كتاب الإيمان 116

كتاب الإيمان 116

الدرس في كتاب الإيمان 116، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة وتوطئة للحديث عن الشفاعة

يبدأ المقطع بالحمد لله والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، مما يوحي بأن الحديث سيكون في سياق ديني. ثم ينتقل إلى حديث الشفاعة يوم القيامة حيث يروي حماد بن زيد عن معبد العنزي أن أنس بن مالك حدثهم بحديث الشفاعة الذي سمعه من النبي صلى الله عليه وسلم.

تفاصيل شفاعة الأنبياء وأهمية شفاعة النبي محمد صلى الله عليه وسلم

يشرح الحديث تفاصيل شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأمته يوم القيامة، حيث يبدأ الناس بالذهاب إلى الأنبياء للشفاعة لهم، بدءاً من آدم ثم إبراهيم ثم موسى عليهما السلام، حتى تصل الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فيشفع لأمته. يُظهر الحديث عظيم حرص النبي على أمته ونجاتهم.

فضل كلمة التوحيد وثبوت الشفاعة لأهل الكبائر

يشرح المقطع تفاصيل حديث الشفاعة للنبي محمد صلى الله عليه وسلم، ويبين فضل كلمة التوحيد في نجاتها لأهلها من الخلود في النار. كما يشير إلى ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر وفقا لعقيدة أهل السنة والجماعة، ويذكر رواية الحسن البصري عن أنس بن مالك في هذا السياق.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام مسلم الحجاج أبو الحسين النيسابوري القشيري رحمه الله في صحيحه، في كتاب الإيمان: حدثنا أبو الربيع العتكي، واسمه سليمان بن داود، قال: حدثنا حماد بن زيد، وكنيته أبو إسماعيل البصري. ماذا قال عبد الله بن المبارك من حويض الأبيات؟ ها هرفلت: لا كجهم، ولا كثور، ولا كعمر بن عبيد. أيها الطالب العلم، ايتِ حماد بن زيد، فاطلبن العلم عنده، ثم قيده بقيد: لا كجهم، ولا كثور، ولا كعمر بن عبيد. قال فيه الإمام أحمد: أبو إسماعيل البصري إمام من أئمة المسلمين. قال حماد بن زيد: إمام من أئمة المسلمين، وهو من أثبت الناس في أيوب، من أبي تميم السجستاني. قال: حدثنا معبد من هلال العنزي. قال: وحدثنا سعيد بن منصور، واللفظ له، قال: حدثنا حماد بن زيد، قال: حدثنا معبد من هلال العنزي، قال: انطلقنا إلى أنس بن مالك، وتشفعنا بثابت، فانتهينا إليه. وتشفعنا بثابت يعني طلبنا منه أن يتوسط لنا للجلوس معه، وهذا معنى الشفاعة في اللغة: التوسط إلى الغير، أو في الاصطلاح: التوسط إلى الغير في جلب نفع ودفع ضر. قال: وتشفعنا بثابت فانتهينا إليه، أي إلى أنس بن مالك، وهو يصلي الضحى، فاستأذن لنا ثابت، فدخلنا عليه، وأجلس ثابتا معه على سريرة. يعني أجلس أنس بن مالك ثابتا على سريرة، وثابت من أوثق الناس في أنس، ثابت البناني من أوثق الرواة عن أنس بن مالك. وأجلسه معه في سريره ليبين فضله، وهكذا أهل الفضل إذا جلس معهم يكونوا متميزين عن غيرهم بقربهم، وكذلك أيضا أن يجلس مثلا على سرير أو على كرسي أو على فراش يفرش له من باب الاحترام والتوقير. فقال له: يا أبا حمزة -وهذه كنية أنس بن مالك- إن إخوانك من أهل البصرة يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم. وهذا فيه أن الصحابة رضوان الله عليهم كانوا محدثين وعلماء وفقهاء، يحفظون حديث النبي عليه الصلاة والسلام، فيأتي من يأتي من التابعين فيسألونهم ويسمعون منهم، وهكذا يأخذون عنهم العلم، فكانت مجالسهم رضي الله عنهم مجالس علم وتحديث. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمعنا من رسول الله، خرجنا مع رسول الله... وهكذا أخذ التابعون من الصحابة الحديث، وحدث التابعون، وأخذ منهم أتباع التابعين، وهكذا من بعدهم إلى أن وصل إلينا هذا العلم وهذا الحديث وهذا الدين وهذه الشريعة، فهم الواسطة فيما بين هذه الأمة وبين نبيها عليه الصلاة والسلام، فهم الذين حفظوا هذا الدين في نقله إلينا. قال: يسألونك أن تحدثهم حديث الشفاعة. ولهذا كان أشبه الناس بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام هم أهل الحديث. كان لإمام الشافعي رحمه الله يقول: إذا رأيت رجلا من أصحاب الحديث، فكأني رأيت رجلا من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وأصحاب الحديث كانوا يعتنون بحديث النبي صلى الله عليه وسلم كالصحابة حفظا وفهماً وتعلماً وتعليماً وعملاً ودعوةً، فهم أشبه الناس بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. وكما قال القائل: أهل الحديث هم أهل النبي، وإن لم يصحبوا نفسه، أنفاسه صحبوا. أهل الحديث هم أهل النبي أو أصحاب النبي، وإن لم يصحبوا نفسه يعني إن لم يصحبوا النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه، فقد صحبوا أنفاسه وحديثه وأقواله. قال: حدثنا محمد صلى الله عليه وسلم قال: إذا كان يوم القيامة، ماج الناس بعضهم إلى بعض، يعني اختلط بعضهم في بعض، فيأتون آدم، فيقولون له: اشفع لذريتك. فيقول: لست لها، يعني لست أشفع وليست الشفاعة لي. قال: وَلَكِنْ عَلَيْكُمْ بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَإِنَّهُ خَلِيلُ اللَّهُ. فيؤتون إبراهيم، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بموسى عليه السلام، فإنه كليم الله. كليم الله يعني من كلمه الله جل وعلا، وكلم الله موسى تكليما. لماذا خص موسى بذلك بأنه كليم الله؟ لأن الله كلمه بغير واسطة في الدنيا، كلمه الله في الدنيا بغير واسطة، النبي صلى الله عليه وسلم كلمه الله لكن في السماء، وغيره من الأنبياء عن طريق الوحي بواسطة جبريل عليه السلام، لكن موسى كلمه الله جل وعلا بلا واسطة في الدنيا، هذا لقب بكليم الله. قال: فيؤتى موسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بعيسى عليه السلام، فإنه روح الله وكلمته. فيؤتى عيسى، فيقول: لست لها، ولكن عليكم بمحمد صلى الله عليه وسلم. وهذا تمهيد لبيان أن القائم بهذه الشفاعة هو النبي عليه الصلاة والسلام، فكلهم يتبرأ ويحيل إلى غيره حتى تصل طلب الشفاعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم، إما لعلمهم بذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم هو أولى من يقوم بالشفاعة، أو خصه الله جل وعلا بها في ذلك الموقف، أو أنهم يتبرأون منها حتى يقوم بها النبي صلى الله عليه وسلم، فيتبين فضله وشرفه. ولذلك لا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة، لو أتوا إليه مباشرة لشفع، لكن قد يظن أن غيرهم من الأنبياء كذلك يشفع في هذا الموقف، لكن بهذا التدرج يتبين أن هذه الشفاعة خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام، فيظهر في ذلك عظيم فضله ومنزلته عليه الصلاة والسلام. قال: فأوتي، فأقول: أنا لها، فأنطلق فأستأذن على ربي، فيؤذن لي، فأقوم بين يديه، فأحمده بمحامد لا أقدر عليها الآن، يلهمنيها الله. يعني الله عز وجل يلهمني أن أقولها في ذلك الموقف، الآن ما أعرفها ولا أحفظها. قال: ثم أخر له ساجدا، فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: رب أمتي، أمتي. وهذا فيه بيان عظيم حرص النبي عليه الصلاة والسلام على أمته ونجاتهم وسلامتهم وإرادة الخير لهم حتى يوم القيامة، مع ما بذله عليه الصلاة والسلام في الدنيا من قيامه بما أوجب الله جل وعلا عليه في إقامة هذا الدين والدعوة إليه والجهاد في سبيله، في سبيل الله جل وعلا لإقامته، ولاقى ما لاقى من الأذى. ومع ذلك حرص عليه الصلاة والسلام على حصول الخير لهذه الأمة حتى يوم القيامة، بل وخبأ دعوته. الله جل وعلا جعل لكل نبي دعوة مستجابة، وخبأ النبي صلى الله عليه وسلم دعوته لأمته. قال عليه الصلاة والسلام: ما من نبي إلا كانت له دعوة مستجابة، فدعاها، وإني خبأت دعوتي شفاعة لأمتي يوم القيامة. انظر لعظيم حرصه على أمته عليه الصلاة والسلام. قال: فأقول: أمتي، رب أمتي، أمتي. فيقال: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من برة أو شعيرة من إيمان، فأخرجه منها. مثقال حبة من برة، حبة البر أو شعيرة، وهي أطول من البر بشيء يسير. يعني معناه: من كان في قلبه شيء يسير من الإيمان كمثقال حبة البر أو الشعيرة. قال: فأخرجه منها. قال: فأنطلق، فأفعل. يعني أخرج من كان في قلبه من الإيمان مثقال حبة من برة أو من شعيرة. قال: ثم أرجع إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: أمتي، أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه منها. قال: فأنطلق، فأفعل. ثم أعود إلى ربي، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطه، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، أمتي، أمتي. فيقال لي: انطلق، فمن كان في قلبه أدنى، أدنى، أدنى من مثقال حبة من خردل من إيمان، فأخرجه من النار. قال: فانطلق، فأفعل. وهذا فيه دليل واضح ونصريح على أن الإيمان يزيد وينقص، وأن أهله فيه متفاوتون، كما هو قول أهل السنة والجماعة. فقال هنا: أدنى، أدنى، أدنى من مثقال حبة، وقبلها: من مثقال حبة، وقبل ذلك: من مثقال حبة خردل. فإذا الإيمان يتفاوت، منه من إيمانه كثير، ومنه من إيمانه قليل. قال: وقبلها هذا حديث أنس الذي أنبأنا به، فخرجنا من عنده. فلما كنا بظهر الجبانة -والجبانة: الصحراء، وقد تطلق أيضا على المقبرة، يقال لها الجبانة- قال: قلنا لو ملنا إلى الحسن، فسلمنا عليه. وهو مستخف في دار أبي خليفة -لو ملنا يعني اتجهنا إلى الحسن البصري الإمام رحمه الله، من أئمة التابعين، وكان مستخف خوفا من الحجاج بن يوسف-. قال: فدخلنا عليه، فسلمنا عليه، فقلنا: يا أبا سعيد، جئنا من عند أخيك أبي حمزة، فلم نسمع مثل حديث حدثناه في الشفاعة. قال: هي -يعني هات، وحدث وتطلق أيضا بمعنى الزيادة، زد- قال: فحدثناه الحديث. قال: هي -يعني زد- قال: قلنا: ما زادنا. قال: قد حدثنا به منذ عشرين سنة، وهو يومئذ جميع -قوله جميع يعني مجتمع القوة والحفظ، يعني أصغر من ذلك سنة حدث بهذا الحديث-. قال: ولقد ترك شيئا ما أدري أنسي الشيخ أو كره أن يحدث به، فتتكل -يعني أنه سمع هذا الحديث، أي الحسن البصري من أنس، ونسي أو ما ذكر شيء سمعه منه قبل عشرين سنة- فقال: إما أنه نسي، وإما أنه تركه عمدا، خشية أن تتكل إذا سمعتم. قلنا له: حدثنا. فضحك، وقال: خلق الإنسان من عجل. وهذا طبع الإنسان، الإنسان من طبيعته وغريزته العجلة، مما طبع عليها الاستعجال. وكان الإنسان عجولا. قال: ما ذكرت لكم هذا إلا وأنا أريد أن أحدثكم. ثم أرجع إلى ربي في الرابعة -هذه الزيادة التي ما ذكرها أنس لهم في روايته لهم، وسمعها الحسن- قال: ثم أرجع إلى ربي في الرابعة، فأحمده بتلك المحامد، ثم أخر له ساجدا. فيقال لي: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع لك، وسل تعطى، واشفع تشفع. فأقول: يا رب، إذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله. قال: ليس ذاك لك، أو قال: ليس ذاك إليك، ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، لأخرجن من قال: لا إله إلا الله. قال: فأشهد على الحسن أنه حدثنا به، أنه سمع أنس بن مالك، أراه قال: قبل عشرين سنة، وهو يومئذ جميع. وقوله: ولكن وعزتي وكبريائي وعظمتي وجبريائي، هذا كله أقسام أقسم الله جل وعلا بها بنفسه، أقسم الله جل وعلا بنفسه العظيمة بهذه الأقسام، بعزته وكبريائه وعظمته وجبريائه. الجبرياء بمعنى العظمة والسلطان، العظمة والسلطان والقهر. وهذا كله تأكيد أن الله جل وعلا سيخرج من النار من قال: لا إله إلا الله. يعني لا يبقى فيها أحد من أهل التوحيد ممن نطق كلمة التوحيد، كلمة الشهادة، التوحيد، ولم ينقضها بهذا القيد، لأن من نقضها بناقض من نواقض التوحيد يكون موحدا ولا يكون مسلما، وإن نطق بهذه الكلمة. فقوله: لأخرجن من قال لا إله إلا الله، ممن هو من أهل الإسلام. أما من استحق الخلود في النار، وإن قالها، فإنها لا تنفعه. وهذا فيه بيان فضيلة كلمة التوحيد، كما مر بيان ذلك في الدروس الماضية، إذ أنها هذه الكلمة العظيمة إذا حققها العبد فإنها تنجيه يوم القيامة من الخلود في النار، إن دخلها، إن كان عنده ذنوب وكبائر، ودخل النار بسبب ذلك، فإنه لا يخلد في النار إذا كان من أهل التوحيد. ومن حقق لا إله إلا الله، فيخرج منها بشفاعة الشافعين من الأنبياء والصالحين والملائكة، وأيضا شفاعة رب العالمين جل وعلا. وفيها أيضا ثبوت الشفاعة لأهل الكبائر، كما هي عقيدة أهل السنة والجماعة، أن صاحب الكبيرة لا يخلد في النار، بل يخرج منها، وخروجه منها بشفاعة الشافعين، ولا يخلد في النار إلا الكافر والمشرك. ثم ذكر أبا هريرة أيضا في بيان الشفاعة في أهل الموقف يوم القيامة، فأتركه إن شاء الله في الدرس القادم بإذن الله. الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.