الدرس في شرح لمعة الاعتقاد 75، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش المقطع أحكام الجهاد والحج مع الأئمة، ويرد على الروافض والخوارج في آرائهم حول هذه المسائل. أهل السنة يرون جواز الجهاد والحج مع كل إمام مسلم، برًا كان أو فاجرًا.
يؤكد النص على أهمية تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم، وذكر محاسنهم. يستدل بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية على وجوب محبتهم وعدم بغضهم.
حذر السلف من الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، واعتبروا من يتكلم فيهم مبتدعًا. يجب الكف عن ذكر مساوئهم والاكتفاء بذكر محاسنهم، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن سب أصحابه.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال المؤلف: ونرى الحج والجهاد ماضيين مع طاعة كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، وصلاة الجمعة خلفهم جائزة. وقلنا: إن هذه الأمور عند أهل السنة أنها تفعل مع كل إمام، برًا كان أو فاجرًا، أي لا بد أن يكون مسلمًا. وأما الكافر فليس معه جهاد ولا حج، إلا إذا كان دفعًا للعدو. وأيضًا صلاة باطلة تعتبر. وفي هذه الفقرة رد على الروافض وعلى الخوارج. الروافض يقولون: إنه لا جهاد إلا مع الإمام المعصوم، أو مع إمام المعصوم. والآن يقولون: إن الجهاد لا يكون حتى يخرج مهديهم، مهدي الرافضة، وهو شخص وهمي ليس له وجود أصلًا. ومعنى كلامهم أنه لا جهاد أصلًا، لكنهم يقاتلون ويقتلون المسلمين ويعاونون على قتلهم. وكذلك هذا كل ما يسمونه جهادًا عندهم، الجهاد لا يكون إلا مع إمام. وإنما هذا قد يسمونه مجهودًا حربيًا أو كذا، وهذا كله من باطلهم. وأما الخوارج، فهم يرون الخروج على إمام الظلم، كما تقدم. أنس قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: «ثلاث من أصل الإيمان: الكف عن من قال لا إله إلا الله، ولا تكفره بذنب، ولا تخرجه من الإسلام بعمل، والجهاد ماض منذ بعثنا الله حتى يقاتل آخر أمتي الدجال، لا يبطله جور جائر ولا عدل عادل، والإيمان بالأقدار». رواه أبو داود. وهذا الحديث فيه رجل يقال له يزيد بن أبي نشبة، وهو مجهول. هذا الحديث لا يصح، لكن معناه صحيح. معناه صحيح أن الإمام الذي يكون مسلمًا يجاهد معه ويحج معه. قال: ومن السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم، وذكر محاسنهم، والترحم عليهم، والاستغفار لهم، والكف عن ذكر مساوئهم، وما شجر بينهم، واعتقاد فضلهم، وبعرفة سابقتهم. قال الله تعالى: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾. وقال تعالى: ﴿محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾. وقال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبًا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». فهذه الفقرة يقول: من السنة تولي أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ومحبتهم، فإن النبي صلى الله عليه وسلم حث على ذلك. فالصحابة رضي الله عنهم حبهم دين، كما قال الإمام الطحاوي: «حبهم دين وبغضهم كفر ونفاق». فحب الصحابة إيمان ودين، وبغضهم كفر ونفاق. والنبي عليه الصلاة والسلام قال في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وقال في علي: «إنه لمن عهد إلي أن لا يحبني إلا مؤمن، ولا يبغضني إلا منافق». فالصحابة رضي الله عنهم محبتهم دين، والذي يؤمن والذي يحب الصحابة مؤمن، والذي يبغضهم منافق. قال: وذكر محاسنهم، وأيضًا أن لا يجعل في قلبه عليهم شيء. ولهذا استدل المؤلف بهذه الآية: ﴿والذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين آمنوا﴾ على أنه يدعى لهم، وتذكر محاسنهم، والثناء عليهم، والترحم عليهم. وكذلك لا يجعل الإنسان غلًا في قلبه عليهم، لا يجعل غلًا وبغضًا لأصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل إنه يكون قلبه صاف عليهم. ومن كان في قلبه شيء عليهم فهو في إيمانه شيء. قال الإمام البرزعة: «هؤلاء أي زنادق الذين تكلموا في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، إنما أرادوا أن يجرحوا شهودنا». قال ابن العربي: «لقد تفطن أبو زرعة لشيء عظيم، أن هؤلاء ليش يتكلمون في الصحابة؟ لأنهم يريدون أن يطعنون في الدين». فإذا طعنوا في الدين مباشرة ما معنى سيكشف أمرهم؟ لكن جعلوا الناس يبغضون أصحاب رسول الله ويتكلمون على هذا وهذا. كان السلف رحمهم الله لا يرضون أن يتكلم في أحد من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. فهذا عمران بن حصين لما تكلم بعض أهل الشام أو غيرهم، قال: «والله لا أساكنكم أبدًا، أنا لا أسكن في بلدة يتكلم فيها على أصحاب رسول الله». وقال البراء: «من تكلم في عثمان يجلد». ولا أحب مساكنة مثل هؤلاء. وهكذا جاء عن السلف أنهم ما كانوا يساكنون من يسب أو يتكلم في أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل يتهمونه في دينه. وأيضًا كذلك جاء عن الإمام أحمد، عن ابنه عبد الله، أنه قال: سألت أبي عن الرجل من أهل الحديث أخذ منه الجزء، فأجد فيه مثالًا بالصحابة. قال: «يأتي مثلًا صاحب حديث ويقول لهذا الشيخ أعطني جزءًا عن فلان أو جزء لك في الحديث، فيعطيه فيجد فيه كلامًا على الصحابة». فقال عبد الله بن أحمد لأبيه: أجد أخذ جزء من أصحاب الحديث فأجد فيه مثالًا بالصحابة، كيف أفعل؟ فقال رحمه الله: «حرقها ومزقها». أنا مزق هذه وطرحها في النهر. فقال: يا أبتي أغرم على ذلك؟ معنا يكون علي ضمان وأعطيه غرامة لأجل جزءه. قال: «ليس على كتب البدع غرام، ليس على كتب البدع غرام». أنا ليس هناك ضمان لكتب البدع لأنها كتب أهل بدع، ليست كتب أهل السنة، وفيها أيضًا كلام على الصحابة رضي الله عنهم. فلهذا فمن تكلم على أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فهو متهم في دينه، والواجب هو الكف، هو ذكر محاسن الصحابة والكف عن ذكر مساوئهم. ومسألة هذه قول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي». إن شاء الله نتكلم على مسألة السب في درس لاحق، ونكتفي بهذا والله تعالى.