شرح أعلام السنة المنشورة  137

شرح أعلام السنة المنشورة 137

الدرس في شرح أعلام السنة المنشورة 137، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

منزلة الإيمان بالقدر وأهمية الجمع بينه وبين الشرع

الإيمان بالقدر هو أساس التوحيد، ولا يستقيم الدين إلا به وبامتثال الشرع. الجمع بينهما مبدأ أساسي في الدين.

مذهب الجبرية وتأثيره السلبي على العمل بالشرع

مذهب الجبرية يستخدم الإيمان بالقضاء والقدر لتبرير ترك العمل بالشرع والأفعال القبيحة. المؤمنون حقا يجمعون بين الإيمان والعمل.

أثر الإيمان بالقضاء والقدر على سلوك المؤمنين وتميزه عن الجبرية

الإيمان بالقضاء والقدر يريح النفوس، بينما الطعن فيه يؤدي إلى الحسرة والشك. المؤمنون يعترفون بتقصيرهم ويلجأون إلى الله.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع ينتهي بدعاء بأن ينفع الله بما قيل ويذكر الصلاة على النبي وآله وصحبه، مع التأكيد على قدرة الله وولايته.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال حافظ الحكمي رحمه الله تعالى في رسالته "على مسنّة المنشورة": "ما منزلة الإيمان بالقدر من الدين؟" وهذه المسألة ختم بها المؤلف رحمه الله تعالى هذا المبحث الذي تكلم فيه رحمه الله تعالى عن مسألة الإيمان بالقدر. كما قلنا، المؤلف رحمه الله تعالى ذكر لنا أركان الإيمان الستة، بدءا بالإيمان بالله، والإيمان بالملائكة، والإيمان بالكتب، والإيمان بالرسل، والإيمان باليوم الآخر، حتى وصلنا إلى هذا المبحث، وهو الإيمان بالقضاء والقدر. ثم استرسل رحمه الله تعالى في ذكر المسائل المتنوعة، والتي مرت علينا في قراءتنا لمسائله حول ما يتعلق بالضوابط والشروط والمراتب، وختم هذا المبحث رحمه الله تعالى بهذا السؤال: "ما منزلة الإيمان بالقدر من الدين؟" ثم سرد لنا كلاما طويلا رحمه الله تعالى نقرأه، وواضح المعالم، وهي خلاصة ما مضى معنا من مسائل. قال رحمه الله تعالى: "الإيمان بالقدر نظام التوحيد، كما أن الإيمان بالأسباب التي يتوصل إلى خيرها وتحجز عن شرها هي نظام الشرع، ولا ينضم أمر الدين ويستقيم إلا لمن آمن بالقدر وامتثل الشرع". هذا تنبيه لما سيقرره المؤلف رحمه الله تعالى أن دين الله جل وعلا لا يستقيم عند أحد من خلقه إلا إذا اعتنق لهذين المبدأين: الجمع بين القدر والشرع. وهذه مسألة عظيمة نبه عليها العلماء، ومن ذلك ما سطره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في آخر رسالته "التدمرية". فإن أهل التوحيد هم الذين يوفقون إلى الجمع بين مرتبتين: بين مرتبة الإيمان بالقدر بما قدره الله وقضاه في الأزل على خلقه، وبين الإتيان بما شرعه الله عليهم من شرائع. تؤمن بهذا وتؤدي هذا، إن فعلت كنت يا عبد الله من الصفوة وكنت من أهل التوحيد الخلص. قال رحمه الله تعالى: "ولَيَنْتَظِمُ أَمْرُ الدِّينِ وَيَسْتَقِيمُ إِلَّا لِمَنْ آمَنَ بِالْقَدْرِ وَامْتَثَلَ الشَّرْعَ". قال: "كما قرر النبي صلى الله عليه وسلم الإيمان بالقدر، ثم قال لمن قال له: أفلا نتكل على كتابنا وندع العمل؟ قال: اعملوا، فكل ميسر لما خلق له". هذا والشاهد من الحديث أن نبينا صلى الله عليه وسلم قرر هذين المبدأين: الإيمان بالقدر مع امتثال الشرع. ففي هذا الحديث، والذي رواه مسلم في صحيحه، فيه بيّن نبينا صلى الله عليه وسلم أنه ما من نفس منفوسة إلا وقد علم محلها من الجنة ومحلها من النار، هذا في علم الله. قد علم ربنا جل وعلا أين تصل مآلات الأمور لخلقه، عند الله جل وعلا قد علم هذا، هذا من قدر الله، قدره ربنا، وقدره هذا قدر. فلما سمع الصحابة بهذا، ونم ينبغي أن يعتقد بقدر الله، وأن الله قد قدر الأمور في الأزل، سأله: إذن هل نعمل أم نتكل على الذي كتب علينا؟ فقال نبينا: اعملوا، هذا الشاهد. فقرر نبينا الإيمان بالقدر، وأنك تؤمن وتصدق وتوقن بأنه ما من شيء إلا وقدره الله عليك، هذا أمر. وهل هذا معنى أنك تترك العمل؟ لا، اعمل بما شرع الله لك، اعمل يا عبد الله بدين الله، فلا تتكل على القدر حتى تتهرب من الشرع. قال رحمه الله تعالى: "فمن نفى القدر زاعما منافاته للشرع، فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته، وجعل العبد مستقلا بأفعاله خالقا لها". فأثبت مع الله تعالى خالقا، بل أثبت أن جميع المخلوقين خالقون، كما يقولون. هذا مذهب القدرية، يقولون: أن الإنسان في هذه الدنيا عليه أن يعمل، لكن مع اعتقاد أن ما تقوم به من عمل هذا ليس من تقدير الله، ليس من تقدير الله. فأنت إن اهتديت فبنفسك، وإن ضللت فبنفسك، أنت إن وقعت في زلة فإنك أنت الذي فعلتها، أنت الذي أردتها، أنت الذي خلقتها. فعندهم أن الله ما خلق أفعال العباد، فأثبت مع الله خالقا آخر. وعلى هذا المسألة، وعلى هذا العقيدة، جاءت الآثار الصحيحة عن النبي صلى الله عليه، واصفا القدرية بأنه "مجوس الأمة". القدرية مجوس الأمة، سماهم نبينا بالمجوس. وهذا رواه أبو داود وأحمد في المسند، ويحسن جماعة من أهل العلم إسناده. فالمجوس في عقيدتهم الثانوية يعتقدون بإلهين اثنين: إله النور، وهو إله الخير، وإله الظلم، وهو إله الشر. إلهان يتنازعان في إدارة الأمور، فالنور يتحكم بالخير والصلاح، والظلم إله آخر يتحكم بالفساد والشر. وهكذا القدرية، إذا نظرت إلى ملكوت الله جل وعلا، فما يرون من كائنات ومخلوقات، قالوا: هذا خلق الله. وما يرون من أفعال العبد، يقولون: هذه من خلق العبد، العبد هو الذي يخلق أعماله بنفسه. فجعلوا للكون خالقا: خالق خلق الكائنات، وهو الله، وخالق خلق أعمال العباد، وهم العباد أنفسهم، خلقوا أعمالهم بنفسهم. فكانوا بهذا هم مجوسا، أي شابهوا المجوس من هذه الحيثية. قال رحمه الله تعالى: "فقد عطل الله تعالى عن علمه وقدرته". من يقول بهذا إلا عطل الله عن علمه، أي كأن الله ما يدري ما الذي سيفعله العباد. بل وعطله الله عن قدرته، جعلوا قدرة الله ضيقة، لها حيز. يقول: نعم، قدرة الله شاملة لكل شيء، ربنا على كل شيء قدير، إلا على أفعال العباد، الله ما يقدر عليها، فهذه لأنفسهم. فهذا تضييق وطعن وتعطيل لقدرة الله وعلمه سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "ومن أثبت محتجا به على الشرع، محاربا له، نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها، وكلفه بحسبها، زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطيق". وهؤلاء الجبرية، ماذا قالوا؟ نظروا إلى قدر الله، قالوا: نؤمن بقدر الله، بخلاف القدرية أنتم ضلال، نحن نؤمن بقدر الله، كل شيء بقدر الله، كل شيء بقدر الله. لكن ما الذي يعنون بالقدر؟ يعنون بالقدر أن الله جل وعلا هو خلف كل شيء، بمعنى أن العبد إنما هو مجبور، مسلوب الإرادة، مسلوب الاختيار، حاله كحال الريشة إذا رميتها في مهب الريح، تتحرك يمنة ويسرة، هي تتحرك، لكن ما الذي يحركها؟ الهواء، هي ما عندها قدرة على الحركة. قال: "ونحن هكذا، نحن نفعل أشياء من غير إرادة، ما الذي يحركنا؟ يقولون: الله". يقولون: هذا أثبت القدر بأن كل شيء من قدر الله، لكن مؤدى ذلك: لا علينا أن نعمل شيئا، ما نعمل شيئا، إن عملنا شيئا بتقدير الله، إن صلينا بتقدير الله، وإن عصينا فبتقدير الله، الله هو الذي أرادنا أن نفعل ذلك. فجعل الله جل وعلا هو الذي يأمرهم بالفواحش، يأمرهم بالمنكرات، يأمرهم بترك الصلوات. فآمنوا بالقدر وتركوا الشرع. قال: "الشرع ما نستطيع، نحن تحت رحمة الله، نحن نجلس، إن رأينا أن هناك دافع يدفع لنا للصلاة، صلينا، وإن رأينا هناك الدافع للفواحش، فعلنا الفواحش، لأن هذا كله بتقدير الله، نحن ما عندنا إرادة، ما عندنا قدرة". فتخلصوا من الشرع بحجة الإيمان بالقضاء والقدر. قال رحمه الله تعالى: "ومن أثبت القدر محتجا به على الشرع، أي على تركه وعلى تضيعه، محاربا له به، نافيا عن العبد قدرته واختياره التي منحه الله تعالى إياها". ومع أن هذا باطل، قد مر معنا أن الله جعل للعبد قدرة، بل أعطى للعبد مشيئة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله. فربنا أثبت أن العبد له مشيئة يختار بها وينقاد خلفها، ولكن مشيئة العبد تابعة لمشيئة الله سبحانه وتعالى. قال: "زاعما أن الله كلف عباده ما لا يطيق، كتكليف الأعمى بنقط المصحف". يقول: الله لو تركنا نعمل كيف هذا؟ تكليف علينا، الله ما أمرنا بالعمل، لو أن الله أمرنا أن نعمل، كان هذا شاق علينا، نعمل إيش الذي نعمله؟ حالنا كحال الأعمى أن يؤمر بكتابة مصحف، كيف أعمى أكتب مصحف؟ هذا مستحيل، محال. قال: "وهكذا إذا الله أمرنا بأن نعمل، ما نعمل شيء، إننا ما نعمل بقدرة الله، لا نعمل باختيارنا، ولا بمحض إرادتنا، فاستحالوا على أنفسهم العمل، فأغلقوا باب الشرع". وهذا من أخبث المذاهب، مذهب الجبرية، لأنهم عطلوا دين الله، بل حتى عندهم من قواعدهم: لا لوم على كافر، ما يلومون الكافر إذا قلت: فلان كافر، دعوا الله، أبغض كافر شيء، وإن جحدك صحيح، رأوا فاسقا، دعوا الله الذي جعله فاسقا، خلاص، الله يجعل العباد على هذا، اتركهم. لا لوم على أحد، لا لوم على كافر، ولا على فاسق، ولا على مجرم، أبطلوا الشريعة، تركوا الجهاد، تركوا القتال، تركوا العبادات بحجة أن الله الذي ما أعطاهم إشعارا، ما أعطاهم دافعا لذلك. رأوا أنفسهم خوارا، قالوا: هذا بإرادة الله، بإرادة الله جل وعلا. بل حتى أن بعضهم قال: ولوف عن الأفعال القبيحة، هي في الحقيقة طاعة، إذا فعلوا فواحش، قالوا: ما الذي أمرنا بهذا؟ قالوا: الله، إذن هي طاعة عند الله. فما يفرقون بين صحيح ولا قبيح، ولا فاسد ولا صالح، يرون أن الله يتحمل كل شيء، حتى أعوذ بالله من أقوالهم الخبيثة، بقول بعضهم: أن الله إن عاقبنا في الآخرة، إنما يعاقبنا على فعله، ليس على فعلنا، ما فعلنا شيء أصلا. يعني يقول: نحن رجل آلي مبرمج، أنا مبرمج على شيء، فإذا فعل رجل آلي خطأ، من الذي يتحمل خطأ رجل آلي؟ أنا مبرمج، إنما صانعه يتحمل. قالوا: ونحن هكذا، زللنا، وقعنا في خطأ، فعوقبنا، فإنما عقابنا إنما على فعله، لا على فعلنا، نحن ما فعلنا شيء، وربنا نفعل ما يشاء فينا. وانظر أقوال خبيثة، مدمرة، هالكة، مذهب رديء، مذهب الجبرية، وهم الذين يعني يتذرعون بالإيمان بأن كل شيء بقدر الله، لكن بالمقابل يسلبون من العبد قدرته واختياره، وأنه ما فعل شيء إلا بفعل الله المحض سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: "فقد نسب الله تعالى إلى الظلم". وكان إمامه في ذلك إبليس لعنه الله تعالى، إذ يقول: "فبما أغويتني لأقعدن لهم صراطك المستقيم". انظر الخبيث الشيطان، على ما لا يملك، على ما لا يستحق، يستدل على نشره للفساد، يقول: رب أنت أغويتني، خلاص، أنت أغويتني، سأقوم بالتبعات. "فبما أغويتني" مع أنه هو الذي أغوى بنفسه، بنفسه هو الذي أغوى، أغوى نفسه بنفسه. ربنا جل وعلا كرمه، ربنا جل وعلا رفعه، جعله في الملأ الأعلى، أعطاه من المنزلة الرفيعة، لذا ما نال أحد من خلق الله من ملائكة الله، لكن الله أمره بالسجود، فسجد الملائكة إلا هو، هو الذي أعرض، هو الذي أدبر، هو الذي رضي بالدنية في نفسه، وفي طاعته لربه، فأغوى نفسه بنفسه. ثم بعد ذلك ماذا يدعي؟ يقول: الله، لا أنا ما أغويت إلا بك، أنت الذي أغويتني، أنا ما أغويت. وهكذا كل من احتج بالقدر على فعل الذنوب والسيئات، فإمامه إبليس. مثل بعض الناس: يا رب صلي، والله عاد الله ما كتب عليه الصلاة، تحتج على المعاصي بقدر الله. ولهذا كما قلنا: الدين يستقيم بأمرين، تؤمن بالقدر مع العمل، اعمل، تريد الهداية، اعتباد الهداية، ما صليت، الله ما كتب، لا، الله كتب عليك الصلاة، كما تدري، اعمل، صلي، وسجد، أن الله قد كتب عليك الصلاة، صلي، اعمل، اعمل. ولهذا إخواني في الله، فلا يستقيم هذا الباب إلا بالإيمان بهذين المبدأين. قال رحمه الله تعالى: "وأما المؤمنون حقا، فيؤمنون بالقدر خيره وشره، وأن الله خالق ذلك كله". هذا المرتبة الأولى، المؤمن الخلص يؤمن أولا بقضاء الله وقدره، خيره وشره، ويعلم أنه ما من شيء يقع إلا بإرادة الله سبحانه وتعالى، هذا إيمان بالقضاء والقدر. لكن إضافة مع المرتبة الثانية، قال: "وينقادون للشرع أمره ونهيه، ويحكمونه في أنفسهم سرا وجهرا". وأن الهداية والإضلال بيد الله، يهدي من يشاء بفضله، ويضل من يشاء بعدله سبحانه وتعالى. تؤمن يا عبد الله بالقضاء والقدر، وأنا ما من شيء إلا وقد كتبه الله علينا، لكن مع هذا تعمل، اعمل، اعمل بالأمر، اعمل بالنواهي، فتجمع بين المرتبتين. فإن الهداية والضلال بيد الله جل وعلا، وكل ذلك يدور على بعلمه الذي وسع كل شيء. قال: "وهو أعلم بمواقع فضله وعدله". قال سبحانه: "وهو أعلم بمن ضل عن سبيله، وهو أعلم بمن اهتدى". قال: "وله في ذلك الحكمة البالغة". وكما قلنا: القدر هو سر الله، القدر هو سر الله، فلا تقتحموا، فعلى عبد خوان في الله أن يؤمن بهذه الأمور، ولا يخوض في غمارها. فإن العقل تطيش، العقل يطيش، فليس كل شيء من علم الله تستطيع أن تدركه. فربنا لا أحد من خلقه يحيط به علما، ومن علم الله حكمه وحكمه كثيرا خفيت على كثير من عباد الله، فقد يصل إليها واصل، وقد لا يصل إليها أحد. لكن سلم يا عبد الله في هذه المسائل، فإن الله قد علم كل شيء وقدره وخلقه وأراده سبحانه وتعالى. وبالمقابل عليك أن تعمل، فلا تركن إلى القدر، لا تلتفت إليه، لا تركن إليه، لا تتكل عليه على الفعل والترك. وسيأتي من كلام المؤلف على أن الفعل والترك إنما يكون عليه الحساب، يكون عليه العمل، لا يكون عليه الاتكاء. قال رحمه الله تعالى: "وله في ذلك الحكمة البالغة والحجة الدامغة، وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع، فعلا وتركا، لا على القدر". الثواب والعقاب لا يترتب على القدر، وإنما يترتب على الفعل، إن فعلت صالحا تؤجر، وإن فعلت سيئا يا عبد الله تؤزر، هذا الذي عليه الحساب والعقاب والثواب. فلا تلتفت للقدر، لو علمت ما علمت، ماذا سيغنيك؟ ما سيغنيك شيئا. انظر الصحابة رضي الله تعالى عنهم، كشف لهم بوحي الله عز وجل على الإنسان الرسول بأنه من أهل الجنة، هل هذا كان ذريعا لترك العمل؟ لا، بل زادوا في العمل، زادوا في العمل، لا يغني شيء، أنت بعملك يا عبد الله، أنت بعملك. فالحساب والعقاب إنما على الأعمال، وعلى الفعل. قال رحمه الله تعالى: "وأن الثواب والعقاب مترتب على الشرع، فعلا وترك، لا على القدر". وإنما يعزون أنفسهم بالقدر عند المصائب، نعم، نتكل على القدر في باب المصائب، وقعنا في مصيبة، قل: بقدر الله، تهون على النفس. فلن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، بهذا الباب في باب القضاء والقدر، تستعين به على تجلية المصائب عن النفس، لأنك تتكل عليه في الخير والشر. قال رحمه الله تعالى: "فإذا وفقوا لحسنه - في طبعتي: لحسنه، وفي بعض النسخ: لحسنه - عرفوا الحق لأهله". فقالوا: أي أهل الإيمان، إذا وفق إلى عمل صالح، ما الذي تفعل؟ قالوا: الحمد لله الذي هدان لهذا، وما كنا لنهتدي لولا أن هدان الله. ولم يقولوا كما قال الفاجر: "إنما أوتيته على علم عندي". هذا الفاجر الظالم لنفسه يورث لنفسه، وينسى شكر الله سبحانه وتعالى، ويعتمد على ذاته. قال: "وإذا اقترفوا سيئة - أي أهل الصلاح - يقع منهم زلل، ما أحد منا معصوم، ما أحد منا عصم من الخطأ، ما منا إلا هو خطاء، يقع من الخطأ، يقع من الزلل". لكن انظر كيف يفعل أهل الصلاح إذا وقعوا في خطأ؟ قال: "قالوا كما قال الأبوان - أي آدم وحواء - ماذا قال؟ ربنا ظلمنا أنفسنا، ناس بظلم لأنفسهم، هم الذين ظلموا أنفسهم، ربنا ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين". وهذا الذي أنظر لهذا المسلك الأدبي، عندما تعترف أنك أنت المقصر، ما الذي يثمر هذا؟ يثمر هذا الانكسار، يثمر الانطراح بين يدي ربك عز وجل. وتعرف أنك قد قصرت، وأنك قد غفلت عن مقام ربوبية لربك عز وجل، وأنك ما أعطيت العبودية حقها لله سبحانه وتعالى. هذا الذي يولده هذا المسلك الأدبي، عندما تعرف أن التقصير إنما وقع من تفريط منك. ربنا: إننا ظلمنا أنفسنا، أعاد الظلم لأنفسهم، ظلمنا أنفسنا، وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين. قال: "ولم يقولوا كقول الشيطان الرجيم: ربي بما أغويتني". لهذا الشيطان، عندما أخلى بهذا الأدب، نسب الشر لله وحده، وكأنه ما عنده إرادة، أنا ما فعلت شيء، ربي هو الذي فعل هذا بي، ربي بما أغويتني، ما قال: غويت، ما نسب الغواية لنفسه، معناه: هو الذي فعل، هو الذي بدأ. لكن لما فعل، قال: هذه المقولة، انظر كيف كانت أعماله قائمة على الشر، لأنه ما عظم الرب، ما عظم الرب. وهكذا الجبرية، كل من لم يعظم ربه عز وجل في هذا المقام، انظر لأعماله، فيها الدناءة، وفيها الخسة والحقارة، لأنه ما عظم ربه عز وجل، وإنما ما عرف ربه إلا بالشر، والعياذ بالله. قال: "وإذا أصابتهم مصيبة - أي أهل الخير والإحسان - قالوا: إنا لله وإنا إليه راجعون". تسلوا بقضاء الله وقدره على تجرية المصيبة. قال: "ولم يقولوا كما قال الذين كفروا، وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزوة: لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا". ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير. تأمل يا عبد الله أي الفارق بين الفريقين؟ بين فريق المؤمنين الذين آمنوا بقضاء الله وقدره، وأن المصائب إنما وقعت بتقدير الله، فإذا ابتلوا بمصيبة من فقر، من ضيق، من حرج، من شدة، من قلة في المال، من حروب، من قتال، من آلام، من آفات، من أضرار، من مجاعة، من جدب، من قحط، من براكين، من زلازل، من فيضانات، من انهيارات، من رياح، من أي مصيبة، يعلم أن ذلك بتقدير الله، فهانت على أنفسهم، وسلموا لها، وارتاحت قلوبهم، واطمأنت. قل: لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا، إنا لله وإنا إليه راجعون، كل ذلك بقدر الله، راجع إلى الله، يؤثر هذا حتى في حياتهم، من حيث المضي، وشدة العزيمة، وعدم التواني، فما يحزنوا لما مضى، ولا يغتموا لما سيأتي، لأنه قد فوضوا أمورهم لله عز وجل. هذا المحسن، هذا الموحد. لكن انظر لأهل النفاق، قال ربنا عنهم: "وقالوا لإخوانهم إذا ضربوا في الأرض - ضربوا أي خرجوا تجارة، سفر - ضربوا خرجوا في سفر، في تجارة، إذا ضربوا في الأرض أو كانوا غزوة - خرجوا في غزوة - يتكلم مع الصحابة، انظر لهؤلاء الصحابة إخوانه، أي في النسب، انظر خرجوا تجارة، ولا خرجوا غزوة، أتاهم الموت، ليش يخرجون؟ اعتراض على قدر الله. قالوا: "لو كانوا عندنا ما ماتوا وما قتلوا". ليش رحوا يجلسون في بيوتهم؟ لماذا؟ طعن واعتراض على قدر الله وقضائه. لو قالوا: إنما كان قتلهم في طريق سفرهم، أو في طريق غزواتهم، إنما بإرادة الله، لهان هذا على أنفسهم. لكن انظر لما اعترضوا على قدر الله، ما الذي أورثهم ذلك؟ قال سبحانه: "ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم"، وبهذا تعلم عظم مقدار الإيمان بقضاء الله وقدره، يريح النفوس، وتنشرح له الصدور والقلوب، ويفرج عنك الهموم، والكروب، والغموم. بخلاف الطعن والاعتراض على قضاء الله وقدره، فإنما يتألى بالحسرة، والشك، والندم، والريب، والطعن، ناهيك عن سوء ظنك بربك سبحانه وتعالى. قال ربنا: "ليجعل الله ذلك حسرة في قلوبهم، والله يحيي ويميت، والله بما تعملون بصير". وبهذه الكلمات إخواني في الله ختم المؤلف رحمه الله تعالى مبحث الإيمان بالقضاء والقدر. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.