشيخ أبو الفرج ابن الجوزي في بعض كتبه أن أبا بكر الصديق روى عن ابنته عائشة، وروت عنها أمها أم رومان أيضاً. قال: وروى العباس عن ابنائه عبد الله والفضل، وقال: وروى سليمان بن طرخان التيمي عن ابنه المعتمر بن سليمان، وروى أبو داود عن ابنه بكر بن أبي داود. قال الشيخ أبو عمر بن الصلاح: وروى سفيان بن عيينة عن وائل بن داود عن ابنه بكر بن وائل، وهذا في الصحيح أن روى ابن عيينة عن وائل بن داود عن ابنه بكر عن الزهري عن سعيد المقبري عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أخر الأحمال فإن اليد مغلولة والرجل مغتقة». قال الخطيب: لا يعرف إلا من هذا الوجه، قد جاء ذكر حديث في الصحيح معنى غير هذا الحديث. قال: وروى حفص بن عمر الدوري المقرئ عن ابنه أبي جعفر محمد ستة عشر حديثاً ونحوها، وذلك أكثر ما وقع من رواية ابن عن ابنه. ثم روى الشيخ أبو عمر عن أبي المظفر عبد الرحمن بن الحافظ أبي سعد عن أبيه عن ابنه أبي المظفر بسنده عن أبي أمامة مرفوعاً: «أحضروا موائدكم البقل فإنه مفردة للشيطان مع التسمية». قال: سكت عليه الشيخ أبو عمر. قال: قد ذكره ابن الجوزي في الموضوعات، وأخلق به أن يكون كذلك. قال: ثم قال ابن الصلاح: عم الحديث الذي رويناه عن عائشة، رويناه بتشديد الواو، وقيل: بتخفيفها، رويناه عن عائشة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال في الحبة السوداء: «شفاء من كل داء»، فهو غلط. قال: إنما رواه أبو بكر عبد الله بن أبي عتيق، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، عن عائشة، عن أبي بكر، الذي روى هذا الحديث هو ابن أبي عتيق، وهو محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، أبو عتيق هو محمد، وهذا عبد الله بنه، عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن، ليس عبد الله بن محمد بن أبي بكر، وإنما عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق. قال: أولاً نعرف أربعة من الصحابة على نسق سواء، هؤلاء محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة رضي الله عنهم. وكذا قال ابن الجوزي وغير واحد: لا إما أولاً صحابة أربعة منهم معنا عبد الرحمن، محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر بن أبي قحافة. قال قلت: ويلتحق بهم تقريباً عبد الله بن الزبير، أمه أسماء بنت أبي بكر بن أبي قحافة، وهو أسن وأشهر في الصحابة من محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر، والله أعلم، لكن هذا ينسب لأمه، أمه كانت صحابية، معنى عبد الله بن الزبير معنى ابن أسماء بنت أبي بكر بن الصديق. قال ابن الجوزي: قد روى حمزة والعباس عن ابن أخيهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وروى مصعب الزبير عن ابن أخيه الزبير بن بكر، وإسحاق بن حنبل عن ابن أخيه أحمد بن حنبل، وروى مالك عن ابن أختي إسماعيل بن عبد الله بن أبي أويس. قال: وهذا موجود رواية الآباء عن الأبناء، لكن الأصل هو رواية الأبناء عن الآباء. قال: النوع الخامس والأربعون رواية الأبناء عن الآباء، وذلك كثير جداً، وأما رواية الابن عن أبيه عن جده فكثيرة أيضاً، ولكنها دون الأول. قال: وهذا كعمر بن شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، عن أبيه شعيب، عن جده عبد الله بن عمرو، هذا هو الصواب، فإنه هذا الذي رجحه كثير من العلماء أن أباه شعيب وجده عبد الله بن عمرو. قال: وقد تكلمنا على ذلك في مواضع في كتابنا التكميل وفيه الأحكام الكبير والصغير. قال: أو مثل بهز بن حكيم بن معاوية بن حيدة القشيري عن أبيه عن جده معاوية، ومثل طلحه بن مصرف عن أبيه عن جده، وهو عمر بن كعب، وقيل: كعب بن عمر، استقصاء ذلك يقول: وقد صنف فيه الحافظ أبو النصر الوائلي كتاباً حافلاً، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة. قال: وممن ألف أيضاً في هذا الباب ولعله قصد هنا الحافظ ابن كثير، وزاد عليه بعض المتأخرين أشياء مهمة نفيسة، الحافظ العلائي صاحب كتاب جامع التحصيل، والله أعلم، والعلائي يعتبر أصغر من ابن كثير، لكنه قد يكون في زمنه. قال: وقد يقع في بعض الأسانيد فلان عن أبيه عن أبيه عن أبيه، وأكثر من ذلك، ولكنه قليل، وقل ما يصح منه، خاصة المسلسل بآل البيت غالباً لا يصح، بل موضوع، أن تجد روايات بعضها عن أبيه عن أبيه عن أبيه عن أبيه، فغالب مثل هذه الأشياء لا تصح عن النبي عليه الصلاة والسلام.