الدرس في شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن 57، ألقاها الشيخ عبدالرحمن بن مرعي العدني
يبيّن المقطع كراهة العلماء اتخاذ القرآن وسيلة للكلام المعتاد واستبدال الألفاظ العادية بآيات تُنتزع لسياق دنيوي، معتبرين ذلك بدعة لم يفعلها النبي ﷺ ولا الصحابة. ويُفرّق بين التلاوة والتعظُّم بالقرآن المشروع، وبين التكلف في اقتطاع الآيات للحديث اليومي، مبيناً أن ذلك يبطل الصلاة إن قُصد به الإعلام لا التلاوة.
يفصل النص بين جواز اقتباس آيات القرآن للمواعظ والأحكام في مواضعها، وتحريم اتخاذ القرآن مطية للكلام العادي محذراً من أن الاستهزاء به يُعد ردة. ثم يبين آداب قطع التلاوة للماشي والجالس عند السلام، مراعاةً لاستمرار التدبر والاستعاذة عند الاستئناف.
يجب رد السلام على القارئ حتى في حال الخطبة، أما العطاس فيستحب الحمد لله خارج الصلاة ولا يثبت في الصلاة، ويشرع ترديد الأذان عند سماعه. ويجوز قطع القراءة للحاجة مع الأفضلية بالإشارة إن أمكن، والأولى المواصلة إلا لعذر شرعي.
يكرر المتحدث طلبه للمشاهدين بالاشتراك في القناة عدة مرات لحثهم على المتابعة والاستفادة من المحتوى المقدم. وتأتي هذه الدعوة في ختام الدرس كتنبيه أخير للجمهور.
موقع دار الحديث بالفيوم يقدم هذه المادة: شرح كتاب التبيان في آداب حملة القرآن للإمام النووي عليه رحمة الله، شرح فضيلة شيخنا العلامة عبد الرحمن بن مرعي العدني رحمه الله تعالى. الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ما بعد: قال المصنف رحمه الله: «فصل في قراءة القرآن يراد بها الدنيا»، يعني: يراد بقراءة القرآن الدنيا. قال: «ذكر ابن أبي داود في هذا اختلافاً، فروى عن إبراهيم النخعي رحمه الله أنه كان يكره أن يتأول القرآن بشيء يعرض من أمر الدنيا»، وهذا سنده صحيح. قال: «وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قرأ في صلاة المغرب بمكة والتين والزيتون وطور سينين، ثم رفع صوته وقال: ﴿ وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ ﴾». في الحاشية: لم يوجد مسنداً. قالوا: «وعن حكيم -بضم الحاء- ابن سعد أن رجلاً من المحكمة أتى علياً رضي الله عنه وهو في صلاة الصبح، فقال: ﴿ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ﴾، فأجابه علي رضي الله عنه وهو في الصلاة: ﴿ فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لَا يُوقِنُونَ ﴾»، وسنده ضعيف. قال أصحابنا: «وإذا استعذن الإنسان على المصلي، فقال المصلي: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾، فإن أراد التلاوة أو الإعلام لم تبطل صلاته، وإن أراد الإعلام ولم يحضر نية بطلت صلاته». يعني: ما حكم أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام العادي؟ إذا أراد أن يتكلم يقتبس آيات من القرآن، مثلاً: وجد ناساً يتحدثون ويتناقشون، فيأتي إليهم فيقول: ﴿ عَمَّ يَتَسَاءَلُونَ ﴾، أو يريد أن يعطي ويناول شخصاً كتاباً فيقول: ﴿ هَاؤُمُ اقْرَؤُوا كِتَابِيَهْ ﴾، أو يستأذن عليهم الاستئذان فيقول: ﴿ ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ ﴾، أو يأتي شخصاً على غير ميعاد فيقول: ﴿ وَجِئْتُ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ ﴾، أو يصف دكانه ويعلق ورقة لهم فيها ما يشاءون ونحو ذلك. ما حكم أن يجعل القرآن بدلاً من الكلام، يأخذ من الآيات وينتزع من الآيات ما يدل على هذا المعنى الذي يريده؟ كذا كان بشكل مستمر وصار عادة، فهذا بدعة في الدين. القرآن ما أنزل لأجل أن يتكلم به وأن يتحدث به، وإنما منزل لأجل التلاوة ولأجل العمل والتدبر والتفاهم. أما أنه يتخذ كالكلام، فهذا لم يكن من هدي النبي صلى الله عليه وسلم، ولا من هدي الصحابة، وهم أعظم الناس تعظيماً لكتاب الله، وأعرف الناس بأحكامه وأدابه، وأيضاً أكثر الناس تلاوة له. ويقول صلى الله عليه وسلم: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». الذي يعمل كذلك مع القرآن، هذا يعتبر قد فعل بدعة؛ من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد. أن يكثر يحاول ويتكلف، كل ما أراد معنى أو موضوعاً أو كلاماً أو جملةً، يذهب ينتزع آية من كتاب الله سبحانه وتعالى. لا، ما أنزل القرآن لأجل أن يتكلم به. لكن لو أراد أن ينتزع العبر والحكم من كتاب الله سبحانه وتعالى، فهذا لا بأس. قالوا: «فلان ما توفنوه، قل: سبحان الله، ﴿ مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى ﴾». ويعني: ذهب يأتي بحكمه، أو يقول في أهل البدعة مثلاً، أو يقول في أمر أو في كتاب يصد كتاب من الكتب الباطلة فيقول: ﴿ لَا يُسْمِنُ وَلَا يُغْنِي مِن جُوعٍ ﴾. فانتزاع العبر والمواعظ والأمثال من كتاب الله سبحانه وتعالى، هذا لا بأس به، هذا لا يدخل في التحريم. لكنها جمل معينة في مواضيع مناسبة. لكن الممنوع هو أن يتخذ من القرآن طريقاً إلى التحدث والكلام. أما أنه ينتزع الآيات التي فيها الحكم، فهذا لا بأس به. هذا خلاصة ما في هذا الفصل. وأما كما تقدم: اتخاذ القرآن وسيلة للكلام، فهذا حرام، وهذه بدعة. بل لو كان على سبيل الاستهزاء والاستخفاف فهو ردة: ﴿ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ ﴾. قال رحمه الله: «فصل: إذا كان يقرأ ماشياً فمر على قوم، يستحب أن يقطع القراءة ويسلم عليهم، ثم يرجع إلى القراءة، ولو أعاد التعوذ كان حسناً. ولو كان يقرأ جالساً فمر عليه غيره، فقد قال الإمام أبو الحسن: الأولى ترك السلام على القارئ لاشتغاله بالتلاوة. قال: فإن سلم عليه إنسان، كفاه الرد بالإشارة. قال: فإن أراد الرد باللفظ، رده ثم يستأنف الاستعادة وعاود التلاوة». هذا الفصل يعني فيه الحث على الاستمرار في التلاوة إذا ابتدأ فيها، وأن لا يقطعها لحديث جانبي أو انشغالاً بأمر خارجي. وهذا كله مراعاة لفضيلة عظيمة وهي تدبر القرآن. ومن العون على تدبر القرآن أن لا يقطع التلاوة إلا لما لابد منه أو لحاجة ماسة. كتب ذلك. تقدم معنا ما يتعلق بمشروعية تدبر القرآن، فمن الأمور التي تعين على تدبر القرآن أن يقرأ قراءة متواصلة، وأن لا ينشغل عن القراءة بأمر خارجي إلا لأمر مشروع كرد السلام أو تشميت العاطس كما ذكر المصنف رحمه الله. وفي البخاري: قال نافع رحمه الله مولى ابن عمر: كان ابن عمر إذا شرع في القراءة لم يقطعها، أو لم يقم حتى يفرغ من قراءته. هكذا كان هدي السلف. فذكر هذه المسائل المتعلقة بذلك: متى يقطع؟ هو يريد أن يواصل، لكن لأي شيء يقطع القراءة؟ قال: «إذا كان ماشياً فمر على قوم»؛ هو يقرأ وهو ماشي، إذا مر على قوم هل يقطع القراءة ويسلم عليهم، يلقي عليهم السلام ثم يرجع إلى القراءة؟ الجواب: أنه يستحب له أن يلقي السلام، بل ذهب بعض العلماء إلى الوجوب، إلى الوجوب إذا مر على قوم أن يلقي عليهم السلام: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾. قال: «ولو كان يقرأ جالساً، ولو أعاد التعوذ كان حسناً». يعني: إذا كان الفصل يسيراً لا يحتاج أن يتعوذ، أصلاً يقرأ، قال: السلام عليكم، يرجع يواصل القراءة بدون استعاذة. قال: «ولو كان يقرأ جالساً فمر عليه غيره». إذا كان هو الذي يسلم عليه، هل يرد السلام أو يستمر في تلاوة القرآن؟ الجواب: لا، لا بد أن يرد السلام، لا بد أن يرد السلام. قولاً: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾، فالرد بالمثل واجب، وزيادة مستحبة. المماثلة واجبة بنص الآية الكريمة: ﴿ وَإِذَا حُيِّيتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا ﴾. وهذا الخلاصة: أنه واجب أن يرد، ولا يجب أن يرد بالإشارة. قالوا: هذا الذي قاله ضعيف، يعني أنه يرد بالإشارة. والظاهر وجوب الرد باللفظ. فقد قال أصحابنا: إذا سلمت داخل يوم الجمعة في حال الخطبة، وقلنا الإنصات سنة، وجب رد السلام على أصح الوجهين. فإذا قالوا هذا في حال الخطبة مع الاختلاف في وجوب الإنصات وتحريم الكلام، ففي حال القراءة التي لا يحرم الكلام فيها بالإجماع -أو لا- مع أن رد السلام واجب في الجملة، والله أعلم. يقول: إذا كانوا اختلفوا في رد السلام في حال خطبة الإمام، مع أنهم اختلفوا هل الإنصات واجب أو مستحب، ومع ذلك ذهب بعضهم إلى أنه يرد السلام، فكيف بالحال التي ليس فيها خلاف؟ وحال القراءة لا خلاف في جواز الكلام، لا خلاف في جواز الكلام، فهذا باب أولى. بل كما تقدم: هذا واجب. قالوا: «أما إذا عطس في حال القراءة، فإنه يستحب أن يقول: الحمد لله». وكذا لو كان في الصلاة. نعم: «إذا عطس أحدكم فليقل: الحمد لله»، فيقول له أخوه: يرحمك الله. فحمد الله مع العطاس مستحب. أما في الصلاة، فاستفتينا من الحاشية، وهذه فائدة: أنه لم تثبت الأحاديث التي رويت في شأن حمد العاطس وهو في الصلاة، لم تثبت. وهناك نقل عن شيخنا الإمام الوادعي رحمه الله أنه رجع ويضعف هذه الأحاديث. فهذه فائدة: أن المصلي إذا كان في صلاة وعطس، أنه لا يحمد الله لعدم ثبوت ذلك في الصلاة لاشتغاله. قال: «ولو عطس غيره وهو يقرأ في غير الصلاة، وقال: الحمد لله، يستحب للقارئ أن يشمته فيقول: يرحمك الله». نعم، يستحب. هذا قول الجمهور. وإلا كما تقدم معنا في بعض الدروس: أن بعض أهل العلم يقول واجب، ويستدل بالرواية: «كان حقاً على كل من سمعه أن يقول له: يرحمك الله». وهنا تعليق للنووي: «تشميث العاطس هو بالشين وبالسين حقاً». قالوا: «لو سمع المؤذن، قطع القراءة وأجابه بمتابعته في ألفاظ الأذان والإقامة، ثم يعود إلى قراءته». وهذا متفق عليه عند أصحابنا. نعم، أيضاً النبي صلى الله عليه وسلم حث على ذلك: «إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن». فترديد الأذان مستحب، وفيه فضيلة عظيمة. وأما الإقامة، فالذي يظهر أن الأدلة في شأن الأذان، ليس في شأن الإقامة. قالوا: «أما إذا طلبت منه حاجة في حال القراءة، وأمكنه جواب السائل بالإشارة المفهمة، وعلم أنه لا ينكسر قلبه ولا يحصل له شيء من الأذى للأنس الذي بينهما ونحوه، فالأولى أن يجيبه بالإشارة ولا يقطع القراءة. فإن قطعها جاز، والله أعلم». نعم، إذا قطعها: قال له شخص: أين المفتاح؟ فيقول له: في الغرفة، أو فوق الدولاب. هذا من حيث الجواز جائز. لكن يقول: الأولى إذا لم يتأذَ المتكلم أن يشير له إشارة، يشير إلى الدولاب في علاه، ويشير إلى الغرفة، يقول: هذا هو الأولى حتى لا يقطع. وهنا أثر لابن سيرين: أنه كان يكره أن يقرأ الرجل القرآن إلا كما أنزل، ويكره أن يقرأ ثم يتكلم ثم يقرأ. والسند صحيح. أخرج أبو عبيد في كتاب الفضائل. في الحاصل: أن الأولى للقارئ أن يستمر في قراءته، وأن لا يقطعها إلا لعذر شرعي من عطاس، أو من إلقاء سلام، أو رد سلام، أو كلام في أمر يحتاج إليه. وإلا فالأولى أن لا يقطع قراءة. وفق الله الجميع. إلى هنا، اشتركوا في القناة على فندر جائع، وإلا في القناة، وإلا في القناة، اشتركوا في القناة.