الدرس في شرح كتاب التوحيد 90، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح المقطع حديثا نبويا يصف حال الملائكة عند سماع أمر الله، وكيف تحاول الشياطين سرقة السمع من السماء وتنقل الأخبار إلى السحرة والكهنة. يبين المقطع المخاطر التي يتعرضون لها من الشهب الثاقبة.
يشرح المقطع كيف يحصل السحرة على المعلومات من الشياطين، حيث يسترق الشياطين السمع من الملائكة ويحملون الأخبار إلى السحرة، وقد يصابون بالشهاب أثناء ذلك. يبين المقطع أيضًا كيف يكذبون مع الخبر الصحيح مئة كذبة أخرى.
يشرح المقطع كفر الساحر لادعائه علم الغيب، ويبين أن السحرة يكذبون على الناس ويختلقون أكاذيب لتحقيق مصداقية واحدة قد حصلوا عليها. يُظهر المقطع كيف ينخدع الناس بالسحرة رغم كذبهم المتكرر.
يتوقف الشيخ في صحة حديث النواس بن السمعان بسبب علل فيه، لكنه يجد في حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ما يغنيه عن الحديث الأول لصحته ووضوحه في بيان حال الملائكة عند الله.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فتتمة لدرس أمس، إخواني في الله، في إيراد المؤلف -رحمه الله تعالى- لحديث أبي هريرة -رضي الله تعالى عنه- والمروي في صحيح البخاري، والذي أراد منه المؤلف -رحمه الله تعالى- أن يبين حال الملائكة، وهم من أعظم مخلوقات الله، كيف هم مع الله جل في علاه، في بيان ضعفها وعجزها، فإذا كان الأمر كذلك، فكيف بغيرها؟ فكيف بعد ذلك تتخذ هذه المخلوقات شريكة وندًا مع الله جل في علاه؟ والحديث الذي رواه البخاري في صحيحه، قال عليه الصلاة والسلام: «إذا قضى الله الأمر في السماء، ضربت الملائكة بأجنحتها خضعانًا لقوله، كأنه سلسلة على صفوان، ينفذهم ذلك، حتى إذا فزع عن قلوبهم، قالوا: ماذا قال ربكم؟ قالوا: الحق، وهو العلي الكبير»، فيسمعها مسترق السمع، ومسترق السمع هكذا، بعضه فوق بعض، وضع سفيان بكفه، وصفها سفيان بكفه، فحرفها وبدد بين أصابعه. وهذه الفقرة قد أشرنا إليها وتم شرحها في درس أمس، قال: «فحرفها وبدد بين أصابعه»، فيسمع الكلمة فيلقيها إلى من تحته، ثم يلقيها الآخر إلى من تحته، حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن. إذن، في هذا الحديث كذلك بيان إلى أن ما عليه الجان والشياطين من سرقة خبر السماء، ثم أنهم يتناقلون الخبر الفوقي أو الأعلى، يعطي الخبر الذي سمعه من السماء إلى من هو تحته من أقرانه وأعوانه، والذي تحته يسمع الخبر من الأعلى، ثم يلقيه على من تحته، وهكذا، وهكذا تتناقل هذه السلسلة من الشياطين الخبر المسروق من السماء إلى أين المنتهى؟ قال عليه الصلاة والسلام: «حتى يلقيها، حتى يلقيها» أي الأخير على الساحر أو الكاهن، إذن هذا المنتهى. إذن، هذه المسألة عبارة عن اشتراك بين شياطين الإنس مع شياطين الجن، فالشياطين يتعاونون مع أخبث خلق الله في الأرض، ألا وهم السحرة، وهكذا الكهنة، طبعًا هناك فوارق بين الساحر والكاهن، لكن ليس هذا في بيانه وذكره. وبهذا تعلم، يا عبد الله، أن الساحر إنما يتعامل مع الشياطين، وتعلم أن الشياطين تتعامل مع السحرة، فكل هؤلاء يشتركون في هذه المهنة القذرة. وسيأتي معنى ذلك كذلك في أبواب خاصة أعدها المؤلف -رحمه الله تعالى- في بيان حكم الساحر، قال: «حتى يلقيها على لسان الساحر أو الكاهن»، قال: «فربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها، وربما ألقاها قبل أن يدركه». هذه الفعلة من الشيطان هي فعلة كم يقال شبه انتحارية، لأن الذي يصعد إلى السماء قد لا يعود، قد لا يرجع، قد لا يعود ولا يرجع، أو قد يعود سالما أو يعود مصابًا. لأن هذه المهنة، وهي سرقة السمع من السماء، محفوفة بالمخاطر، إذ أن الله جل وعلا قد أرصد لهؤلاء السرقة للخبر شهب من السماء، شهب ونجوم تتصاقط وتتطاير عليهم، فمنهم من لربما في هذه المحاولة عندما يأخذ الخبر ويرد أن يهرب، لربما يأتيه الشهاب فيقتله ويحترق بالكلية. وما هو الشهاب؟ قيل: إن الشهاب هو نجم، وقيل: إنه هو جزء منفصل عن النجم، يكون ثاقبًا وقويًا ومحرقًا. قيل: نجم، وقيل: جزء منفصل عن النجم، أي جزء لأن الأجرام السماوية أحيانًا تتفجر في السماء، فيبقى منها شظايا، هذه شظايا تستغل في الرجم وفي رمي الشياطين. هذا الشهاب الثاقب والشهاب القوي، وهو المحرق للسرقة من الشياطين، قد تصيبهم فتبيديهم، أو لربما تصيبهم فيذهب عقله، كما أشار ذلك العلماء، أخذ من بعض الأحاديث والآثار أن منها لربما تمر بجنبه فيذهب عقله من شدة ما يكون من شدة الرمي الذي يرهقه. كالحال بعض الناس لربما ينجو من حادث، ينجو من الحادث، لكن ما ينجو من الصدمة، من صدمة الحادث، ما رآه من الويل وانقلاب السيارة، أو أنها كادت أن تذهب برأسه، فلا زالت أثر الصدمة في عقله حتى ربما أصيب بحالة نفسية. وهكذا الشيطان، فلربما أصيب بالشهاب، ولربما ما أصابه الشهاب، لكن يتأثر فيذهب عقله ويطيش، فيرجع وهو مخبول. ومنهم من لا يصاب بشيء، بل ينجو بهذا الخبر، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: «فلربما أدركه الشهاب قبل أن يلقيها»، أي قبل أن يرمي بالخبر لغيره، يأتي الشهاب مرصودًا عليه فيقتله، فما يستطيع أن يبلغ، فذهبت هذه المهمة شبه باء، وما استفادوا منها شيئًا مع هذه المخاطرة العظيمة. هذا من أدركه الشهاب قبل أن يلقي الخبر لغيره، قال عليه الصلاة والسلام: «وَرُبَمَا أَلْقَاهَا قَبْلَ أَنْ يُدْرِكَهُ»، وأحيانًا الخبر ينزل ينزل لمن تحته، لكن يأتي الشهاب فيقتله، لكن يقتله بعدما قد سرب الخبر لمن هم تحته، فهي كما يقال عملية محفوفة بالمخاطر. ولماذا؟ كل ذلك خدمة للساحر، لأن الساحر ماذا؟ يطلب من الشيطان أن يخدمه، والشيطان بالمقابل يطلب من الساحر أن يخدمه، فالكل ينتفع من الآخر، ما هناك عمل مجاني، فلا الساحر يتعاون مع الشيطان لله كما يقال لحبه له، ولأن الشيطان يتعامل مع الساحر خدمة له، الكل ينتفع من الآخر. وسيأتي معنا في باب السحر، ثم قال عليه الصلاة والسلام: «وربما ألقاها»، أي ألقى الخبر قبل أن يدركه، أي الشهاب، «فيكذب معها مئة كذبة»، فيقال: «أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟» فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء. هنا قال عليه الصلاة والسلام: «فيكذب معها مئة كذبة»، من هذا الذي يكذب؟ قيل: الشيطان يكذب في خبره الذي يأتي يزود عليه أخبار من هنا ومن هنا ومن هنا، ثم يعطيه للساحر. وقيل: أن الذي يكذب الساحر هو بنفسه، يقول للشيطان الذي أتى بخبر السماء: ما عندك؟ فيقول: عندي هذا الخبر، سمعتهم من السماء، سمعتهم نفر من الملائكة يتحدثون، فأخبروا بهذا الخبر، مثلًا عن وقوع كارثة في منطقة كذا، أو في جزء من أجزاء الأرض. يسمع شيء الشيطان أن هناك شيء سيقع في الأرض، أو في الأجرام، أو في السماوات، أو في النباتات، أو في عالم الحيوانات، أو في عالم الأمراض والأسقام، كون الله عز وجل كله بتدبير الله، كله بتدبير الله، فيتكلم الله جل وعلا بالأمر الذي قضى، هذا الكلام الذي تتذاكره الملائكة، الشيطان يسمع طرفًا منه، يأخذ هذا الخبر، يعطيه للساحر. الساحر ما عنده إلا هذا الخبر الوحيد، عنده هذا الخبر الوحيد، والناس عليه طوابير، والناس عليه طوابير، وانظر إلى بلاد المسلمين، وانظر إلى أماكن السحرة، كيف أنها تعج بالمغفلين، تعج بالمغفلين والمغفلات، ممن يرتمون عند أبواب السحرة، ذاك الذي يطلب الصرف، وذاك الذي يطلب العطف، وذاك الذي يطلب السحر، وذاك الذي يريد الطلاسم، وذاك الذي يريد الحبال السوداء، وذاك يريد الولد، وذاك يريد الرزق. عدد، يا عبد الله، من هؤلاء الحمقى، فالساحر عنده أناس كثر، وكلهم يطلبونه، ومنهم من يطلب علم الغيب، علم الغيب، ذاك الذي يدعي علم الغيب عبر فنجان يحركه، وذاك عبر قراءة الكف، وذاك عبر قراءة النار، وذاك عبر الخطوط، وما يسمى بالرمال، كلهم يدعي حركات، لكن ما أحد يصرح منهم لزبائنه، فيقول لهم: في الحقيقة، دعوكم من هذه المظاهر، دعوكم من الفنجان، دعوكم من قراءة الكف، دعوكم من النار، دعوكم من النظر في النجوم. الذي أعمله أن يتعامل مع الجان، هذه الحقيقة، أتعامل مع الشياطين، لكن لو أن الساحر نطق بهذا للناس، قال: «أنا أخذ خبري من الشياطين»، لم فشى الناس، ولهذا ماذا يفعل الساحر؟ يستغفل خلق الله، فيقول: «تريد علم الغيب؟ هات الكف، وماذا عسى في الكف؟ ما فيه شيء»، لكن يبحك على هؤلاء الحمقى والسذج، قول: «أنت في كذا»، أو يقول: «تعال اشرب الفنجان، واترك القاعة»، ثم يخبط الفنجان يمنة ويسرة، «انظر هذا حفظك فيه كذا»، أو يشعل نارًا. وسيأتي هذا كذلك معنى في أبواب خاصة أعدها المؤلف -رحمه الله تعالى- في السحر وبيان أنواعه، لكن أشاهد من ذلك، إخواني في الله، أن الساحر الذي عنده هذا الخبر الوحيد، والناس عنده بالمئات، ماذا يفعل؟ يكذب، يكذب، من عنده سيكون كذا، ويقع كذا، وهو عنده خبر واحد، خبر واحد سيقع، لكن كل ما عنده من الأخبار مخلوطة بالأكاذيب. فقال عليه الصلاة والسلام: «فيكذب معها مئة كذبة»، فيقال: «أليس قد قال لنا يوم كذا وكذا كذا وكذا؟» فيصدق بتلك الكلمة التي سمعت من السماء، مع أن هذه الكلمة لو أن الساحر أنصف نفسه، وقال للناس: «هذه الكلمة الوحيدة اليتيمة، والتي رأيتم مصداقها، هي في الحقيقة ليست من عندي، فأنا لا أعلم الغيب، وإنما هي قد أخذت من الملأ الأعلى»، هل يقول بهذا؟ ما يقول بهذا. فيظن الناس أن هذا الساحر عنده من علم الغيب، عنده من علم الغيب، ولهذا كفر الساحر، فمن أعظم ما استدل به العلماء على كفر الساحر أنه يدعي علم الغيب، وهو في الحقيقة ما عنده علم غيب، وإنما عنده التلصص والسرقة من خبر السماء. ولكن انظر، يا عبد الله، ليس العجب في الساحر، لكن انظر للعجب في زبائنه، يأتي الواحد ربما قد علق قلبه بهذا الساحر، وهو يكذب عليه ويكذب عليه ويكذب عليه، مئات الكذبات، لكنه في يوم الأيام يصدق معه، ينبهر، ينبهر بهذا الساحر على هذه الكذبة، وما على هذه الحقيقة، وما رأيت هذه الكذبات التي قد ضحك عليك، وذهبت أيامك ولياليك، وأنت ربما كونت مستقبلك على هذا. كم من إنسان دمرت حياته لما ذهب وركن إلى الساحر؟ أنت عندك أعداء، وأعداءك من أقرب الناس إليك، كن على حذر، كن على حذر، هناك من يخطط لك، هناك من يقرأ حياتك، فإذا بالرجل هجر عمه، هجر أخواله، هجر أجداده، قطع حياته كلها، وهو يمشي على هذا الكذب. وبعد ذلك تنطل عليه هذه الحيلة، ثم إذا صدق الساحر، إذا صدق، وهو الصدق ليس من عنده، وإنما من خبر السماء، قام وانبهر وتحدث بمجهود هذا الساحر، بل حتى أصبح في بلادنا، ولا زال يسمى الساحر عندنا أنه الشيخ، يذهب إلى الشيخ الفلاني، تقول: «الشيخ»، أي شيخ؟ علمه؟ لا، شيخ في الصرف، عذ بالله، أصبح شيخ مشيخة، أصبحت محمدة، منقبة. كفر الساحر كافر بنص القرآن والسنة، وبإجماع علماء الأمة، لكن هكذا، إخواني في الله، لا حال الناس، المهم لا يزيد على هذا المقام، وإلا فهذا حقه أن يكون في مقام. ثم ذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- بعد هذا الحديث، ذكر حديث النواس بن سمعان، والذي فيه قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أراد الله أن يوحي بالأمر، وتكلم بالوحي، أخذت السماوات منه رجفة، أو قال: رعدة شديدة، خوفا من الله، فإذا سمع ذلك أهل السماوات، صعقوا أو خروا لله سجدًا، فيكون أول من رفع رأسه جبريل». هذا الحديث، نعم، فيه نفس المعنى الذي مضى، فيه ما يكون من خوف الملائكة من الله عند التكلم بالوحي خاصة، إلا أن هذا الحديث فيه علل، فيه علل، وفيه ضعف، فقد رواه ابن أبي حاتم، ورواه الطبراني -رحمه الله تعالى- في معجمه، إلا أنه من طريق نعيم بن حمد -رحمه الله- وهو متكلم فيه، بل ضعف، وفيه كذلك الوليد بن مسلم، وهو الدمشقي الشامي، وهو من عداد المدلسين. وفي هذا الحديث عنعن، وعنعنة المدلس تؤثر في رد الحديث، وكذلك هذا الحديث قد تكلم عليه جهابذة من أهل العلم، فقد ذكر أبو زرعة الرازي -رحمه الله تعالى- أنه عرض هذا الحديث على الإمام دحيم -رحمه الله-، قال: «هذا الحديث لا أصل له»، قال: «هذا الحديث لا أصل له». فأمام هذه العلل، فنتوقف في صحة هذا الحديث، حديث النواس بن السمعان، لكن يغنينا ما مضى معنا في حديث أبي هريرة، والذي في صحيح البخاري، وهو واضح المعالم، صحيح الإسناد، في بيان حال الملائكة عند ربها جل في علاه. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.