الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 48، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتناول شرح الآية الكريمة التي تتحدث عن الدعاة والكبراء الذين يضلون الناس، ويبين معنى الوزر وأثره على هؤلاء الدعاة يوم القيامة. يشرح العلاقة بين الذنوب والأثقال التي يحملها هؤلاء.
المبتدع يدعو إلى بدعته ويقاتل من أجل نشرها، مما يجعله يحمل وزر نفسه ووزر من أضلهم. الآية تشير إلى أن من يدعو إلى الضلالة يتحمل إثم نفسه وإثم من اتبعه.
يُناقش خطورة اتباع الناس للكبراء والرؤساء دون علم، ويبين أن هذا الاتباع يعتبر من التقليد المحرم. الجهل ليس عذراً عند الله إذا كان بإمكان الشخص طلب العلم والمعرفة.
الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: قال تعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية تحت ذلكم الباب الذي مر معنا في بيان أن البدعة أشد من الكبائر، وهذه الآية وهي قوله سبحانه وتعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة﴾ جاءت في حق الدعاة والكبراء والرؤساء الذين يدعون غيرهم إلى الشرك والكفر والضلالة. فقال الله جل وعلا في حقهم ﴿ليحملوا أوزارهم﴾، والوزر في اللغة بمعنى الحمل أو الحمل الثقيل، هذا معنى الوزر، وزر يزر أي حمل حملاً ثقيلاً. ومنه سمي المعين وزيرًا، واجعل لي وزيرًا أي واجعل لي معينًا. وقال العلماء: إن من أسباب إطلاق كلمة الوزير على المعين لأن هذا المعين وهو معين للملك أعانه في حمل عبء وأثقال الدولة، الملك تنتابه الأعباء الكثيرة فيأتي الوزير فيحمل عنه هذا العبء، فسمي وزيرًا لأنه حمل عنه. فكلمة الوزر وما تفرع منها تأتي بهذا المعنى، بمعنى الحمل الثقيل. وما المراد هنا بهذه الآية ﴿ليحملوا أوزارهم﴾؟ الأوزار هنا هي المعاصي والذنوب. وما العلاقة ولماذا سميت المعاصي والذنوب وزرًا؟ حملة لأنها عبء ثقيل، عبء ثقيل يأتي به الإنسان يوم القيامة. ولهذا جاء في آية أخرى قال سبحانه وتعالى ﴿وليحملن أثقالهم وأثقالاً مع أثقالهم﴾، ما المقصود بالأثقال هنا؟ هي نفسها الذنوب، سماها ربنا جل وعلا بالأثقال، أي الشيء الثقيل الذي يكون على كاهل الناس وممن اقترف الذنب والمعصية والشرك والكفر. فقال سبحانه ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة﴾ أي لا ينقص منها شيئًا، حتى قيل: إن ما يصيبهم من مصائب الدنيا ومن نكباتها لا يكفر عنهم ما هم فيه من الذنب، وإن كانت المصائب التي يصاب بها ويبتلى بها الإنسان فيها تكفير للذنوب، لكن في ذنب هؤلاء لا، ما أتوا به من الذنب العظيم لا تكفره حتى هذه المصائب، فهي تأتي كاملة يوم القيامة. قال ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم﴾، ومن هنا تبعيضية، أي أن هؤلاء الرؤوس والكبراء يأتون يوم القيامة بأوزارهم ومن بعض أوزار الذين اتبعوهم، بعض أوزارهم. ومنهم من قال: إن من هنا جنسية، فيكون المعنى أن الرؤساء والكبراء سيأتون بأوزارهم وبكامل أوزار الذين اتبعوهم، وهم الذين أضلوهم في هذه الدار. فقيل: من تبعيضية، وقيل: من جنسية. ثم قال سبحانه وتعالى ﴿ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم﴾، بغير علم عائد إلى من؟ فأهل التفسير على قولين اثنين. فمن أهل العلم من يرى: بغير علم أن هذا الوصف وهي حال تعود إلى الفاعل وهم الكبراء والرؤساء، فيكون المعنى أن هؤلاء الكبراء وهؤلاء الرؤساء والدعاة أضلوا هؤلاء بأن أدخلوهم إلى سبيل وهم لا يعلمون في حقيقة حالها، وإنما أولجوهم إلى طريق الله أعلم أين مؤداه، فهم أدخلوهم في طريق الله أعلم به، هوى وتعصبًا، أدخلوهم فيه بغير علم، ليس معه حجة في هذا، أو أنهم غير عالمين بفداحة الإثم الذي سيتحصلون عليه باتباع هؤلاء لهم، هذا قول، وهو وجه إذا جعلنا بغير علم تعود إلى الفاعل وهم الكبراء والرؤساء. ومن أهل التفسير من يرى أن كلمة بغير علم أنها حال من المفعول وهم الأتباع وهم الناس، فإن هؤلاء الأتباع من أمرهم ومن حالهم أنهم اتبعوا الكبراء والرؤساء من غير تبين ولا تثبت، وإنما اتبعوهم هكذا، رأوا الناس يمشون معهم فمشوا مع الناس، وهم اتبعوهم بغير علم، فهذا وارد وذاك وارد. فهذه الآية إخواني في الله، وهي قوله تعالى ﴿ليحملوا أوزارهم كاملة يوم القيامة ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم ألا ساء ما يزرون﴾، وفي تحتها مسائل. وأول مسائل هذه الآية أولاً: ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى حيث أورد هذه الآية في هذا الباب لبيان أن المبتدع أشد من العاصي. وجه ذلك أن المبتدع يدخل -إخواني في الله- دخولاً بعموم الآية، إذ أنه ما من مبتدع، وهذه من خصائص البدعة أنها تنتشر، لأننا قد مر معنا أن المبتدع أولاً يرى أن البدعة هي من صميم الدين، فهي أمر تعبدي يتقرب به إلى ربه. فبعدما أن يعتنق المبتدع هذه البدعة يرى أن من لوازم العبادة والتقرب أن يدعو غيره إليها، ولهذا تجده يقاتل، ينافح، يجادل في سبيل نشرها. وهذا الذي يلاحظ، هذا الذي يلاحظ ما عليه الفرق والجماعات والمبتدعة والطرق، كل يجمع الناس حول بدعته. وهذا إن كان نعم قد يوجد في أهل المعاصي، لكن قليل، إلا أن المعصية وصاحب المعصية الغالب على أنه يتستر بها حتى لا يعرف بها، ويخشى أن يجاهر بها. لكن بعضهم من ضعف إيمان يجاهر، ولربما دعا، لكن أكثر من يدعو إلى مخالفتهم أهل البدع، وهم في من خصائص البدع أنها تنتشر، ولهذا كانت أخطر وأخبث من المعصية. تجد أن المبتدع يقوم بنشرها ويقوم بدعوة غيره إليها، وهذه الآية -أخواني في الله- كذلك فيها بيان لخطورة علماء السوء ودعاة الضلالة، إذ أنهم من أعظم الأسباب التي تؤدي إلى إضلال الناس. وقد أشرنا إلى هذه الفقرة في درس أمس والذي مضى، وأشرنا فيه إلى أن من أخطر العوامل التي تهدد مجتمعات الناس ومجتمعات المسلمين هو ظهور العلماء السوء ودعاة الضلالة، إذ أنهم بما يلبسونه من لباس العلم ومن قميص التقوى والزهد يندسون بين مجتمعات المسلمين بنشر البدع، فتكون في ذلك هلاك الناس. وقد أشار إلى ذلك نبينا صلى الله عليه وسلم كما في حديث حذيفة عندما أشار إلى فتن آخر الزمان فذكر ممن ذكر، قال: «دعاة على أبواب جهنم، دعاة هم يدعون، لكن أين؟ انظر إلى محلهم، والعياذ بالله، دعاة على أبواب جهنم، من أجابهم إليها قذفوه فيها». فهذا فيه خطورة لعلماء السوء دعاة الضلالة. وفي الآية كذلك -إخواني في الله- كذلك فيها بيان لخطورة من يكون رأسًا في الضلالة، فالأمر -رأسًا- يسير، فكونك يا عبد الله تعمل ضلالة، تعمل مخالفة، تعمل معصية، هذا أمر، لكن كونك تدعو غيرك إليها هذا أمر أخطر. ووجه الخطورة كما سمعتم في الآية: أنك تتحصل على الوزر، تتحصل على وزر الأتباع. وهنا فائدة أنبّه عليها في هذا المقام، وهو إشكال قد يقول بعض الناس: كيف هذه الآية تقول إن هؤلاء يتحملون أوزارهم وأوزار غيرهم، مع أن الله جل وعلا قال: ﴿ولا تزر وازرة وزر أخرى﴾، وأن صاحب الذنب إنما يحاسب على ذنبه هو؟ فكيف هذه الآية في أن الله يحاسب العبد على ذنبه وعلى ذنب غيره؟ الجواب -إخواني في الله- قال العلماء: إن هؤلاء ضوعف لهم في العذاب لأنهم تحصل على وزرين لا على وزر واحد، الوزر الأول أنهم ضلوا أنفسهم، والوزر الثاني أنهم أضلوا غيرهم، أضلوا غيرهم. فمن كان سببًا -وانتبه للقاعدة- من كان سببًا في إضلال الغير فإنه يتحمل إثمه وإثم الغير، يتحمل إثمه وإثم الغير، فيكون الجزاء مضاعفًا عند الله سبحانه وتعالى. بهذا -إخواني في الله- تعلم خطورة هذا المسلك، أنك لا تكون رأسًا في الضلالة. وقد كان من عبارات السلف الصالح وهي قولهم: لأن تكون تابعًا في الخير خير من أن تكون رأسًا في الضلالة. لأن تكون تابعًا، كن تابعًا لا تعرف عند أحد، غير مشهور في المجتمع في باب الخير في باب السنة، هذا خير لك من أن تكون رأسًا بارزًا ظاهرا يشار إليك بالبنان، وترمقك الأنظار، وترتفع لك الرؤوس والهامات، لكنك في ضلالة وفي بدعة، هذا أخبث. فانتبِه لهذا المسلك -إخواني في الله- فإن تكون تابعًا ذيلاً في الخير وفي السنة هذا خير وأحب وأفضل من أن تكون رأسًا في الضلالة، لما؟ لهذا الأمر، لأنك ستحصل على وزرك وعلى وزر الأتباع. انظر كم قد تبعك على هذه الضلالة؟ عشرة، لك وزر العشرة، مئة، لك وزر المئة، آلاف، لك وزر الآلاف. فلا تغتر -يا عبد الله- بالجموع والحشود، أو تغتر بالجماهير التي تسير خلفك، لكن انظر -يا عبد الله- إلى عظم الوزر. وكان هذا الأمر -إخواني في الله- من أعظم الدوافع التي ثبتت الإمام أحمد رحمه الله تعالى في فتنة خلق القرآن، إذ أن الكثير من العلماء من أجاب لها، وذلك خوفًا من صولة الحاكم ومن غضبه ومن سجنه وحبسه وقتله لمن وقف أمامه، إذ أجاب الكثير. الإمام أحمد رحمه الله تعالى فترة من الفترات كاد أن يجيب، لكن ثبته الله. من أعظم ما ثبته أن رأى ذلك المنظر العظيم، عندما خرج على طلابه ورأى الناس والأتباع ومعهم المحابر والدفاتر والأقلام ينتظرون كلمة منه، كلمة إن قالها سجلت والناس يخرجون على إثرها تابعين ويعتقدون هذا الذي سيتلفظ به. فلما رأى هذا قال: «أموت ولا أضل للناس، أموت ولا أضل هؤلاء»، لأنه إن قال وتلفظ بالباطل هؤلاء من الذي يتحمل أوزارهم؟ معناه عذر عند الله جل وعلا أنه مكره، لكنه صبر وثبت. فاحذر -يا عبد الله- من هذا المسلك، فلا تغتر بالجموع أو تغتر بأن تكون رأسًا، فانظر في أين هو موقعك؟ إن كان في الخير فأحمد الله، وإن كان في الضلالة فاحذر -يا عبد الله- أن يتبعك أحد على هذا المسلك. كذلك في هذه الآية -أخواني في الله- الفوائد: فيها أن الذين يتبعون هؤلاء الكبراء والرؤساء هم من كما قال ربنا جل وعلا: «يضلونهم بغير علم»، الجهلة، الجهلة هم أتباع كل زاعق وناعق. هؤلاء الكبراء والرؤساء والدعاة وأهل البدع الذين ينشرون الضلالة يمنة ويسرة وفي شرق الدنيا وفي غربها، انظر من الذي يتساقط في حبائلهم وفي شباكهم؟ لا يسقط فيهم إلا الجهلة، أتباع كل زاعق وناعق. يضلونهم بغير علم، فدل ذلك على أن من آتاه الله علمًا فهو على بصيرة من أمره، وبصيرة في دين، يميز بين الحق والباطل وبين الهدى والرشاد والضلال. وفي ذلك فضيلة -إخواني في الله- فضيلة للعلم ولطلب العلم وللعلم أنه من أعظم الأمور التي بها تميز بين الحق والباطل. أما الجاهل فإنه يكون أضحوكة لكل زاعق وناعق. وأخيرًا -إخواني في الله- كذلك في قوله تعالى ﴿يضلونهم بغير علم﴾ أي أن هؤلاء الأتباع تبعوا الرؤساء بغير علم، فهل هذا حالهم كان عذرًا؟ كان عذرًا مسوغًا في أن الله جل وعلا لا يعذبهم؟ لا، ما هذا بعذر. قد يقول أخي: هم اتبعوهم بغير علم، طيب بغير علم ألا يسألون؟ ألا يسألون؟ ألا يتثبتون في أمر دينهم؟ بهذا نعلم -إخواني في الله- مسألة عظيمة ينبغي أن يعرفها الناس قاطبة كافة. ومن المسائل التي عشعشت في أذهان الكثير من الناس ويرى أنها حجة عند الله، مسألة عدم العلم والسؤال، هو أن عدم العلم حجة عند الله، بأنه يعذرني ربي، لا، ليس كل عدم العلم حجة عند الله. فهؤلاء مثلاً ليسوا معذورين في اتباعهم لهؤلاء الكبراء والرؤساء، لكن لهم أوزار يوم القيامة. لأن -إخواني في الله- الذي لا يعلم له أسباب، من كان مثلاً بعيدًا عن أهل العلم، أو من كان حديث عهد بإسلام، بحديث عهد بالعلم، هذا له عذر. أما أنك -يا عبد الله- تعيش بين أهل العلم وتعيش في بلد العلم، لكن الواقع أنك معرض عن العلم، معرض. إذا قام أحد من المتكلمين بدرسه خرجت، وإذا كنت في المذياع سمعت الفتاوى أغلقته، وإذا مر عليك كتاب ديني بطّلت. أنت الآن معرض عن العلم، ثم إذا صليت أخطأت في صلاتك، وإذا صمت أخطأت في صومك، وإذا حججت أو اعتمرت وقعت في قوابخ ونواقض، ثم تقول: أنا معذور، لا، أنت ما أنت معذور. بهذا إذا أنت معرض عن العلم وعن أهل العلم، هذا ليس بعذر -إخواني في الله-. الذي يعذر الذي طلب العلم وحرص على العلم ثم فاته شيء من العلم من غير قصد، هذا يعذر. لكن أما أنك تولي الأدبار عن العلم، لا قراءة ولا كتابة ولا نظرًا ولا بحثًا ولا سؤالاً ولا استفسارًا ولا استفهامًا، إلا ما يوافق هواك، ثم تقول: أنا معذور عند الله، لا، هذا ليس بعذر. وانظر لهؤلاء الأتباع وصفهم الله جل وعلا أنهم اتبعوا الكبراء بغير. وما عليهم أوزار لماذا؟ لأنهم أخذوا مما يسمى بالتقليد المحرم، قلدوا، والتقليد المحرم هو التقليد المذموم، اتباع من ليس بحجة بغير حجة. كحال كثير من الناس إذا دعاهم أحد إلى عبادة القبور خرج الكثير، لا يسألون عن دينهم ولا يتحرون عن عقائدهم، ثم يقولون: نحن جهلة، لهذا أمرهم إلى الله سبحانه وتعالى. فالحاصل -إخواني في الله- هذه الآية اجتمعت على عدة فوائد، ومنها ما أراده المؤلف رحمه الله تعالى ليبين على أن من وقع في البدعة أن أمره أشد من صاحب الكبيرة. وجه ذلك أن المبتدع دائمًا -وهذه الصفة الغالبة فيهم- يدعو غيره، فحينها يتحصل على إثمه وعلى إثم من اتبعه. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.