شرح كتاب الصلاة 26

الدرس في شرح كتاب الصلاة 26، ألقاها

موضع الإمام والمأموم في الصلاة

يتحدث هذا الفصل عن موضع الإمام من المأمومين في الصلاة، حيث يُشرع للإمام أن يتقدم على المأمومين، ويقف المأمومون خلفه، مع جواز وقوف المأموم الواحد عن يمين الإمام عند الضرورة. يُستدل على ذلك بالأحاديث النبوية وأقوال الصحابة.

أحكام صلاة الجماعة وموقف الإمام والمأموم

يتناول هذا الفصل أحكام الصلاة الجماعة، مثل موقف الإمام والمأموم، وجواز صلاة المرأة خلف الرجال، وأحكام صلاة الصبيان مع الرجال، وتحمل الإمام للقراءة عن المأموم في الصلاة الجهرية. يُبيّن الأحكام المختلفة المتعلقة بصلاة الجماعة.

حكم قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية والسرية

يبحث هذا الفصل في حكم قراءة المأموم للفاتحة في الصلاة الجهرية والسرية، حيث يُثبت أن قراءة الفاتحة واجبة على المأموم في كلتا الحالتين، مستدلاً على ضعف الأدلة التي تُثبت سقوطها في الصلاة الجهرية. يُوضح كيفية التعامل مع قراءة الفاتحة بالنسبة للمأموم.

تفاصيل قراءة الفاتحة بعد الإمام

يشرح هذا الفصل تفاصيل قراءة المأموم للفاتحة بعد الإمام، حيث يُحدد الوقت المناسب لقراءتها، فإذا لم يكن هناك فصل بين قراءة الإمام والفاتحة، يقرأها المأموم بعد انتهاء الإمام منها. وإذا كان الإمام سريع القراءة، فيقرأها المأموم أثناء قراءة الإمام.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال: المسألة الرابعة: موضع الإمام من المأمومين. قال: السنة تقدم الإمام على المأمومين، فيقفون خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر؛ لأنه صلى الله عليه وسلم كان إذا قام إلى الصلاة تقدم، وقام أصحابه خلفه. ولما رواه مسلم وأبو داود أن جابرا وجبارا وقفا أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، فأخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه. والحديث في مسلم. ولقول أنس رضي الله عنه: «لما صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم في البيت، ثم يأم رسول الله صلى الله عليه وسلم ونقوم فيصلي بنا». والحديث في مسلم. السنة تقدم الإمام على المأمومين، فيتقدم الإمام ويصلي المأمومون خلف الإمام إذا كانوا اثنين فأكثر، اثنين، ثلاثة، أربع، فما فوق يصلون خلف الإمام. وسيأتي أيضا أنه يجوز إذا كانوا اثنين أن يكون الإمام أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره عند الحاجة والضرورة، لكن الأصل أنه يتقدم الإمام ويصلي المأمومون خلفه. فالنبي عليه الصلاة والسلام كان يصلي بأصحابه، فيتقدم ويصلي الصحابة رضوان الله عليهم خلفه. ولما صلى جابر وجبار مع النبي عليه الصلاة والسلام، أحدهما قام عن يمينه والآخر عن يساره، أخذ بأيديهما حتى أقامهما خلفه، يعني أرجعهما إلى الخلف فصار صف خلفه. وأنَس رضي الله عنه يذكر: «لما صلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم حين زارهم في بيت أم سليم، فصف أنس واليتيم خلفه والعجوز من خلفهم»، كما جاء في الحديث. قال: ويقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذيا له؛ لأنه صلى الله عليه وسلم أدار ابن عباس وجابرا على يمينه لما وقفا عن يساره. يقف الرجل الواحد عن يمين الإمام محاذيا له، يعني بجانبه وفي صفه، إذا كان مع الإمام مأموم واحد، فيصلي بجانب الإمام، لا يتقدم ولا يتأخر، يصلي بجانبه. لما صلى ابن عباس مع النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الليل حين بات عند خالته ميمونة، فقام النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل، فقام ابن عباس يصلي معه، فوقف عن يساره، فأداره النبي صلى الله عليه وسلم وأقامه عن يمينه، فدل هذا على أن مقام المأموم الواحد يكون عن يمين الإمام. قال: ويصح وقوف الإمام وسط المأمومين؛ لأن ابن مسعود صلى بين علقمة والأسود، وقال: «هكذا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فعل». والحديث في سنن أبي داود. صلى بأصحابه علقمة والأسود، هما من أصحاب مسعود رضي الله عنه، فجعل أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، ثم أخبر أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك. قال: لكن يكون ذلك مقيدا بحال الضرورة، ويكون الأفضل هو الوقوف خلف الإمام؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما مر معنا حين صلى جابر وجبار أقامهما أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، أردهما إلى الخلف، فيدل هذا أن هذا هو الأفضل والأكمل. لكن عند الحاجة، مثلا مكان ضيق ما يسع للصف، للإمام وللمأموم صف آخر، إنما هو صف واحد، هنا لا بأس يصلي الإمام وسط المأمومين، أحدهما عن يمينه والآخر عن يساره، يكون هذا للحاجة وللضرورة، وإلا فالأصل أن يكون الإمام متقدما. قال: وتكون النساء خلف صفوف الرجال؛ لحديث أنس رضي الله عنه: «صففت أنا واليتيم وراءه والعجوز من ورائنا». قال: صففت أنا واليتيم وراءه، يعني وراء النبي صلى الله عليه وسلم، فكان هو واليتيم صف والعجوز من ورائنا، المرأة وحدها صف، يجوز لها أن تصف خلف الصف وحدها، بخلاف الرجل، لا يجوز له أن يصلي خلف الصف وحده؛ لنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن ذلك، لا صلاة لمنفرد خلف الصف، هذا الحكم خاص بالرجال، أما المرأة فهي صف لوحدها. ولهذا إذا صلت مع زوجها مثلا تصلي خلفه، ما تصلي بجانبه، ولو كانت وحدها تصلي وحدها. قال: وأما الصبيان فيصلون مع الرجال، الصبيان يصلون مع الرجال. وأما ما ورد أنهم خلف الرجال، الرجال ثم الصبيان ثم النساء، فلا يصح. والصواب أنهم يصلون مع الرجال. وإذا تقدم الصبي وسبق الكبير لا يجوز له أن يبعده؛ فهو أحق بالمقام الذي سبق إليه. وسيأتي الإشارة إلى شيء من ذلك في المسائل التي ستأتي إن شاء الله. إذا تقدم المأموم على الإمام، قلنا الأصل أن المأموم يصلي خلف الإمام، فإذا تقدم المأموم على الإمام، فذهب جماعة من أهل العلم، ولو قول الجمهور، إلى بطلان الصلاة إذا صلى المأموم أمام الإمام، فصلاته باطلة. وذهب الإمام مالك إلى الجواز، أنه يجوز أن يتقدم المأموم على الإمام، وصلاته صحيحة. وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله بين القولين، فقال: إن كان تقدمه لضرورة فتصح، وإلا فلا. وهذا القول هو أعدل الأقوال، أنه إن كان تقدمه لضرورة، كيف لضرورة يمتلأ المسجد، يمتلأ المسجد وتمتلأ الضاحية خلف المسجد، ولا يوجد هناك مكان يصلي فيه إلا أن يتقدم الإمام، تكون هناك مساحة أمام الإمام، فهنا للضرورة يجوز، للضرورة يصلي، وصلاته صحيحة. وأما إن كان لغير ضرورة، إن كان لغير ضرورة، فلا يجوز أن يتقدم المأموم الإمام، والذي يجب أن يكون خلف الإمام، هذا القول كما نرى أنه قول وسط، وكذلك تدل عليه عموم الأدلة في سقوط الواجب عند العجز. قال: المسألة الخامسة: ما يتحمله الإمام عن المأموم. قال: يتحمل الإمام عن المأموم القراءة في الصلاة الجهرية؛ لحديث أبي هريرة مرفوعا: «وإذا قرأ فأنصتوا». ولقوله صلى الله عليه وسلم: «من كان له إمام فقراءته له قراءة». الأول رواه الإمام مسلم وغيره من أهل السنن. إذا قرأ فأنصتوا، ومن كان له إمام فقراءته له قراءة، رواه الإمام أحمد وابن ماجة. قال: أما في السرية، فإن الإمام لا يتحمل قراءة الفاتحة عن المأموم. هذه المسألة مسألة: هل تسقط الفاتحة عن المأموم في الصلاة الجهرية، فيتحملها عنه الإمام، أو يجب على المأموم أن يقرأ الفاتحة في الصلاة الجهرية؟ مسألة خلافية بين أهل العلم. المؤلف يذكر ويذهب إلى أن الإمام يتحمل عن المأموم القراءة في الصلاة الجهرية، بمعنى أنه لا يجب عليه قراءة الفاتحة، ويكفيه قراءة الإمام. واستدل بحديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «وإذا قرأ فأنصتوا»، أنصتوا بمعنى استمعوا لقراءته. وبقوله عليه الصلاة والسلام: «من كان له إمام فقراءته له قراءة». وأيضا لهم دليل آخر استدلوا به، وهو أن النبي عليه الصلاة والسلام انصرف من صلاة جهرية، في بعض الروايات أنها صلاة الصبح، فقال: «هل قرأ معي منكم أحد آنفا؟» فقال رجل: نعم، أنا يا رسول الله. فقال عليه الصلاة والسلام: «إني أقول ما لي أنازع في القراءة». فقال أبو هريرة: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه». وهذا الحديث رواه مالك في الموطأ، والبخاري في جزء القراءة، وكذلك أيضا أبو داود. قال: وأما الأدلة التي استدل بها من قال بسقوط القراءة عن المأموم في الجهرية، فمنها حديث أبي هريرة: «وإذا قرأ فأنصتوا». هذا الحديث رواه الإمام مسلم والترمذي والنسائي وأحمد. وأوله قال عليه الصلاة والسلام: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا قرأ فأنصتوا». استدلوا بهذه اللفظة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، فيها دليل على أن الإمام إذا قرأ في الجهرية وشرع في القراءة، وجب على المأموم أن ينصت. ومن لوازم الإنصات عدم القراءة. لكن هذه اللفظة: «وإذا قرأ فأنصتوا»، حكم عليها العلماء بالشذوذ. قال الإمام البيهقي رحمه الله: هذه اللفظة ليست بمحفوظة. وقال الدارقطني: هذه اللفظة لم يتابع سليمان التيمي فيها قتادة، وخالفه الحفاظ فلم يذكرها، إذن شذ بها سليمان التيمي رحمه الله. كما في كتاب الإلزامات والتتبع لشيخنا الوادعي رحمه الله، إذن هذه اللفظة شاذة لا تصح. وحديث: «من كان له إمام فقراءته له قراءة»، الحديث رواه أحمد وابن ماجة، وفي سنده جابر بن يزيد الجعفي، جابر بن يزيد الجعفي وهو كذاب، وفيه عنعنة أبي الزبير، فهو ضعيف. والدليل الثالث في قول أبي هريرة: «فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه». هذا ليس من قول أبي هريرة، وإنما هو من قول الإمام الزهري. قال النووي رحمه الله: ولأن الحفاظ من المتقدمين والمتأخرين يتفقون على أن هذه الزيادة: «فانتهى الناس»، ليست من كلام أبي هريرة، بل هي من كلام الزهري، مدرجة في الحديث. والمدرجات في الحديث ما أتت من بعض ألفاظ الرواة، اتصلت. أدرجها الزهري من قوله، فصار ظاهره أنه من قول أبي هريرة، لكن الصواب كما بين الحفاظ أنها من قول الزهري، وليست من قول أبي هريرة. والمدرج من قسم الضعيف، ليس من قول النبي عليه الصلاة والسلام، وليس هو من الحديث المرفوع، وإنما هو من قول التابعي أو الصحابي يذكره من باب التفسير أو التوضيح أو نحو ذلك. فليس هناك دليل صحيح صريح يدل على سقوط الوجوب عن المأموم في قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية، فنبقى على عموم الحديث: «لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب». فعلى هذا يجب على المأموم قراءة الفاتحة في الصلاة الجهرية كما يجب عليه قراءتها في الصلاة السرية. نعم، في الجهرية إذا كان الإمام يفصل بين الآيات، فيقرأها عند سكتات الإمام. وإن كان لا يفصل بينها، فبعد فراغه من قراءة الفاتحة، بعد أن ينتهي، نعم، بعد آمين يبدأ يشرع في قراءة الفاتحة. وإن كان مثلا ما يتمكن من قراءة الفاتحة بعده لسرعة قراءته، واقتصاره على قصار السور، كبعض الأئمة، فهنا يقرأها مع قراءته. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.

شاركنا على