الدرس في شرح كتاب التوحيد 96، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
المقطع يتناول تفسير آية الشفاعة ويوضح مكان الملائكة في السماوات والأرض، ويبين عظمة السماء مقارنة بالأرض. يُفسر قوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات﴾ ويُشير إلى أن الملائكة المقربين هم في السماء.
المقطع يشرح أن الملائكة لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا بإذن الله، وأن شفاعتهم مقيدة بإذن الله سبحانه وتعالى. يرد على اعتقاد المشركين بأن الملائكة تنفع وتضر، ويحذر من ادعاء الشفاعة من دون إذن الله.
الشفاعة يوم القيامة تكون بشرطين: إذن الله للشافع والرضا عن المشفوع له، ولا تنفع الشفاعة إلا للموحدين الذين يرضى الله عنهم. الشفاعة ملك لله وحده ولا يملكها أحد إلا بإذنه.
المقطع يشير إلى ختام النص بإلقاء الصلاة على النبي محمد وعلى آله وصحبه، مع التأكيد على أن الله تعالى هو الأعلم. يُظهر هذا الختام التأكيد على أهمية اتباع السنة النبوية.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وقوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئًا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية الكريمة، وفي صدد كلامه على باب الشفاعة. وأشرنا إلى دروس خلت ما يتعلق بالآيات والأحاديث، وهكذا الأحكام المتعلقة بهذا الباب. وها هنا أورد لنا المؤلف رحمه الله تعالى هذه الآية، والتي فيها شيئًا من مسائل الشفاعة. فقوله جل في علاه: ﴿وكم من ملك في السماوات﴾، "كم" هنا خبرية، وهي تفيد التكثير. من فوائد "كم" الخبرية إفادة التكثير، ففي قوله سبحانه وتعالى: ﴿وكم من ملك﴾، أي: كثير من ملائكة الله. ما بهم؟ ﴿وكم من ملك في السماوات﴾، في السماوات أي في العالم العلوي. وهل معنى ذلك أن الملائكة هم فقط في السماء؟ ما هناك ملائكة في الأرض؟ الجواب: لا، بل هناك ملائكة في الأرض، الموكل مثلًا بكل لفظ ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد، والموكل بالأجنة والأرحام، والموكل بحضور حلقات العلم والذكر، وهكذا ملائكة عدة جعلهم الله في الأرض يدورون ويسيحون فيها، ولهم مهام وكل لهم مقام طيب. لماذا هذه الآية ذكرت الملائكة الذين هم في السماوات؟ قال العلماء هنا الإشارة إلى الملائكة المقربين، إذ أن الملائكة المقربين هم في السماء، وهم من كان بالقرب من الله جل في علاه، في العلو، من حملة العرش وغير ذلك، ممن هو راكع ساجد لا يفتر ولا يمل عن طاعة ربه جل وعلا، ساجدًا قائمًا، هؤلاء هم الملائكة المقربون. ولهذا، إخواني في الله، إذا قورنت السماء بالأرض فالسماء أعظم شأنًا من الأرض. السماء عظيمة جدًا، حتى في حجمها وقدرها. فها هي الأرض الذي نحن نمكث ونعيش فيها، وما نرى فيها من الوديان ومن الجبال ومن الأراضي ومن المساحات والمسافات هي لا شيء أمام السماء. بل قل كذلك هي لا شيء أمام غيرها من الكواكب. ومن تأمل ومن درس ومن تفقّه في مسائل المجرات إلى غير ذلك يعلم حجم الأرض في هذه المجرة، فما ظنك يا عبد الله بحجم الأرض أمام السماء؟ فهي لا شيء. لهذا إذا ذكرت السماء مع الأرض فالسماء تبدأ بالذكر لشرفها ولعظيم قدرها ومكانتها ورفعتها. فقال ربنا عز وجل: ﴿وكم من ملك في السماوات﴾، خصهم الله جل وعلا بالذكر لمقامهم الرفيع. ما بهم؟ ﴿لا تغني شفاعتهم شيئًا﴾، الواحد منهم إذا أراد أن يشفع، فإن شفاعته لن تغني شيئًا إلا بإذن الله كما سيأتي. وفي هذا أولًا بيان على أن الملائكة لها شفاعة، الملائكة تشفع، تشفع الملائكة إذا جاء الوقت المعلوم والزمن المحتوم والذي يأمر فيه ربنا جل وعلا بأشرف الخلق من البشر والملائكة بالشفاعة. فحينها تشفع الملائكة لمن شاءت، تشفع وتشفع وتشفع وتخرج من في النار بأن يدخل الجنة. لكن هذه الشفاعة الثابتة للملائكة مقيدة بقيد ما قيدها إلا أن يأذن الله بإذنه سبحانه وتعالى. فدل على أن الملائكة لا تغني لغيرها نفعًا ولا ضر إلا أن يشاء الله سبحانه وتعالى. وهذه الآيات هي جاءت ردًا على المشركين ممن كان يعتقد ويظن بأن الملائكة تنفع وتضر. فأخبر ربنا جل وعلا أن هذه الأصنام ومن هذه الأنداد أمام الملائكة من؟ لا شيء، لا يذكرون. فإذا كانت الملائكة هم وهم من هم في علوهم وفي عظمتهم وفي قربهم، ومع ذلك ما يملكون الشفاعة لأحد، فما ظنك بأصنامكم وأندادكم وتماثيلكم؟ وهكذا قل في حق من اتخذ الند من دون الله من أموات من أصحاب الزيارات والعتابات، ما تغني شيئًا. إذا كان الملك لا يغني شيئًا لغيره، فما ظنك بغيره ومن سواه؟ وكل من عدا إلا كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إلا من بعد أن يأذن الله﴾. قد مر معنى معنى الإذن وأنه يأتي بمعنى الرخصة. فإذا رخص الله للملائكة بالشفاعة فحينها تشفع لمن أذن له الله. هم كثر الملائكة، لكن الله عز وجل يصطفي من ملائكته من يصطفي. فتأمل يا عبد الله هذا المنظر إذا استطعت أن تتصور أن الملائكة يلازمون الصمت والسكوت ولا يقدمون ولا يؤخرون شيئًا حتى يأتي الإذن من الله بفتح باب الشفاعة. فحينها من أذن له بالشفاعة يشفع. إذا علمت هذا يا عبد الله ستعلم المجازفة التي خاضها الكثير من الناس من أهل البدع والإشراك ممن لربما يدعي الشفاعة لرئيسه ولمتبوعه. حتى أصبح البعض من أهل الطرق إذا أراد أن يفتخر على غيره أو أن يأتي بالدعايات على طريقته يقول: سيدي مولاي يشفع، يشفع لأتباعه، يشفع لنا ولأبنائنا ولأبناء أبنائنا ولأحفادنا إن سرنا على هذه الطريق. وذاك ينبري ويدعي بمثل ما ادعى صاحب الطريق الأخرى. وكل يلبس شيخه وسيده ومولاه لباس الشفاعة، ويكأن شفاعة بأيديهم قد ملكهم الله إياها. لا، ما ملك الله أحد الشفاعة إلا بعد أن يأذن سبحانه. إذا كان نبينا صلى الله عليه وسلم وقد مر هذا معنا في الشفاعة العظمى إذا أراد أن يشفع في فصل القضاء يوم القيامة، فإنه يأتي إلى عرش الرحمن، لما يأتي إلى عرش الرحمن يخر ساجدًا ويدعو ربه ويتضرع إليه حتى يأتيه ماذا؟ حتى يأتيه الإذن فقط. ينتظر الإذن من الله فيسمع: يا محمد ارفع رأسك وسل تعطى واشفع تشفع، هذا هو الإذن. فإن جاءه قام نبينا وشفع عند ربه جل وعلا في أن الله يعجل بفصل القضاء بين الأنام والعباد. هذا نبينا عليه الصلاة والسلام، وهؤلاء الآن ملائكة. فالرسل والأنبياء والملائكة هم خيرة خلق الله، الكل ينتظر الإذن من الله في أن الله يأذن لهم بالشفاعة، فما أحد يمتلكها. ثم قال سبحانه وتعالى: ﴿إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾، كذلكم الشرط الثاني. إذا فتحت الشفاعة ورخص الله لمن شاء له أن يشفع، هل يشفعون لكل أحد؟ الجواب: لا. كذلكم الشفاعة إنما تنال من التزم ببعض الشروط، وعلى رأسها أن يكون موحدًا. دعك أن يكون عاصيًا فاسقًا، فالشفاعة لأهل الكبائر كما قال عليه الصلاة والسلام: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي»، أهل الكبائر. أما أهل الشرك فليس لهم شفاعة. فلو أنه رجلًا ارتد وكفر وازداد كفرًا وخرج عن الدين والملة ومات كافرًا، هل تنفع شفاعة الشافعين؟ لا، ما هناك أحد سيشفع له، ولو قامت الملائكة جمعًا في الشفاعة له لرد الله شفاعتهم، لأن الشفاعة لا ينالها ربنا عز وجل إلا لمن ارتضى. ولا يرضى ربنا إلا عن الموحدين فقط. فقال سبحانه: ﴿إلا من بعد أن يأذن الله﴾، هذا في حق الشافع ينتظر الإذن، ﴿ويرضى﴾ هذا في حق المشفوع أن الشفاعة تصيب من يرتضيه ربنا، من يرتضيه ربنا سبحانه وتعالى. وربنا عز وجل لا يرضى الكفر، فلا يرضى عن الكافرين. فالشاهد إخواني في الله أن هذه الآية الكريمة أوردها المؤلف رحمه الله تعالى لإثبات الشفاعة وأنها حاصل كائن يوم القيامة، وأنها تكون بشرطين عظيمين دلت عليهم الأدلة الشرعية من الكتاب والسنة: أن الله يأذن بها فهو مالك سبحانه وتعالى، فهي منه وإليه، وكذلك أن يرضى ربنا عن المشفوع. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.