كتاب الطهارة 18

كتاب الطهارة 18

الدرس في كتاب الطهارة 18، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

شرح حديث دبغ الإهاب ودلالته على الطهارة

شرح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول طهارة جلد الميتة بعد دبغه، حيث أخرج مسلم الحديث بلفظ "إذا دبغ الإهاب فقد طهر". يوضح المقطع معنى الإهاب وشرط طهارته بالدباغة.

آراء الفقهاء حول تأثير الدباغ على طهارة جلود الميتة

يتناول آراء الفقهاء حول تأثير الدباغ على طهارة جلود الميتة، حيث يرى البعض أنها تطهر بفعل الدباغ بينما يرى آخرون أنها لا تطهر أو أن هناك استثناءات لبعض الحيوانات.

استدلال العلماء بدباغ الجلود لتطهيرها

استدل العلماء بحديث النبي على أن دباغ الجلود يعتبر طريقة لتطهيرها، حيث ورد في حديث عائشة وسلمة بن المحبق أن دباغ الجلد يعتبر ذكاته، مما يدل على أن الجلود تصبح طاهرة بعد الدباغ.

  • 19 جمادى الآخرة 1445هـ - 31/12/2023مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. ما بعد: قال المؤلف رحمه الله تعالى: وعلي بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، أخرجه مسلم. وعند الأربعة: «إذا دبغ الإهاب طهر». وهذا الحديث أخرجه الإمام مسلم من طريق الزهري، عن عبد الرحمن بن وعلي، عن ابن عباس. وذكر الدباغ هنا: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، أنه هذا قد اتفق عليه أصحاب الزهري. وفي حديث ميمونة الذي في البخاري: لما كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم يشاتون لميمونة، قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا انتفعتم بإهابها، فدبغتموه؟». الإهاب -كما سيأتي تعريفه- هو جلد الميتة. قال: وعلي بن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ الإهاب» -بزنة كتاب، وهو الجلد أو ما لم يدبغ، كما في القاموس- معنى الإهاب: يقول: بزنة كتاب، أي في الوزن وزن الكريم، وهو جلد الحيوان قبل أن يدبغ، يسمى إهابًا، وإذا دبغ لا يسمى إهابًا. فقال هنا النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر»، ففيه اشتراط: إذا دبغ الإهاب متى يطهر؟ إذا دبغ. فإذا هنا شرطية، ودبغ هي فعل الشرط. قال: «فقد طهر»، بفتح الطاء والهاء، ويجوز ضمها. قال: أخرجه مسلم بهذا اللفظ، أي: «إذا دبغ الإهاب فقد طهر». وعند الأربعة، أي: أصحاب السنن، هذا اللفظ الآخر: «إذا دبغ الإهاب طهر». والإسناد واحد. قالوا: الحديث أخرجه الخمسة، إنما اختلف لفظه. وقد روي بألفاظ، وذكر له سبب، وهو أنه صلى الله عليه وسلم مر بشاة ميتة لميمونة، فقال: «ألا استمتعتم بإهابها؟ فإن دباغ الأديم طهوره». وهذه الرواية صحيحة، أخرجها أحمد. لكن الحديث أيضًا في البخاري، قال: وروى البخاري من حديث السوداء، قالت: ماتت لنا شاة، فدبغنا مسكها، ثم ما زلنا ننتبذ فيه حتى صار شنا، أي: قربة قديمة. وفي البخاري أيضًا: قال لهم: «هل انتفعتم بإهابها، فدبغتموه؟». قال: الحديث دليل على أن الدباغ مطهر لجلد ميتة كل حيوان، كما يفيده عموم كلمة «أيما»، وأنه يطهر باطنه وظاهره. قال: وفي المسألة سبعة أقوال: الأول: أن الدباغ يطهر جلد الميتة باطنه وظاهره، ولا يخص منه شيء، عملًا بظاهر حديث ابن عباس، وما في معناه. وهذا مروي عن علي وابن مسعود. الثاني: أنه لا يطهر الدباغ شيئًا، وهو مذهب جماهير الحنفية، ويروى عن جماعة من الصحابة، مستدلين بحديث الشافعي الذي أخرجه أحمد والبخاري في تاريخه، والأربعة، والدارقطني، والبيهقي، وابن حبان، عن عبد الله بن عكيم: «كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل موته: لا تنتفعوا من ميتة بإهاب ولا عصب». وفي رواية الشافعي وأحمد وأبي داود: «قبل موته بشهر». وفي رواية: «بشهر أو شهرين». قال الترمذي: حسن. وكان أحمد يذهب إليه، ويقول: هذا آخر الأمرين، ثم تركه. قالوا: وهذا الحديث ناسخ لحديث ابن عباس، لدلالته على تحريم الانتفاع من الميتة بإهابها وعصبها. وأجيب عنه بأجوبة. الثالث: يطهر جلد الميتة المأكول لا غيره. لكن يرده العموم: «أيما إهاب». لكن سيأتي في حديث سلمة بن المحبق: «دباغ جلد الميتة طهورها». وقوله في حديث عائشة: «دباغها ذكاتها»، يدل على أن الدباغ يعتبر مثل الذكاة، وما الذي يذكى هو مأكول اللحم، فلهذا استدلوا بهذه الرواية: «دباغها ذكاتها»، على أن الذي يدبغ هو جلد المأكول. الرابع: يطهر الجميع إلا الخنزير، فإنه لا جلد له، وهو مذهب أبي حنيفة. الخامس: طهر إلا الخنزير، لكن لا لكونه لا جلد له، بل لكونه رجسًا، لقوله تعالى: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، والضمير للخنزير، فقد حكم برجاسته كله. والكلب مقيس عليه بجامع النجاسة، وهو قول الشافعي. السادس: يطهر الجميع، لكن ظاهره دون باطنه، فيستعمل في اليابسات دون المائعات، ويصلى عليه، ولا يصلى فيه. قال: وهو رواية المالكية، جمعًا منه بين الأحاديث لما تعارضت. السابع: ينتفع بجلود الميتة وإن لم تدبغ، ظاهرا وباطنا، لما أخرجه البخاري من رواية ابن عباس: أنه مر بشاة ميتة، فقال: «هل انتفعتم بها؟» قالوا: إنها ميتة. قال: «إنما حرم أكلها». قال: وهو رأي الزهري. وأجيب عنه بأنه مطلق قيدته أحاديث الدباغ التي سلفت. قال: وعن سلمة بن المحبق رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دباغ جلود الميتة طهورها»، صححه ابن حبان. رواه ابن حبان، وصححه. لكن في ابن حبان بلفظ: «ذكاة الأديم دباغه». أما هذا اللفظ الذي ذكره: فهو حديث عائشة، أخرجه ابن حبان من حديث عائشة. وقد رواه أحمد وأبو داود والنسائي. وسلمة بن المحبق: هو بضم الميم، المحبق: بضم الميم الأولى، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الموحدة. وسلمة صحابي، يعد في البصريين. روى عنه ابنه سنان، ولسنان أيضًا صحبة. قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دباغ جلود الميتة طهورها»، صححه ابن حبان. قال: وفي لفظ: «دباغها ذكاتها». وفي لفظ آخر: «ذكاة الأديم دباغه». وجاء هذا الحديث: «ذكاة الأديم دباغه» أيضًا من حديث عائشة، رواه الدارقطني والبيهقي، عن عطاء بن يسار، عن عائشة: «طهور كل أديم دباغه». فصح هذا الحديث بشاهده أيضًا عن عائشة. قالوا: وفي الباب حديث معناه هو يدل على ما دل عليه حديث ابن عباس. قالوا: وفي تشبيه الدباغ بالذكاة إعلام بأن الدباغ للتطهير بمنزلة تذكية الشاة لإحلال أكلها، لأن الذبح يطهرها ويحل أكلها. وبهذا استدل جماعة من أهل العلم بأن الحديث يدل على أن ذكات هذا الجلد دباغه، لأن قوله: «دباغها ذكاتها»، جاء أيضًا في حديث عائشة، وفي حديث سلمة بن المحبق، فهذا يدل على أنه يذكى، والذي يذكى هو الحيوان المأكول اللحم.