الدرس في شرح كتاب التوحيد 94، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يفسر قوله تعالى ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، ويبين أن الشفاعة ملك لله وحده، ويرد على اعتقاد المشركين بأن الأصنام تشفع لهم. يُفسر بأن الله أمر نبيه أن يعلن أن الشفاعة كلها لله.
تفسير الآية يبين إثبات الشفاعة لله تعالى بشروط وضوابط، ويوضح أن هناك شفاعات منفية كانت تعتقد لدى الكفار، ويوجب الجمع بين الآيات التي تنفي وتثبت الشفاعة. يُبين أن الشفاعة تتنوع صورها.
يشرح المقطع مفهوم الشفاعة وتعدد صورها، ويبين أن الآيات القرآنية تثبت الشفاعة وتنفيها في آن واحد، ولكنها تشير إلى أنواع مختلفة من الشفاعة، بعضها شرعي وبعضها شركي.
القاعدة البلاغية لتقديم ما حقه التأخير تفيد الحصر في الشفاعة لله سبحانه، مما يعني أن الشفاعة لا تطلب إلا من الله ولا يعطيها إلا هو. هذا يستلزم طلب الشفاعة من الله وعدم ادعائها بدون برهان.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة في هذا الباب، وهو يتحدث عن الشفاعة، وأشرنا إلى ما يتعلق بمسائل الباب من الأمور المهمة، وأن هذه من مسائل الاعتقاد التي يذكرها أهل السنة. وفي هذه الآية، وقوله جل في علاه: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، تفسيرها: أي قل يا رسول الله، مخاطبًا للمشركين، قل لهم أن الشفاعة لله سبحانه وتعالى، وذلك لدحض تلكم الفرية التي يدندن بها أهل الكفر في أن الأصنام والأوثان والأنداد تملك الشفاعة، وأنها تشفع لمعبوديها ممن ألحدوا وكفروا. فأمر ربنا جل وعلا نبيه صلى الله عليه وسلم أن يضحد هذه الفرية بقوله: ﴿قُلْ﴾، أي قل لهم: ﴿لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، أي أن أمر الشفاعة، وأن زمام الشفاعة هي بيد الله سبحانه وتعالى، ليست بيد غيره جل وعلا. هذا هو المعنى العام لتفسير هذه الآية، وفي هذه الآية من المسائل: بيان إثبات الشفاعة، وهذه الآية مع آيات أخرى توضح حقيقة الشفاعة؛ لأننا قد ذكرنا في درس أمس أن من أهل البدع من ينكر الشفاعة تمسكًا ببعض الآيات التي فيها النفي، ولا تنفعهم شفاعة الشافعين، وكقوله سبحانه وتعالى: ﴿لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلَا شَفِيعٌ﴾، إلى غير ذلك من الآيات النافية للشفاعة. فاستدل بها بعض من استدل بها على نفي الشفاعة، لكن لو نظرت إلى هذه الآية التي بين أيدينا: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فيها إثبات الشفاعة، إذن وجب عليك يا عبد الله، يا من تقرأ نصوص الكتاب أن تجمع بينها، لا أن تعارض فيها، تجمع بينها إذا كانت هذه الآيات السابقة تنفي الشفاعة، وهذه الآية وما سيأتي بعدها تثبت الشفاعة، إذن اجمع بينهما، فيدلك على أن الشفاعة منها ما هو منفي، ومنها ما هو مثبت. فالشفاعة المثبتة هي لله، تكون بشروط وضوابط، مر معنا في مسألة التمهيد شيئًا من ذلك، وسيأتي معنا الإيضاح لها في أدلة أخرى، فهناك شفاعة مثبتة هي لله بضوابطها وشروطها، والأدلة الدالة على نفي الشفاعة فيها بيان على أن هناك من الشفاعات ما هي شفاعات منفية، وهي الشفاعات التي كان يعتقدها الكفار في أصنامهم وأندادهم، وهي التي اختل فيها شرط من شروط الصحة. إذن ما عندي غبار في باب الشفاعة، لا بين الآيات التي فيها الإثبات، ولا بين الآيات التي فيها النفي، إذ أن كلها تجمع في باب واحد في باب الشفاعة، وأن منها ما هو مثبت، ومنها ما هو منفي، منها ما هو مرضي، ومنها ما هو ليس بمرضي، منها ما هو شرعي، ومنها ما هو شركي، فلا تعارض كما تزعم بذلك الخوارج والمعتزلة ممن ألغوا باب الشفاعة بالكلية. ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ﴾، فيه إثبات الشفاعة، وفي قوله سبحانه وتعالى: ﴿جَمِيعًا﴾، تطلق على اثنين فصاعدًا، ولهذا من أقوال المفسرين من أحد تفاسيرهم لهذه الآية أن هذه اللفظة «جميعًا» فيها بيان على أن الشفاعة المثبتة هي عدة شفاعات، عدة صور، وقد مر ذلك معنا في الدرس الأول، وأشرنا إلى أن الشفاعات منها الصورة الأولى والثانية والثالثة والرابعة والخامسة والسادسة، ومنهم من أطلق السابعة. فعندي جملة من صور الشفاعات تكون يوم القيامة، فهذه الشفاعة مع تعددها، واختلافها فيما بينها، إلا أن الجميع يعود ويؤول إلى الله سبحانه وتعالى، فهو المالك لها: ﴿قُلْ لِلَّهِ﴾، اللام للتمليك، فالله هو المالك للشفاعة سبحانه وتعالى. وفي هذه الآية، في قوله تعالى: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾، فيه تقديم ما حقه التأخير، إذ أن الآية تقديرها: قل الشفاعة جميعًا لله، الشفاعة مبتدأ، ولله لفظ الجلالة الجار والمجرور متعلق بخبر، لكن هنا النص القرآني جاء بالتقديم والتأخير، فأخر المبتدأ وقدم الخبر: ﴿قُلْ لِلَّهِ الشَّفَاعَةُ جَمِيعًا﴾. ما فائدته؟ القاعدة البلاغية: أن تقديم ما حقه التأخير يفيد الحصر، بمعنى أنه لا مالك للشفاعة إلا الله سبحانه، ما هناك أحد ينازعه أبدًا في مقام الشفاعة، فهو المالك لها، فإذا علم أن الله هو المالك للشفاعة، فما الذي ينتج؟ ينتج من ذلك أنها لا تطلب إلا منه، ولا يعطيها أحد إلا هو سبحانه. فمن أراد الشفاعة فليطلبها من الله، ومن أراد أن يدعي أن الشفاعة له فليأت ببرهان أن الله قد أعطاه إياها، وإلا ما بعد ذلك فهو حمق وكذب ودجل. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.