الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 45، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يشرح المقطع عقيدة السلف في التعامل مع الحكام، حيث يرى أصحاب الحديث الصلاة خلف كل إمام مسلم والجهاد معه والدعاء له بالإصلاح. يُبين أيضًا أهمية الحفاظ على جماعة المسلمين واتباع السنة النبوية في التعامل مع ولاة الأمر.
يُؤكّد على أهمية طاعة ولاة الأمور وعدم الخروج عليهم، حتى وإن كانوا ظالمين أو جائرين، مستندًا إلى أحاديث نبوية وتجارب تاريخية. يُبرز موقف الإمام أحمد بن حنبل مع فقهاء بغداد في مواجهة فتنة خلق القرآن كدليل على ذلك.
يجب على المسلمين طاعة أمرائهم من أهل الإسلام وعدم الخروج عليهم، كما أن تولية الأئمة تكون بالغلبة بسيفهم واستتباب الأمر لهم دون منازعة من طرف آخر. يُشدد على وجوب اتباع هذه المبادئ للحفاظ على وحدة المسلمين.
يُشير إلى خطأ بعض الناس في التمييز بين الاستتباب والمنازعة، ويُعلن عن نية تناول هذا الموضوع في درس لاحق. يُعد هذا الموضوع امتدادًا للكلام عن شرعية تولية الأمراء وطاعتهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد، قال الإمام الصابوني أبو عثمان الصابوني في عقيدة السلف أصحاب الحديث في الحكام والسلاطين وولاة أمور المسلمين: «ويرى أصحاب الحديث الجمعة والعيدين وغيرهما من الصلوات خلف كل إمام مسلم، بر كان أو فاجر، ويرون جهاد الكفر معه، وإن كانوا جورة فجر، ويرون الدعاء لهم بالإصلاح والتوفيق والصلاح وبسط العدل في الرعية، ولا يرون الخروج عليهم بالسيف وإن رأوا منهم العدول عن العدل إلى الجور والحيف، ويرون قتال الفئة الباغية حتى ترجع إلى طاعة الإمام العدل». فهذه عقيدة السلف في ولاة الأمور، ولاة أمور المسلمين. فكما قال الحسن: ولاة الأمور يلون من أمورنا خمسة، وذكر منها الجمعة والعيدين والجهاد، فهذه من الأمور التي يليها ولاة أمر المسلمين. وكما قال النبي عليه الصلاة والسلام في الصلاة معهم: «يصلون لكم، فإن أصابوا فلكم وعليهم، وإن أخطأوا فعليهم». وجاء في البخاري، وقال أيضا النبي عليه الصلاة والسلام لأبي الدر ولبعض الصحابة: «صلوا الصلاة معهم، أو قال: صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم»، أي يصلي مرتين، مرة يصلي الفريضة، ثم يصلي معهم نافلة؛ لأنهم يصلون الصلاة في غير وقتها كما حصل في عهد بني أمية، فكانوا يصلون الصلاة في غير وقتها أو في آخر وقتها. فقال النبي عليه الصلاة والسلام: «صلوا الصلاة لوقتها ثم صلوا معهم؛ فإنها لك نافلة». وهذا كله لأجل جماعة المسلمين. وقد جاءت الأحاديث المتكاثرة عن النبي عليه الصلاة والسلام بلزوم الجماعة وعدم الخروج عن الجماعة، وإن رأوا جورا، ورأوا كذلك ظلما، فإنهم لا يخرجون. وما جاء في حديث عوف بن مالك: «يكون عليكم أمراء، يحبونكم وتحبونهم، ويصلون عليكم أو قال: خيار أمرائكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أمرائكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم». فقالوا: أفلا ننابذهم بالسيف؟ قال: «لا، ما صلوا». وقال في حديث ابن عباس: «من رأى من أميره شيئا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله، ولا ينزعن يدا من طاعة». والأحاديث في هذا الباب كثيرة جدا في الأمر بطاعة ولاة الأمور من المسلمين، وإن جاروا، وإن كانوا أهل جور وأهل ظلم. ومضت السنة على ذلك، ومضى أهل العلم على ذلك. وقد حصل من بعض الفقهاء وبعض العلماء أنهم أرادوا أن يخرجوا، كما جاء عند ابن أبي يعلى في الطبقات وغيره، وذكره كذلك بعض أصحاب الإمام أحمد كالخلال، على أن أهل بغداد وفقهاء بغداد لما حصل ما حصل من الواثق، وقبله كان المأمون، من فتنة الناس بخلق القرآن وامتحانهم بذلك، بل وقتلهم، فاجتمع فقهاء بغداد عند أحمد، وقالوا: لا نستطيع أن نصبر على هذا الأمر. فقال لهم الإمام أحمد: «إنها الدماء، إنها الدماء». ثم بيّن لهم وناقشهم على أن يصبروا على هذا الأمر حتى يستريحوا من فاجر، أو حتى يقضي الله عز وجل في هذا الأمر. فإن أخذ الناس بما شرعه الله عز وجل سيأتي الفرج من عند الله سبحانه وتعالى، وإن أخذوا بالأمور الملتوية والمخالفة للشرع فإنما يجنون على أنفسهم. فلهذا، كما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: منذ أن خرج بعض الناس في زمن التابعين إلى يومنا هذا، لم يكن الخروج في شيء من تلك الخروجات نافعا للمسلمين، وإنما كان خسارة على المسلمين، إما في دمائهم، وإما في معاشهم، حتى في المعاش، فتكثر الفتن، ويكون بلاء على المسلمين بسبب هذه الفوضى أو بسبب الخروجات، وغالبا ما يكون الحكام الظلمة متشبثين بالرئاسة، فإن نزعهم أحد استعمل معهم السيف. فلهذا، الواجب على المسلم أن يطيع أمراءه من أهل الإسلام. وسيأتي إن شاء الله تعالى معنا أو قد ذكرنا قبل ذلك بيعة أو البيعة التي تكون في عنق الناس. وكذلك تولية الأئمة يكون بأمور قد ذكرناها في الدروس التي مضت، منها الغلبة إذا غلب بسيفه واستتب له الأمر، فهذان شرطان: أن يغلب بسيفه، ثم أيضا شرط آخر: أن يستتب له الأمر، معنى أن لا يكون هناك منازعة من طرف آخر. أما إن كانت هناك منازعة لازالت من طرف آخر، فيكون لم يكن وليا للمسلمين إذا كانت هناك منازعة من طرف آخر. وأما إن كان ليس هناك منازعة، بل استتب له الأمر، وسكت الناس واستسلموا له، فهنا بعد ذلك يكون أميرا ويكون من أمراء المسلمين أو من خلفائهم. وهذا الأمر الذي غلط فيه كثير من الناس، لم يفرقوا بين الاستتباب وبين المنازعة. فإن شاء الله تعالى لعلنا نذكر هذا في درس لاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.