التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 21

الدرس في التعليق على شرح قصيدة عنوان الحكم للشيخ عبد الرزاق العباد 21، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

الحكمة في التأني ومراعاة مواقيت الأمور وحدودها

يوضح الناظم أن لكل أمر وقتاً وميزاناً مقدرين، محذراً من العجلة قبل نضج الأمور ومبيناً أن القناعة تغني الحر بينما الحرص يورث الغم. ويؤكد الشارح وجوب التأني ومراعاة الموازين في الوقت والمكان والقدر، خاصة في الفتن، مستنداً إلى وصية ابن مسعود بالتؤدة واتباع الحق.

التأني والنجاة من الفتن

يحذر النص من المبادرة بالكلام في الفتن ويبين أن التأني واتباع أهل العلم ينجيان من الشر، مستدلاً بأقوال النبي صلى الله عليه وسلم وعلي رضي الله عنه عن كف اللسان ولزوم البيت والبكاء على الذنب. ويؤكد أن التؤدة محمودة في كل أمر دنيوي إلا في الطاعات.

ذم الاستعجال قبل النضج وأثره في الطب والبناء والعلم

يشرح المقطع معنى «البحران» في الطب كتغير سريع لحال المريض قبل تمام النضج، ويضرب به مثلاً للتحذير من العجلة في سائر الأمور. كما يبين أن البناء المتسرع يورث الشقوق، والطبيب غير المتقن يضر بالمرضى، وطالب العلم المستعجل لا يظفر بالثمرة.

خاتمة الدرس والتأكيد على النضج قبل الخوض في العلم

يختتم المتحدث الجلسة بالتأكيد على ضرورة النضج والاستعداد الكامل قبل الخوض في المسائل العلمية. ثم ينهي حديثه بالصلاة والسلام على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الناظم ابن الفتح البستي رحمه الله في منظومته "عنوان الحكم": قال: وللأمور مواقيت مقدرة *** وكل أمر له حد وميزان فلا تكن عجلا بالأمر تطلبه *** فليس يحمد قبل النضج بحران كفى من العيش ما قد سد من عوز *** ففيه للحر إن حققت غنيان وذل قناعة راض من معيشته *** وصاحب الحرص إن أثرى فغضبان حسب الفتى عقله خلا يعاشره *** إذا تحاماه إخوان وخلان هما رضيعا لبن حكمة وتقوى *** وساكن وطن مال وتغيان إذا نبا بكريم موطن فله *** وراءه في بسيط الأرض أوطان قال الشارح: فقه الله هذه تتمة منظومة "عنوان الحكم" لابن الفتح البستي رحمه الله تعالى. قد عرفنا مكانة هذه الأبيات، وحسن ما اجتملت عليه من حكم عظيمة ووصايا نافعة ضمنها رحمه الله تعالى أبيات هذه المنظومة، وأتت أبياتها في الغالب كل بيت منها يحمل حكمة وتوجيها مسددا. قال رحمه الله: وللأمور مواقيت مقدرة *** وكل أمر له حد وميزان. قال الشارح: ينبه الناظم رحمه الله تعالى إلى مراعاة مواقيت الأشياء، وأيضا حدودها وموازينها، قال: بحيث يزن المرء كل أمر بميزانه المناسب، وقته وحده وميزانه، يراعي ذلك؛ لأن الأمور إن لم توزن بموازينها، ولم تعتبر فيها موازينها، وقع الخلل. فمثلا من حيث الوقت يقول: وللأمور مواقيت مقدرة. إن لم تراع في الأمور مواقيتها وقع الخلل، وكما قيل: «من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه». من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. هذه قاعدة عند أهل العلم، وقد ورد فيها أيضا حديث عن النبي عليه الصلاة والسلام. فالذي يستعجل الأمور قبل أوقاتها المناسبة فإنه يندم، إذ أنه لم يأخذ هذا الأمر بالتأني والتؤدة وعدم العجلة. قال: فإذا هذا بيت فيه توجيه من الناظم، وقدم رحمه الله لوزن الأمور بموازينها من حيث الوقت، ومن حيث الحد، من حيث المكان. كل أمر يعتبر في الأمور لا بد أن يراعى إحجاما أو إقداما. إحجاما يعني إمساكا، والإقدام في هذا الأمر إذا كان الوقت غير مناسب، أو إقداما أن يقدم إذا كان الوقت مناسبا. قال: سواء كان المرء يريد الإقدام على أمر، أو يريد إحجاما عن أمر، لا بد من مراعاة ما أشار إليه الناظم، ألا وهو وزن الأمور بموازينها وحدودها وأوقاتها. قال: لهذا يقول بناء على ما سبق: فلا تكن عجلا بالأمر تطلبه *** فليس يحمد قبل النضج بحران. يقول: فلا تكن عجلا. العجل من الناس هو من لا يراعي مواقيت الأمور المقدرة، فتراه يأتي الأمور بطيش وعجلة، فيقع حينئذ الخلل والزلل. ولهذا قيل: «العجلة أم الندامات». العجلة أم الندامات. قال: «قد يدرك المتأني بعض حاجته، وقد يكون مع المستعجل الزلل». المتأني الذي لا يتعجل في الأمور، بل يتأنى ويأخذ الأمور بالتؤدة والتأني وعدم الاستعجال، هذا في الغالب أنه يدرك حاجته التي يريد، والغالب على المستعجل أنه يندم بسبب العجلة وعدم التؤدة والتأني. قال: فالأمور لا بد أن تأخذ بالأناة وبالرفق وعدم العجلة، خاصة في الأمور التي لا تتضح للإنسان ولا تستبين له حدودها وموازينها، لا يجوز له أن يستعجل. ومن يستعجل في الفتن باتخاذ القرارات يزل ويضل الآخرين، يزل في نفسه ويكون سببا في إضلال غيره. ولهذا يقول ابن مسعود رضي الله عنه: «إنكم ستكونون أمور مشتبهات، فعليكم بالتؤدة». التؤدة هي الأناة وعدم العجلة. يعني لا تستعجلوا في إصدار الأحكام، أو في الميل إلى أحد الفريقين، بل تأنوا، ليكن من أخلاقكم التأني والتؤدة. قال: «فعليكم بالتؤدة، فإن تكون أو أن تكون تابعا في الخير، خير من أن تكون رأسا في الشر». يعني في الفتن إذا تأنيت وظهر لك الصواب مع أهل العلم والفضل، فكنت تابعا لهم، هذا خير لك من أن ترفع رأسك في الفتنة، فتصير رأسا لكن في الشر، تصير رأسا في الشر ومخالفة الحق والهدى. وهذا أمر واقع ومشاهد في كثير من الفتن التي تقع، كيف أن الذي يتعجل ويريد أن يظهر، بعض الناس هو ما يعرف، فإذا جاءت الفتن أظهر رأسه وتكلم وطعن ولمز وغمز حتى يشار إليه، فيصير رأسا لكن في ماذا؟ رأسا في الشر وفي الضلال. لكن لو تأنى ولم يتعجل حتى تنكشف الأمور وتظهر، ويتبع أهل العلم، فيصير في هذا خير له، وإن كان تابعا. فإن تكون تابعا في الخير خير من أن تكون رأسا في الشر. وكما قال ابن الوزير رحمه الله: «لأن تكون ذيلا في الحق، خير من أن تكون رأسا في الشر». لو تكون ذيلا يعني تابع لغيرك في الخير، ليس لك يعني منزلة ورفعة، خير من أن تكون رأسا أنت القائد وأنت المتبوع، لكن في الشر وفي مجانبة الخير. إذا التأني في الفتن أمر مطلوب، أمر مطلوب. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم أوصى عند الفتن أن المسلم لا يستشرف لها، لا يستشرف الفتن. قال: «من وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به». يعني يبتعد، يهرب في الفتن. ولهذا قال: «من تشرف لها تستشرفه». يعني من تشرف للفتن ورفع رأسه فيها وخاض فيها، فإنها تخطفه وتأخذه. فلهذا يبتعد حتى يسلم. قال عليه الصلاة والسلام في الدجال: «من سمع به فلينأ عنه». يعني يبتعد، يبتعد من الفتن؛ لأن المسلم ينبغي أن يبتعد ويهرب من الفتن حتى لا يتأثر بها أو يصيبه شيء من شرها. قال: ولما تحدث علي رضي الله عنه عن الفتن وخطورتها، قال: «فلا تكونن عجلا منابع أو مذائع، بذرا بذرا». قال: رواه البخاري في الأدب المفرد. وعجل من العجلة، مذائع: إشاعة الكلام دون تثبت ودون روية. وبذرا: أي من يبذرون الفتن ويبذرون بذور الشر. فحذر رضي الله عنهم من العجلة: «فلا تكونن عجلا». ممن يستعجل في الفتن بإصدار الأحكام على الأشخاص، بسبب أن فلانا من أهل العلم تكلم في فلان، فيأتي ويناطح ويجادل وينشر هذا الكلام، ويدافع، فيصبح مذياعا، يعني ممن يشيع الكلام ويشيع الفتن، ويبذر كذلك الشر ويزرعه حتى ينتشر ويكثر ويعظم. هذا يسبب التعجل وعدم التأني. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «التؤدة في كل أمر خير، إلا في أمر الآخرة». التؤدة يعني التأني وعدم التعجل في كل أمر خير، إلا في أمر الآخرة، يعني ما يتعلق بأمور الطاعات في المسابقة والمسارعة. أما في أمور الدنيا فينبغي عدم العجلة والتأني، سوى ما يتعلق في التجارة والبيع والشراء، أو ما يتعلق بسفر الإنسان لمقصد من المقاصد، أو ما يتعلق كذلك بالنكاح والزواج، وهكذا قيس على ذلك في أمور الدنيا. فالتأني والتؤدة خير في كل عمل. ومن ذلك ما يقع في أمور الفتن، فالتؤدة والتأني خير. الإنسان كونك تلزم بيتك وتمسك لسانك، هذا سبب للنجاة، كما قال النبي عليه الصلاة والسلام لما قال له عقبة بن عامر: «أوصني يا رسول الله». قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». قال: يا رسول الله، هل من نجاة؟ قال: «أمسك عليك لسانك، وليسعك بيتك، وابك على خطيئتك». هذا النجاة: أن تمسك لسانك من الخوض في الفتن، وأن تلزم بيتك، فلا تشارك، لا تشارك بنفسك، ببدنك، بقتال أو رفع السلاح، وتبكي على خطيئتك، على ذنبك، تهرب إلى الله. هذا سبيل النجاة. وهكذا أيضا ما يتعلق بالخوض في أعراض العلماء، فإن النجاة: يمسك الإنسان لسانه، ولا يتكلم في أهل العلم والفضل. قال: فلا تكن عجلا بالأمر تطلبه. قال: إذا طلبت أمرا من الأمور، تعرف على حده، تعرف على وقته، تعرف على ميزانه، تعرف على سبل تحصيله، ثم سلك الطريق. يعني بعد أن تدرس الأمر دراسة كاملة، تعرف كيف تصل المطلوب ويحصل لك المقصود، فحينئذ تخوض فيه. قال: سواء كانت الطريق طويلة أو قصيرة، لا تستعجل. تعرف أولا، أو تعرف أولا على الوقت، الحد، الزمان، الطريقة، على ذلك، ثم سلك الطريق بخطة واضحة، ولا تستعجل شيئا قبل وقته. قال: فليس يحمد قبل النضج بحران. قالوا: بحران هذه كلمة مولدة ليست عربية، وتستعمل في الطب قديما، وهي تعني تغير المريض السريع، يعني تغير حال المريض من المرض إلى صحة وعافية سريعة قبل النضج. هذا الشيء يعني يخاف منه الأطباء ولا يحمدونه. يعني قبل النضج يحصل تغير، مثل المريض أخذ معه المرض شدة ومعاناة وألما، وفجأة قال: أنا أحس أنني مرتاح تماما. التغير السريع يقال عنه بحران. هذا يتخوف، يتخوف منه الأطباء؛ لأنه قبل النضج لا يحمدونه. ربما يشعر المريض بشيء من يعني الراحة والصحة والعافية، وما يدرى إلا وساعات ثم يموت، ثم يموت. لهذا هم يخافون من هذا، أن يحصل مثل هذا التغير السريع قبل النضوج وذهاب المرض وزواله بالكلية. قال: فليس يحمد قبل النضج بحرانه. يعني هذا التغير السريع لا يحمد، بل يتخوفون منه؛ لأنه جاء قبل النضج، لأنه جاء قبل النضج. ذكر ذلك رحمه الله مثلا للتحذير من استعجال الأمر قبل أوانه. قال: أضرب مثلا آخر لعله يوضح الأمر بشكل أوضح. قال: شخص يريد أن يبني بيتا من أدوار، من دورين أو ثلاثة أدوار أو أربعة أدوار. قال: لكنه معجل جدا في البناء، ويريد أن ينتهي بسرعة. إذا كانت العادة مثلا ينتهي هذا البيت في سنة، يعني يحتاج إلى أن تبنى هذه الأدوار أقل شيء سنة. قال: هو يقول: أريد أن أنهيه في شهرين، بأي طريقة كانت، المهم ينتهي البناء في خلال شهرين. قال: ثم يأتي على الأساسات بسرعة، ولا يعتني بقواعد البنيان وأصوله والأمور المعتبرة فيه، المهم اهتمامه كله منصب على أن ينتهي بسرعة، ينتهي بسرعة. أو لا ينتهي؟ الجواب: ينتهي. إذا حصل السرعة والعجلة ينتهي بسرعة. لكن هل يحمد؟ هل يحمد هذا البناء بهذه السرعة؟ الجواب: لا. قال: مجرد ما يسكن، أو يسكن غيره، يفاجأون بالخلل، والخلل تظهر، الشقوق والصدوع والخلل بسبب العجلة، بسبب العجلة. هذا معنى قولي: فليس يحمد قبل النضج بحران. يعني الأمور قبل أن تنضج، وقبل أن تستوي، وقبل أن تأخذ ما أخذها الصحيح، فإنها لا تحمد. هذا في كل باب، يعني من أبواب الأمور، سواء الدينية أو الدنيوية، لا ينبغي العجلة. ولما كان المثال حتى في باب العلم، حتى في باب العلم أن يؤخذ بالتدرج والتأني وعدم الاستعجال، شيئا فشيئا، كما قال إمام الزهر رحمه الله: «العلم شيئا فشيئا». وكما قيل: «العلم بحر زاخر». العلم بحر زاخر، فـ «ما حوى العلم جميعا أحد، لا ولو مارسه كل سنة، إنما العلم بحر زاخر». فاتخذ من كل شيء أحسن ما حوى العلم جميعا أحد، لا ولو مارسه كل سنة. العلم بحر يحتاج إلى حسن السباحة وإحسان المركوب، فيؤخذ العلم شيئا فشيئا، مع مرور الأيام والليالي تحصل الثمرة. أما إذا أراد طالب العلم أن ينال العلم في فترة وجيزة، يتقلب من درس إلى درس، ومن فن إلى فن، وفي النهاية يخرج بلا شيء، لا يحصل شيئا. كما قيل: «مشتت العزمات ينفق عمره حيران، لا ظفر ولا إخفاق». هذا مشتت العزمات التي تشتت، لا يأخذ العلم بطريقه الصحيح، لا يظفر بشيء، لا يظفر بشيء من العلم. إذا لابد من التأني حتى في باب العلم والتدرج فيه، فيحصل بذلك الثمرة المطلوبة. قال: ولما كان المثال الذي أورده يتعلق حول الطب في قوله: فليس يحمد قبل النضج بحران. قال: الطبيب نفسه عندما يستعجل التطبب قبل أن يتقن العمل، حرصا على ممارسة العمل في وقت سريع، يحمد ذلك أو لا؟ الجواب: لا يحمد. فليس يحمد قبل النضج بحران. لو تعجل الطبيب العمل بالطب قبل أن ينضج، ما الذي ترتب على ذلك؟ الإضرار بالمرضى، الإضرار بالمرضى. يأتي يعالج المريض فيزيده مرضا، بدل من أن يشفيه. ماذا؟ ربما أعاقه، وربما قتله، بسبب ماذا؟ عدم خبرته في الطب، وتعجله في هذه المهنة قبل أن ينضج فيها. وكما قال شيخ الإسلام رحمه الله: «نصف طبيب يفسد الأبدان، نصف طبيب يفسد الأبدان، ونصف عالم يفسد الأديان». نصف عالم يفسد الأديان، ونصف طبيب يفسد الأبدان. نعم، فلابد من نضوج، ثم بعد ذلك الخوض في الأمر المطلوب. طيب، نكتفي بهذا القدر إلى هنا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.