شرح فتح المجيد 120

الدرس في شرح فتح المجيد 120، ألقاها

عجلة العقوبة للعبد الصالح وتكفير الذنوب

الدرس يشرح أن الله يعجل العقوبة للعبد الصالح في الدنيا لتكفير ذنوبه، بينما يؤخر عقوبة العاصي حتى يوم القيامة. المصائب للمؤمن الصابر تكون نعمة حيث تكفر الذنوب وترفع الدرجات.

عظم الجزاء مع عظم البلاء والصبر عليه

الدرس يتناول شرح حديث "إن عظم الجزاء من عظم البلاء" ويبرز أهميته في حسن الرجاء وحسن الظن بالله، مع شرح لأحاديث متعلقة بالابتلاء والصبر.

الرضا والسخط وأحكامها في مواجهة البلاء

الدرس يوضح معنى الرضا والتسليم لأمر الله والإيمان بقضائه، والسخط والكراهية لما قدره الله، مع اختلاف العلماء حول وجوب الرضا بالبلاء.

مرتبة الشكر كأعلى مراتب الصبر

الدرس يناقش مرتبة الشكر كأعلى مراتب الصبر، حيث يشكر الله على المصائب، وحكمها الاستحباب.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة وسلاما على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، قال المصنف رحمه الله تعالى: وعن أنس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا، وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة». قال الشارح رحمه الله تعالى: هذا الحديث رواه الترمذي والحاكم، وحسنه الترمذي، وأخرجه الطبراني والحاكم عن عبد الله بن مغفل، وأخرجه ابن عدي عن أبي هريرة، والطبراني عن عمار بن ياسر. تقدم أن الحديث جاء عن مجموعة من الصحابة، كما ذكر المؤلف والشارح من حديث أنس، وعبد الله بن مغفل، وكذلك من حديث أبي هريرة. والطبراني ذكرنا أن الشيخ للبن رحمه الله تعالى ذكر للحديث شواهد، والحديث الناظر فيه يرى أنه أقل أحواله أنه يكون حسناً بشواهده، بل ربما قد يكون صحيحا بشواهده، أي صحيحا لغيره. قال رحمه الله تعالى: قوله «إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا» أي بصب البلاء والمصائب عليه لما فرط من الذنوب منه، فيخرج منها وليس عليه ذنب يوافي به يوم القيامة. ومعنى هذا كما ذكر رحمه الله تعالى أن المصائب قد تكون للإنسان إذا صبر واحتسب الأجر من الله قد تكون سببا لتكفير السيئات، بل وقد تكون سببا لرفع الدرجات. قال رحمه الله تعالى: قال شيخ الإسلام: المصائب نعمة؛ لأنها مكفرات للذنوب، وتدعو إلى الصبر فيثاب عليها، وتقضي الإنابة إلى الله والذل له والإعراض عن الخلق، إلى غير ذلك من المصالح العظيمة. قال: فنفس البلاء يكفر الله به الخطايا، وهذا من أعظم النعم؛ فالمصائب رحمة ونعمة في حق عموم الخلق، إلا أن يدخل صاحبها بسببها في أعظم مما كان قبل ذلك، فتكون شرا عليه من جهة ما أصابه في دينه. فإن من الناس من إذا ابتلي بفقر أو مرض أو جوع حصل له من النفاق والجزع ومرض القلب أو الكفر الظاهر أو ترك بعض الواجبات أو فعل بعض المحرمات ما يجب له ضررا في دينه. قال: فهذا كانت العافية خيرا له من جهة ما أورثته المصيبة، لا من جهة نفس المصيبة. كما أن من أوجبت له المصيبة صبرا وطاعة كانت في حقه نعمة دينية؛ فهي بعينها فعل الرب عز وجل رحمة للخلق، والله تبارك وتعالى محمود عليها. قال: فمن ابتلي فرزق الصبر كان الصبر نعمة عليه في دينه، وحصل له بعد ما كفر من خطاياه رحمة، وحصل له بثنائه على ربه صلاة ربه عليه، قال جل ذكره: ﴿أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ﴾، وحصل له غفران السيئات ورفع الدرجات. فمن قام بالصبر الواجب حصل له ذلك. انتهى ملخصا. وهو كما ترون من أجود الكلام في الكلام على الصبر؛ أن أصل البلاء من الله جل وعلا خير للعبد؛ لأن البلاء يحصل للعبد رجوع إلى الله جل وعلا، ويحصل للعبد كذلك انكسار ومعرفة بحق أو بقدر نفسه، ومعرفة كذلك بقدر ربه جل وعلا، فيستكين إلى ربه جل وعلا وينكسر وينطرح بين يدي ربه جل وعلا، فيبادر أولا بالصبر ثم بالرجوع إلى ربه جل وعلا ظاهرا وباطنا، فيكون ذلك سببا لتكفير السيئات أولا، وقد يكون سببا ثانيا لرفع الدرجات. قال الله جل وعلا: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ * أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾. فكان بعد البلاء صبر، وبعد الصبر قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون، فأثنوا على ربهم جل وعلا بأنهم لا حول لهم ولا قوة إلا بالله جل وعلا، وأنهم إلى ربهم جل وعلا راجعون، فأثابهم الله جل وعلا بذلك الصبر وبذلك الثناء على ربهم جل وعلا. قال: قوله «وإذا أراد بعبده الشر أمسك عنه بذنبه» أي أخر عنه العقوبة بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة. قال: هو بضم الياء حتى يوافي بضم الياء وكسر الفاء منصوبا بحتى مبنيا على مبنيا للفاعل، أي حتى يوافي. قال العزعزي: أي لا يجازيه بذنبه في الدنيا حتى يجيء في الآخرة مستوفر الذنوب، وفيها يستوفي ما يستحقه من العقاب. وهذه الجملة هي آخر الحديث. قال رحمه الله تعالى: فأما قوله: «وإن عظم الجزاء من عظم البلاء» إلى آخره، قال: فهو أول حديث آخر، أي أن هذا الحديث حديث آخر ليس هو من جملة هذا الحديث. قال: لكن لما رواهما الترمذي بإسناد واحد وصحابي واحد جعلهما المصنف كحديث واحد. قالوا: فيه التنبيه على حسن الرجاء وحسن الظن بالله فيما يقضيه لك، كما قال تعالى: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَىٰ أَن تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال المصنف رحمه الله تعالى: وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن عظم الجزاء من عظم البلاء، وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخط». حسنه الترمذي. قال الشارح رحمه الله تعالى: قال الترمذي: حدثنا قتيبة، قال: حدثنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب عن سعد بن سنان عن أنس، وذكر الحديث السابق، ثم قال: وبهذا الإسناد عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن عظم الجزاء...» الحديث. ثم قال: وهذا حديث حسن غريب من هذا الوجه. قال رحمه الله تعالى: ورواه ابن ماجه، ورواه الإمام أحمد عن محمود بن لبيد، رفعه: «إذا أحب الله قوما ابتلاهم، فمن صبر فله الصبر، ومن جزع فله الجزع». قال المنذري: ورواته ثقات. قوله «إن عظم الجزاء» بكسر العين وفتح الضاد، ويجوز ضمها مع سكون الضاد، أي: من كان ابتلاؤه أعظم كيفية وكمية. قال: وقد يحتج بهذا الحديث من يقول: إن المصائب يثاب عليها مع تكفير الخطايا. قال: ورجح ابن القيم أن ثوابها تكفير الخطايا فقط، إلا إذا كانت سببا لعمل صالح كالصبر والرضى والتوبة والاستغفار، فإنه حينئذ يثاب على ما تولد منه. قال رحمه الله تعالى: قوله «وإن الله إذا أحب قوما ابتلاهم» ولهذا ورد في حديث سعد: سئل النبي صلى الله عليه وسلم: أي الناس أشد بلاء؟ قال: «الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل؛ يبتلى الرجل على حسب دينه، فإن كان في دينه صلابة اشتد بلاؤه، وإن كان في دينه رقة ابتلي على قدر دينه، فما يبرح البلاء بالعبد حتى يتركه يمشي على الأرض وما عليه خطيئة». رواه الدارمي وابن ماجه والترمذي وصححه، وهو كذلك حديث حسن إسناده حسن، إما بذاته أو بشواهده. قال رحمه الله تعالى: وهذا الحديث ونحوه من أدلة التوحيد؛ فإذا عرف العبد أن الأنبياء والأولياء يصيبهم البلاء في أنفسهم الذي هو في الحقيقة رحمة، ولا يدفعه عنهم إلا الله، عرف أنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا دفعا؛ فلأن لا يملكونه لغيرهم أولى وأحرى. وهذا المعنى واضح؛ إذا كان الأنبياء وهم أفضل الخلق ومع هذا يصيبهم ما يصيبهم من الأمراض والأسقام والبلايا، وهم محتاجون في رفع تلك الأشياء أو في دفعها إلى الله جل وعلا وحده، فهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فإذا كان كذلك فهم مفتقرون إلى الله جل وعلا وحده، وكذلك غيرهم يجب أن يكون مفتقرا إلى الله ملتجا إليه، ولا ينظر إلى نبي ولا إلى ولي على أنه يستطيع أن يملك له نفعا أو يدفع عنه ضرا؛ لأن الأمر كله بيد الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: فيحرم قصدهم والرغبة إليهم في قضاء حاجة أو تفريج كربة. وفي وقوع الابتلاء بالأنبياء والصالحين من الأسرار والحكم والمصالح في العاقبة ما لا يحصى؛ أي: أن ابتلاء الله جل وعلا للأنبياء، ومعلوم أن الأنبياء ومنهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم قد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، ومع هذا يبتلى، ومع هذا تصيبه الأمراض، تصيبه الحمى إلى غير ذلك. قال: ففي هذا الأمر وفي هذه البلايا التي حصلت في الأنبياء وحصلت في إمام الأنبياء وسيدهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كما ذكر من المصالح والأسرار ما لا يعلمه إلا الله جل وعلا. والشيخ رحمه الله تعالى أشار إلى بعض تلك الأسرار، وهي: أن الأنبياء وإن بلغوا مرتبة عالية من مراتب الخلق إلا أنهم فقراء محتاجون إلى الله جل وعلا وحده، وأنهم لا يملكون لأنفسهم نفعا ولا ضرا، فهم محتاجون مفتقرون إلى الله جل وعلا. قال رحمه الله تعالى: قوله «فمن رضي فله الرضا» أي: فله الرضا من الله تعالى. قال: والرضا قد وصف الله به نفسه في مواضع من كتابه، كقوله: ﴿جَزَاؤُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. فالله جل وعلا أثبت لنفسه الرضا، وأثبت كذلك لعباده أنهم يرضون عنه. قال: فالله جل وعلا يرضى ويرضى عنه؛ الله جل وعلا يرضى عن العبد، والعبد كذلك يرضى عن ربه، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾. قال: قال أهل السنة: إثبات الصفات التي وصف الله بها نفسه، ووصفه بها رسوله صلى الله عليه وسلم على ما يليق بجلاله وعظمته، إثباتا بلا تمثيل وتنزيها بلا تعطيل. قال: فإذا رضي الله تعالى عنه حصل له كل خير وسلم من كل شر؛ إذا حصل العبد على الرضا من الله جل وعلا فهو الموفق. قال: «ورضي» هو أن يسلم العبد أمره إلى الله، ويحسن الظن به، ويرغب في ثوابه، وقد يجد لذلك راحة وانبساطا، محبة لله وثقة به. قال: وقد جاء عن ابن مسعود رضي الله عنه وأرضاه: «إن الله بقسطه وعدله جعل الروح والفرح في اليقين والرضا، وجعل الهم والحزن في الشك والطيش». وهذا الأثر عن عبد الله بن مسعود رواه هناد في الزهد، وكذلك رواه ابن أبي الدنيا وغيرهم، رواه كذلك البيهقي في الشعب، وهو من طريق موسى بن أبي عيسى عن ابن مسعود، وهو لم يسمع منه. وكذلك روي مرفوعا من طريقين: الأولى فيها خالد بن يزيد العمر، وهو متهم بالوضع، والأخرى من طريق محمد بن مروان السدي، وهو كذلك متهم بالوضع؛ فالمرفوع لا يصح بل موضوع، والموقوف فيه انقطاع. قال رحمه الله تعالى: قوله «ومن سخط» هو بكسر الخاء. قال أبو السعادات: السخط الكراهية للشيء وعدم الرضا به؛ أي: من سخط على الله فيما دبره فله السخط من الله، وكفى بذلك عقوبة. وهو كما قال: كفى بذلك عقوبة أن يسخط الله جل وعلا على عبده. قال: وقد يستدل به على وجوب الرضا بهذا الحديث، يستدل على أن الرضا واجب. قال: وهو اختيار ابن عقيل. قال: واختار القاضي عدم الوجوب، ورجحه شيخ الإسلام وابن القيم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: ولم يأت الأمر به كما جاء الأمر بالصبر، وإنما جاء الثناء على أصحابه. قال: وأما ما يروى: «من لم يصبر على بلائه ولم يرض بقضائه فليتخذ ربا سواه»، قال: فهذا إسرائيلي لم يصح عن نبي صلى الله عليه وسلم. قال شيخ الإسلام رحمه الله: وأعلم من ذلك -أي من الرضا- أن يشكر الله على المصيبة لما يرى من إنعام الله عليه بها. انتهى. والحاصل: أن الرضا بالبلاء من مستحبات الإيمان، وليس من واجبات الإيمان؛ فكما مر معنا في الدرس الماضي أن الناس في البلاء أقسام. القسم الأول: الساخط الذي يسخط، ومن سخط استحق السخط، وهذا أتم عاص. النوع الثاني أو القسم الثاني: من ابتلي فصبر، فهذا مأجور على صبره؛ فالصبر ها هنا الذي هو في مقابل السخط واجب. أعلى منه درجة الرضا؛ الرضا بأقدار الله، الرضا بالمصائب التي تصيبه، هل الرضا بالمصائب التي تصيبه واجب؟ الرضا بها أو مستحب؟ واضح؛ مع وجود الصبر واجب أو مستحب؟ يقول الشيخ السلام الرتيمي رحمه الله تعالى، وكذا تلميذه ابن القيم: إنه مستحب وليس بواجب، وذكروا أن هذا رواية عن أحمد، وأن هذا رواية عن الإمام أحمد؛ روايتان: رواية بالوجوب، ورواية بالاستحباب. الرواية بالوجوب ذهب إليها ابن عقيل من الحنابلة، وبالاستحباب ذهب إليها القاضي كذلك من الحنابلة، واختارها شيخ الإسلام وابن القيم، وهو الصحيح؛ لأنه لم يأت دليل يدل على وجوب الرضا بالمصائب، وإنما جاءت فضائل. المرتبة الثالثة: كما سمعتم مرة معنا في الدرس الماضي: مرتبة الشكر؛ أن يشكر الله جل وعلا على المصائب، وهذه مرتبة الشاكرين، وهي أعلى مراتب الصبر، كما يقول العلماء رحمهم الله تعالى؛ فأصل الصبر واجب، والرضا أعلى درجة من أصل الصبر، وحكمه الاستحباب، وأعلى من ذلك الشكر، وحكمه أنه مستحب.

شاركنا على