الدرس في شرح كتاب التوحيد 92، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
تناول الدرس أقسام الشفاعة الأخروية يوم القيامة، وقسمها العلماء إلى عدة صور، منها الشفاعة الكبرى لرسول الله في فصل القضاء. هذه الشفاعات تثبت لرسول الله وتعتبر من خواصه.
تحدث النص عن أنواع الشفاعة يوم القيامة، منها شفاعة النبي لأهل الكبائر من أمته، وتطرق إلى المراحل الأخيرة من القيامة مثل المرور على الصراط ودخول النار والعذاب فيها.
تحدث النص عن صور الشفاعة يوم القيامة، منها الشفاعة في إخراج العصاة من النار، والشفاعة في رفعة درجة أهل الجنة، وأوضح أن بعض هذه الشفاعات خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم.
المقطع يتضمن دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه، ويقر بأن الله تعالى أعلم.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، كانت المقدمة حول هذا الباب، والذي عنون له المؤلف رحمه الله تعالى بباب الشفاعة، وأشرنا إلى ما يتعلق بأقسام الشفاعة بشكل عام، فمنها الشفاعة الدنيوية، وهي التي تتم بها مصالح العباد، وهي مقسمة إلى شفاعة حسنة وإلى شفاعة سيئة. ومن أقسام الشفاعة، وهذا الذي يهمنا، الشفاعة الأخروية، وهي التي تكون يوم القيامة، وهي مربط الفرس، وهي تنقسم كذلك إلى قسمين: إلى شفاعة مثبتة وإلى شفاعة منفية، تسمى كذلك شفاعة صحيحة وشفاعة باطلة، وتسمى أيضًا ويقال عنها شفاعة شرعية وشفاعة شركية. وضابط ذلك أن الشفاعة التي فيها الإذن والرضا عن الشافع والمشفوع له، فهذه الشفاعة الصحيحة. وقد أشرنا إلى هذه المسائل في درس أمس، مما يغني عن الإعادة. كذلك من المسائل المهمة، وهي تمهيد لهذا الباب المهم، ما يتعلق بأقسام الشفاعة المثبتة. قلنا أن الشفاعة ستكون يوم القيامة، وهي حاصلة نائلة لمن كان من أهلها وأصحابها. والشفاعة التي ستكون يوم القيامة على صور، أوصلها جماعة من أهل العلم إلى ستة صور من صور الشفاعة الصحيحة المثبتة. أولى هذه الشفاعات، إخواني في الله، الشفاعة الكبرى والشفاعة العظمى يوم القيامة، وذلك إذا قام الناس من قبورهم، فاجتمعت الخلائق من لدن آدم عليه السلام إلى أن يرث الله الأنام، قاموا في صعيد واحد. إلا أن هذا المقام يطول فيه القيام، لا أقول إلى سنوات أو أشهر، بل مئات السنين والأعوام، حينها تكل الأبدان وتتعب الأجساد، فيقوم الخلائق في البحث عن من يشفع لهم عند الله لفصل القضاء. فحينها يبحثون ويسألون عن أولي العزم من الرسل، يسألونهم على وعسى أن لهم من الوجاهة عند الله جل وعلا في أن يطلبوا من الله في أن يعجل بفصل القضاء، حتى يتدافع الأنبياء الشفاعة كل إلى الآخر، حتى تصل إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، فيقول: أنا لها، أنا لها. ثم يأتي ويخر تحت عرش الرحمن، فيقال له: يا محمد، ارفع رأسك وسل تعطى، واشفع تشفع. فحين يشفع نبينا لفصل القضاء، فيأذن ربنا بعد ذلك بعرض الأعمال عليه جل وعلا. هذا تسمى بالشفاعة الكبرى والعظمى، ويثبت لرسول الله، وهي من خواص شفاعته، ما هناك أحد ينال هذه الشفاعة إلا هو عليه الصلاة والسلام. الشفاعة الثانية من شفاعات يوم القيامة، الشفاعة في دخول الجنة لأهل الجنة، الناس من أهل الإيمان من سائر الملل والأديان، إذا انتهوا من مراحل القيامة، مرحلة بعد مرحلة، مرحلة بعد مرحلة، تتابع عليهم الأهوال، حتى يجاز بهم الصراط ويمرون على القنطرة، بعد ذلك يجدون أبواب الجنة، لكن لا يدخلونها مباشرة، حتى يأتي نبينا عليه الصلاة والسلام، فيكون أول من يستفتح باب الجنة، فيقال: من؟ فيقول: محمد. فيقال: بك أمرت أن أفتح. فتفتح أبواب الجنان بماذا؟ بشفاعته عليه الصلاة والسلام، كما ثبت ذلك في صحيح مسلم: أنا أول الناس يشفع في الجنة. فهذه شفاعته عليه الصلاة والسلام، نعم، وهي كذلك من خواص ما هناك أحد يزاحمه عليه الصلاة والسلام في هذه التكرمة. فإذا استأذن نبينا في أن تفتح أبواب الجنة، ففتحت له، فيكون هو أول من يدخل الجنة، ومن بعده أمته، ثم تتابع الأمم بعد ذلك في دخول الجنة أفرادًا وجماعات ووحدانًا. هذه الشفاعة الثانية في دخول الجنة لأهل الجنة. الشفاعة الثالثة الثابتة يوم القيامة هي الشفاعة لأناس استحقوا النار أن لا يدخلوا النار، أناس قد كتب الله عليهم النار وأنهم من أهلها، فإذا قامت القيامة وكاد أن يدخل هؤلاء إلى النار، تأتي الشفاعة، فتحيل بين هؤلاء وبين أن يدخلوا النار، فيأمر ربنا جل وعلا بعدم دخول النار. فتأتي الشفاعة تحيل بين هؤلاء وبين أن يدخلوا النار، فلا يدخلون النار لأن الله جل وعلا أذن لهذه الشفاعة أن تكون سارية المفعول في هذا المقام. وهذا الذي يعبر عنه العلماء الشفاعة، وهي في حق أناس استحقوا النار أن لا يدخلوا النار. ومما يدل على هذا النوع من أنواع الشفاعات ما جاء في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن أحدًا من أمتي ليشفع للفئام من الناس، ومنهم من يشفع للقبيلة، ومنهم من يشفع للعصبة، ومنهم من يشفع للرجل حتى يدخله الجنة». وهذه فيها بشارة على أن هذا النوع من أنواع الشفاعات ليست من خواصه، بل المجال أوسع، فأخبر عليه الصلاة والسلام أن من أتباعه من أمته من عنده القدرة على الشفاعة في أن يشفع في غيره، فمنهم من يشفع في فئام من الناس، ومنهم يشفع في قبيلة، ومنهم من يشفع في عصبة، ومنهم من يشفع في رجل، يسأل ربه جل وعلا: فلانًا من الناس ارحمه يا الله، لا تدخله النار، فلا يزال يشفع في فلان فيشفع الله فيه، فيمتنع حتى يدخله الجنة. هذا النوع من أنواع الشفاعة وهي النوع الثالث، وكما سمعت، هي ليست من خواص شفاعته عليه الصلاة والسلام، وإن المجال لمن أذن الله له بالشفاعة. الشفاعة الرابعة من أنواع الشفاعات، الشفاعة في العصاة من هذه الأمة، ومن كان من أهل النار وهو فيه، داخل النار، نعم، أناس مثاله من آخر ومن أواخر مراحل القيامة المرور على الصراط، المرور على الصراط يعتبر من أواخر مراحل القيامة، ساحة الحشر هنا، ثم الجنة في الطرف الثاني، ثم يوضع الصراط بينهما، تحت الصراط جهنم النار والعياذ بالله، فيمر الناس على هذا الصراط، وكل يمر على قدر سرعته وعلى قدر إيمانه، كما جاء في حديث أبي هريرة: تجري بهم أعمالهم، تجري بهم أعمالهم، الأعمال هي التي تجري بك، ومنهم من يتساقط لضعف إيمانه، هؤلاء يتساقطون في النار، طبعًا يتساقطون في نار الموحدين، لأن النار إخواني في الله هي دركات، دركات، فالمنافق في الدرك الأسفل من النار، ومن دون ذلك أخف أخف، حتى تصل لطبقة الموحدين، لأن عذاب الموحد ليس كعذاب الكافر، عذاب الموحد ليس كعذاب الكافر. فالشاهد أن الموحد وهو العاصي الفاسق الذي وقع في المجون والفجور ولم يتب ولم تأتيه مغفرة الله قبل أن يدخل إلى النار، فإذا دخل النار وسقط في النار، حينها يفتح المجال للشفاعة، يفتح المجال للشفاعة، فيشفع الأنبياء ويشفع الصالحون ويشفع نبينا عليه الصلاة والسلام، بل قال عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي، أي أن النبي أخر ودخر شفاعته للعصاة من أمته، إذا جاءت القيامة ورأى نبينا من أمة من يتصاقط إلى النار، يأتي بالشفاعة فيسأل ربه أن يشفع في هؤلاء وهؤلاء ممن تصاقطوا في النار. وهل هذا خاص برسول الله؟ الجواب لا، سيأتي معنا أن هذا المقام إذا تصاقط الناس إلى النار، فالله سبحانه وتعالى من رحمته أن يفتح باب الشفاعات، فيشفع الأنبياء، ليس نبينا وحده، نبينا وغيره، غيره من الأنبياء، الأنبياء وأهل الصلاح والمجاهد يشفع في سبعين ألف، والفرط الصغير يشفع، حتى الملائكة، حتى الملائكة يأذن لها الله أن تشفع فتشفع بمن شاءت ولمن شاءت بإذنه سبحانه وتعالى، فكل يشفع فيمن في العصاة ممن دخل إلى النار. فهذه الشفاعة الرابعة وهي من الشفاعة المثبتة، وسأتي أدلتها في حينها. الشفاعة الخامسة لتكون يوم القيامة، الشفاعة في رفعة درجة أهل الجنان، مر معنا أن النار دركات، بالمقابل الجنة درجات، أنت يا عبد الله لربما لك درجة معينة في الجنة، هل قدر عملك الصالح لك درجة؟ لكن أحيانًا تجد أنك ترتقي ترتقي في الجنة، تعلم أن عملك قد انتهى بك إلى هذا الحد، فمن أين جاء الارتقاء؟ ترتفع ترتفع إلى هذا العلي في الجنان، هنا تأتي مسألة الشفاعة، إذ أن من صور الشفاعة من صور الشفاعة الرفع والزيادة في درجات أهل الجنة. ومما يدل على ذلك ما جاء في الحديث الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام كما من حديث أبي هريرة قال: «وإن الرجل ليرفع درجته في الجنة فيقول: يا رب أنى لي هذا؟ فيقال: باستغفار ولدك لك». هذه شفاعة من الابن، الابن يشفع لك، يدعو الله لك، الله مغفر لأبي، اللهم مغفر لها، اللهم ارحم، الله مرفع قدره في عليين، اللهم، يدعو لك ابنك، هذه شفاعة التوسط للغير لجلب منفعة، فهو يدعو لك فيستجيب الله جل وعلا في شفاعة ابنك لك، فترتفع يا عبد وأنت في الجنة، لكن يرتفع بك الدرجات العلا بفضل ماذا؟ بفضل الشفاعة. فهذه الصورة الخامسة من صور الشفاعة. الصورة السادسة والأخيرة من صور الشفاعة المثبتة، الشفاعة للكفار في أن يخفف الله عنهم من العذاب، وهذه حالة خاصة استثنائية، حالة خاصة استثنائية لا قياس عليها، وهي شفاعته عليه الصلاة والسلام في عمه، شفاعته عليه الصلاة والسلام في عمه أبي طالب، إذ أنه مات كافرًا، والأصل أن الكافر ميؤوس من الشفاعة، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، هذا الأصل، الكافر من مات كافرًا، من مات مشركًا، من مات مرتدًا، لن يجد رائحة الجنة، ولن يخفف عنهم من العذاب إلا في هذه الحالة، وهما كان من دعاء رسول الله وشفاعة رسول الله لعمه، استجاب الله لنبينا خاصة، فخفف عنه العذاب فقط، من يخرج من النار له من أهل النار، لكن خفف عنه العذاب لشفاعته عليه الصلاة والسلام. فهذه ستة شفاعات، عبد الله ذكرها العلماء في كتب الاعتقاد، مما دلت عليها الأدلة الشرعية. ومن خلال ذلك ستعلم أن من الشفاعات ما هي خاصة برسول الله، وهي الشفاعة الكبرى، منها شفاعة في دخول الجنة لأهل الجنة، ومنها ما يكون من شفاعته لعمه فقط، هذه خاصة. والثلاثة البقية، وهي من كتب عليه النار أن لا يدخل النار، هذه عامة، ومن كان من العصاة أن يخرج من النار، هذه عامة، ورفعة درجات أهل الجنة كذلك، هذه الشفاعة عامة، يدخل فيها نبينا ويدخل فيها غيره عليه الصلاة والسلام. فهذه خاتمة لما سيأتي معنا من هذا الباب الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بباب الشفاعة. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك قادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.