شرح حائية ابن أبي داوود  19

شرح حائية ابن أبي داوود 19

الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 19، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

ذم الرأي المخالف للكتاب والسنة ووجوب الرد إليهما

يبيّن المقطع خطورة الاعتماد على آراء الرجال التي تخالف النصوص الشرعية، مفرقاً بين الرأي القائم على الهوى والعقل المجرد والرأي الموافق للدليل. ويؤكد أن الواجب عند الاختلاف هو الرد إلى الله ورسوله لا إلى الأهواء أو الأقوال المجردة.

تحذير الأئمة من التعصب لآرائهم وتقديم السنة على أقوال العلماء

يشير المقطع إلى أن الدين يؤخذ من النبي صلى الله عليه وسلم لا من الآراء، وأن الأئمة الأربعة أمروا أتباعهم باتباع الحديث الصحيح حتى لو خالف مذاهبهم. ويوضح أن قول النبي أزكى وأطهر للقلوب من آراء الرجال لأن الوحي يطهر النفوس.

التحذير من اتخاذ الدين لهواً ووجوب التمسك بعقيدة السلف ومحبة أهل الحديث

يحذر النص من الذين يجعلون دينهم لهواً ولعباً، مبيناً أن ذلك يؤدي إلى الطعن في أهل الحديث وأهل العلم. ويؤكد أن تمام الإيمان يكمن في محبة العلماء والتمسك بعقيدة أهل السنة والجماعة طوال الحياة.

خاتمة المنظومة والتحذير من الفرق الضالة

يختم المتكلم بتحذير من انحراف فرق كالصوفية والخوارج والمرجئة في العقيدة، ويثني على نعمة العقيدة السنية الصحيحة. ثم يعلن انتهاء شرح المنظومة ويدعو للتشاور في اختيار الكتاب القادم والاشتراك في القناة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمدا كثيرا طيبا مباركا فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد: قال ابن أبي داود رحمه الله تعالى في منظومته الحائية: «ودع عنك آراء الرجال وقولهم، فقول رسول الله أزكى وأشرح، ولا تقو من قوم تلهوا بدينهم، تطعن في أهل الحديث وتقدح». هذه الأبيات أراد منها الناظم رحمه الله تعالى أن يبين أنه لا يجوز لأحد أن يعارض الحق والسنة بأقوال الرجال، بل إذا جاء النص من الكتاب أو السنة فالواجب العمل بما فيهما وترك ما خالفهما، ولو كان هذا القائل من كان، طالما أن قوله خالف الكتاب والسنة فلا يؤخذ بقوله. وقوله: «ودع عنك آراء الرجال» يعني: أترك، واحذر، واجتنب آراء الرجال، أي: لا تبني دينك ولا تعتقد اعتقادا على آراء الرجال المخالفة للحق، بل ابنها على أدلة الكتاب والسنة، ففي ذلك السلامة والعصمة. فقوله: «آراء» جمع «رأي»، والرأي هو ما قاله أحد البشر من تلقاء نفسه ومن اجتهاده دون دليل من كتاب أو سنة، فهذا يسمى رأيا. فـ «آراء» جمع «رأي»، والرأي هنا يشمل شيئين اثنين، بقوله: «آراء» يشمل أمرين اثنين: الأمر الأول: يشمل الرأي القائم على الظن والعقل المجرد مع تعطيل النصوص وإهمالها، بل والصد عنها والإعراض عنها. فهذا من أخطر وأعظم النوعين، من أنواع الرأي. يكون بهوى، ويكون بجهل، ويكون بتقديم العقل على النقل، ويكون بالظن. فهذا من أعظم وأخطر أنواع الآراء. وهذا الرأي، وهذا النوع مما يبين خطره: أن البدع والضلالات ما حدثت وأنشئت إلا بسببه، ما ظهرت الفرق الضالة من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة والماتريدية والكرامية وغيرها من فرق الضلال إلا بسبب الآراء الكاسدة الفاسدة والإعراض عن أدلة الكتاب والسنة. وهذا الرأي الذي ذمه السلف رحمهم الله تعالى ذما شديدا، وحذروا منه ومن أهله. فجاء عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: «إياكم وأصحاب الرأي»، يعني: احذروا أصحاب الرأي، «فإنهم أعداء الدين، أعيتهم السنة أن يحفظوها فأعملوا عقولهم»، يعني: أخذوا الدين بالعقول والأهواء والآراء، فاحذروا هؤلاء. وهذا الأثر أخرجه الدارقطني في سننه. وكذلك مما جاء عن السلف في التحذير من أهل الرأي: قول علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، كما أخرج ذلك أبو داود، صححه العلامة الألباني، قال علي رضي الله تعالى عنه: «لو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلى». الدين ليس بالرأي، إنما الدين بماذا؟ بالدليل. لو دخلت عقلك في كل أمور الدين لظللت ظلالا مبينا. لأن الدين ليس بالرأي، فلو كان الدين بالرأي من أحكام الطهارة: المسح على القفين، صح. فأين تمسح القفان؟ من أسفل أو من أعلى؟ من أعلى تمسح. وأين تجمع الأوساخ؟ من أسفل. فلو كان الدين بالرأي لكان مسح أسفل الخف أولى من أعلى، ولكن الدين ليس بالرأي وليس بالعقل، وإنما هو بالنقل، بالدليل من الكتاب والسنة. وهذا فيه ذم الرأي. وكذلك قال الإمام الأوزاعي رحمه الله تعالى: «عليك بآثار من سلف وإن رفضك الناس، وإياك وآراء الرجال»، يعني: احذر آراء الرجال، «وإن زخرفوها لك بالقول»، وإن كان في ظاهرها مزخرفة، يرحمك الله، فلا تغتر بهذه الزخرفة، لا تغتر لأنه رأي لم يبنى على دليل الكتاب والسنة، فاحذر هذه الآراء. فإذن هذا النوع الأول من أنواع الآراء: الرأي الذي هو قائم على الظن والعقل والهوى المجرد، مع تعطيل النصوص وإهمالها، بل والصد والإعراض عنها. يشمل ذلك ما قاله الناظم: «وإياك ودع عنك آراء الرجال». النوع الثاني من أنواع الرأي الذي ذمه السلف: اختلاف العلماء فيما يجتهدون فيه، فمن خالف منهم الحق فهو رأي له، لا يجوز الأخذ به، ولا يجوز كذلك ترك الدليل من أجل قول فلان من العلماء. فإن الاختلاف بين العلماء وارد، وقد قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ﴾، فالاختلاف وارد. ولكن لا يجوز لنا أن نأخذ ما نريد من الأقوال، وما يوافق رغبتنا وشهواتنا، وما يوافق كذلك مصالحنا، لا. وإنما عند اختلاف العلماء أمرنا ربنا عز وجل أن نرد هذا الاختلاف إلى الكتاب والسنة. فمن كان قوله موافقا للكتاب والسنة يجب على كل مسلم الأخذ به، كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ﴾، إلى الله يعني: إلى كتابه، وإلى الرسول: إلى شخصه وذاته في حياته، وإلى سنته بعد مماته. هنا عند الاختلاف يجب على كل مسلم أن يتجه إلى الكتاب والسنة، لا إلى آراء وأقوال الرجال فحسب، وإنما يستأنس بأقوال الرجال. فأقوال العلماء يستدل لها لا يستدل بها. ما معنى «يستدل لها»؟ يعني: يبحث عن دليلها من الكتاب والسنة، ما دليل فتوى ذلك العالم أو قول ذلك العالم في هذه المسألة؟ يرجع في ذلك إلى أدلة الكتاب والسنة، فإن معه دليلا فعلى العين والرأس، وإن لم يكن معه دليل فيرد قول هذا العالم، كما في الآية. وكذلك في حديث العرباض بن سارية، فقد بيّن النبي عليه الصلاة والسلام أن الاختلاف وارد بهذه الأمة، فقال: «فإنه من يعش منكم فسيرى اختلافا كثيرا»، هذا هو الداء المرض، فبين عليه الصلاة والسلام الدواء، فقال: «فعليكم بسنتي»، عند الاختلاف يرجع إلى السنة، «عليكم بطريقتي وهدي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي»، لأن سنتهم مأخوذة من سنة النبي عليه الصلاة والسلام. فإذن هذا الحديث أيضا فيه دليل على أنه عند الاختلاف لا يؤخذ بقول فلان أو علان، وإنما يؤخذ بالسنة، بالدليل من الكتاب والسنة، هذا الواجب. فلا نقول كما يقول بعض الناس: الدين واسع، واليسر مطلوب، ولابد أن نكون مرنين، كن مرنا، سهل على الناس، ويريدون بهذا أن تفتي بما يوافق أهواء الناس. الناس يحبون سماع الغناء، أفت لهم بجواز ذلك. الناس ابتلوا بالربا، وسع لهم في ذلك. الناس يحبون كذلك الرشاوي أو القات أو المخدرات أو نحو ذلك، يسر لهم. لا. وإنما يؤخذ بالدين الذي كان عليه النبي عليه الصلاة والسلام. ولنقل أيضا: الاختلاف رحمة، ونقول: من أراد أن يأخذ بقول فلان فليأخذ، ومن أراد أن يأخذ بقول فلان فليأخذ، هذا قول عالم، وهناك الرأي والرأي الآخر. لا. هذا عند الديمقراطيين: الرأي والرأي الآخر. أما عند المسلمين فليس هناك رأي ورأي آخر، إنما الحكم لله سبحانه وتعالى، فما أحله الله فهو الحلال، وما حرمه الله فهو الحرام. واضح. فإذن هذا نوع آخر من أنواع الآراء: وهو رأي عالم ما أراد مخالفة الحق لأنه مجتهد، ما أراد مخالفة الحق لكنه لم يصب الحق. فقد ألف شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله رسالة قيمة نافعة، بين فيها عذر خطأ العالم، وسماها: «رفع الملام عن الأئمة الأعلام». فالعالم قد يفتي بما يخالف الحق لأنه بشر، يعلم ويجهل، وكذلك يذكر وينسى، بشر. فلعل دليل هذه المسألة لم يصل إليه، أو وصل إليه دليل ضعيف ولم ينتبه لذلك، أو نحو ذلك من الأعذار التي ذكرها شيخ الإسلام ابن تيمية عليه رحمة الله. ولذلك لا الأئمة أنفسهم حذروا الأتباع من التعصب لهم، ومن أخذ آرائهم المخالفة للحق للكتاب والسنة. فقد جاء عن الإمام مالك رحمه الله تعالى أنه قال: «كل يؤخذ من قوله ويترك إلا صاحب هذا القبر»، وأشار إلى قبر النبي عليه الصلاة والسلام، «فما هو إلا وحي يوحى». وأما غير الرسول عليه الصلاة والسلام فإنه يؤخذ من قوله ويترك. وهذا تعليم منه رحمه الله للمحبين وطلابه وأتباعه: لا يتعصبوا له، ولا يأخذوا بجميع أقواله، لأنه ليس بنبي وليس بمعصوم، رحمه الله. وكذلك قال الإمام مالك رحمه الله، يحذر من اتباع الآراء المخالفة للحق: «وكلما جاءنا رجل أجذل من رجل تركنا ما نزل به جبريل على محمد صلى الله عليه وسلم لجدل هؤلاء». كلما جاءنا رجل أجذل من رجل، يجادل ليس بالكتاب والسنة وإنما بالآراء، فلربما بسبب فصاحته أو بسبب كذلك تشدقه اغتر بعض الناس وظنوا أن الحق معه. وكذلك جاء عن الإمام الشافعي رحمه الله، وعن غيره من الأئمة، أنهم كانوا يقولون: «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، «إذا صح الحديث فهو مذهبي»، «إذا لم يصح الحديث فليس بمذهب». وكذلك كان يقول الإمام الشافعي: «إذا خالف قولي قول رسول الله صلى الله عليه وسلم فاضربوا بقولي عرض الحائط»، يعني: لا تبالوا به ولا تعملوا به. إذا خالف قولي يعني: رأيي، قول رسول الله عليه الصلاة والسلام، فارموا بقولي عرض الحائط، لا تعملوا به. هذا تعليم من الأئمة لأتباعهم أن لا يتعصبوا لهم، وأن يأخذوا بجميع أقوالهم، وإن كانت مخالفة للكتاب والسنة. وكذلك كان يقول الإمام الشافعي: «أجمع المسلمون على أن من استبانت له سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن له أن يدعها لقول أحد»، لم يكن له أن يدعها لقول أحد، يعني: أن يتركها. كانت سنة خافية عليك ما تعلمها، وأنت قلت رأيا يخالف هذه السنة لجهلك بها، فإذا علمت هذه السنة لا يجوز لك أن تستمر على رأيك المخالف لها، بل يجب عليك أن تترك رأيك وأن تأخذ بالسنة. أجمع المسلمون على ذلك، ويريد بالمسلمين: العلماء الربانيين. وكذلك يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته يذهبون إلى رأي سفيان»، يعني: سفيان بن عيينة، «والله عز وجل يقول: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾، تدرون ما الفتنة؟ فتنة الشرك. لعله إذا رد بعض ما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام أن يقع في قلبه شيء من الزيغ فيهل». الآن ربما لو قلت لأحدنا: أخطأ الشيخ مقبل، أو أخطأ الشيخ الألباني، لغضب ووجد في نفسه. أيهما أبرد على النفس أن تقول: أخطأ الإمام أحمد، أو أخطأ الشيخ مقبل؟ أيهما أبرد على النفس أن تقول: أخطأ الإمام أحمد، أو أخطأ الشيخ مقبل؟ يعني: أبرد على النفس أن تقول: أخطأ الشيخ مقبل، لأن الشيخ مقبل أنزل مرتبة من الإمام أحمد، صح. فنحن نقول: والصحيح قول الإمام الشافعي، وقد أخطأ الإمام أحمد بهذه المسألة، أخطأ شيخ الإسلام، أخطأ الإمام الشافعي، أخطأ ابن القيم. نقول هذا، صح. فغيرهم من العلماء المتأخرين المعاصرين من باب أولى أن نقول: أخطأ، بكل قناعة وثقة. لماذا؟ لأنه ليس أحد معصوم، لا أحد من العلماء كل أقواله صواب وحق، تجد فيه من الخطأ فتقول: أخطأ. وهذا معنى قول الإمام أحمد: لعل هذه المسألة كانت يعني قديمة من زمن الأئمة. «عجبت لقوم عرفوا الإسناد وصحته»، يعني: طلبوا العلم، عرفوا الإسناد وصحته، يذهبون إلى رأي سفيان، يعني: ما يريدون أن يقولوا، ما يريدون أن يقولوا: أخطأ سفيان، يتعاظمون ذلك، وقد تبين لهم بالدليل أن قوله خطأ، ومع هذا يعني لا يزالون على ما عليه رأي سفيان رحمه الله تعالى. فإذن نحذر من التعصب، التعصب يكون للكتاب والسنة، للحق، يكون للحق. فالرأي الباطل مذموم، سواء كان من النوع الأول أو من النوع الثاني. وأما قوله في البيت: «آراء الرجال»، لماذا خصه بالرجال؟ قال العلماء: تخصيصه بالرجال ليس له معنى، ولكن ذكر الرجال هنا لأنهم أصحاب الرأي في الغالب، فذكر الرجال هنا من باب الغالب. وقوله: «فقول رسول الله»، أي: قول النبي عليه الصلاة والسلام، الصحيح الثابت، «أزكى»، «أزكى» أفعل تفضيل، يعني: أن قول الرسول عليه الصلاة والسلام هو الذي يزكي النفس للعمل به ويطهر القلب، لأن النبي عليه الصلاة والسلام أرسل في ذلك، ﴿الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ﴾. أما قول الرجال: ماذا تنتفع منه؟ ماذا تنتفع منه بشيء إذا كان مخالفا للحق؟ فإذا خالف آراء الرجال قول النبي عليه الصلاة والسلام، فخذ بقول النبي عليه الصلاة والسلام، فهو أزكى، أي: أطهر وأنقى وأخلص. وفي بعض النسخ: «أولى»، فقول رسول الله أولى، أي: أولى بالأخذ والتقديم، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، يعني: إذا جاء الأمر من الله ورسوله فخالفه رأي أو هوى أو قول مخلوق، فلا يجوز لمؤمن أن يقدم قول المخلوق أو هذا الرأي على قول الله ورسوله، ﴿لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾. وقوله: «وأشرح»، أي: قول الرسول عليه الصلاة والسلام أيضا أشرح للصدر والقلب، بل وأدعى للطمأنينة، لأنه علم من الله سبحانه وتعالى، فهو يزكي ويطهر القلب. ويوم القيامة لا يسأل الناس عن آراء الرجال، وإنما يسألون عن الكتاب والسنة. ويوم قال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿وَيَوْمَ يُنَادِيهِمْ فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ الْمُرْسَلِينَ﴾، يسأل الناس عن إجابتهم واستجابتهم لقول الرسل، لا لقول البشر من المخلوقين وآرائهم أبدا، وإنما يسألون عن قول المرسلين: هل عملوا به؟ هل استقاموا عليه؟ ثم قال الناظم رحمه الله: «ولا تقو من قوم تلهوا تلهوا بدينهم، فتطعن في أهل الحديث». نعم، «ولا تقو من قوم تلهوا بدينهم، فتطعن في أهل الحديث وتقدحوا». قولوا: «ولا تقو». هذا البيت فيه التحذير من طريق أهل اللهو والباطل، الذين اتخذوا دينهم لهوا ولعبا، يشمل ذلك أهل البدع والأهواء، ويشمل ذلك أيضا الفساق والفجار. وقد تقدم معنا قول الناظم: «ولا تك مرجيا لعوبا في دينه، فلا إنما المرجي بالدين يمزه». فللو نظرت في آراء وأقوال أهل البدع والأهواء لوجدت أنها لعبا ولهوا بدين الله. فذاك يقول: الإيمان في القلب، فافعل أيها الفاسق ما شئت. وذاك يقول: الإنسان يخلق فعل نفسه، فليفعل ما شاء. أقوال فيها لعب ولهو بدين الله سبحانه وتعالى. وهكذا تؤدي البدع بأصحابها. وهكذا أهل الفسق والفجور تشملهم قول الناظم: «ولا تك من قوم تلهوا بدينهم»، فجعلوا الدين استهزاء وسخرية، فقد يؤدي بهم ذلك والعياذ بالله إلى الكفر، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَئِن سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ﴾. وكما قال الله عز وجل وهو يبين صفات المجرمين في سورة المطففين: ﴿إِنَّ الَّذِينَ أَجْرَمُوا كَانُوا مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا يَضْحَكُونَ * وَإِذَا مَرُّوا بِهِمْ يَتَغَامَزُونَ * وَإِذَا انقَلَبُوا إِلَىٰ أَهْلِهِمُ انقَلَبُوا فَكِهِينَ﴾، إلى آخر الآية. فإذا لا تك من هؤلاء، ولا من هؤلاء، لا من أهل البدع والأهواء، فإن هؤلاء تلهوا بدينهم، ولا من أهل الفسق والفجور. ثم قال: «فتطعن في أهل الحديث وتقدحوا». وهذه نتيجة اتخاذ الدين لهوا ولعبا، فكل من ضل، وكل من كذلك انحرف، يقول به هذا الضلال والانحراف إلى الطعن في أهل الحق، إلى الطعن في أهل الحق، والتهكم بالمتمسكين بالسنة، والوقيعة في أهل العلم والأثر. هذه نتيجة تلك الآراء. وانظر: ما من أحد خالف السنة وجانب نهج السلف إلا ونصب العداء والطعن في العلماء وفي أهل الحديث. وهذه علامة من علامات أهل البدع والأهواء، كما في الأثر: «علامة أهل البدع: الطعن في أهل الأثر»، الطعن في، أو الوقيعة في أهل الأثر. فهذه علامة ظاهرة. فلا تقو من هؤلاء. وإنما من تمام وكمال الإيمان: محبة العلماء وأهل الحديث، وأهل الحديث هم أهل العلم، وهم الفرقة الناجية والطائفة المنصورة. وقد جعل الإمام أحمد في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله»، قال الإمام أحمد رحمه الله: «إن لم يكونوا أهل الحديث فلا أدري من هم». وجاء في البخاري أنهم أهل العلم وأهل الأثر والحديث. فإذا رأيت الشخص يطعن في أهل الحديث، أهل العلم، فاعلم أنه من أهل البدع. فإن أهل السنة يحبون العلماء ولا يطعنون فيهم، بل يدعون لهم، ويحترمون، ويقدرون، ويثنون عليهم، ويستفيدون من علومهم. فإذا لا تطعن في أهل الحديث، في أهل العلم، في أهل السنة، في أهل الأثر، الطائفة المنصورة والفرقة الناجية. هذا هو المعنى. ثم ختم هذه المنظومة بقوله: «إذا معتقدت الدهر يا صاح هذه، فأنت على خير تبيت وتصبح». يقول: إذا معتقدت يا أيها السني ما ذكرت لك في هذه المنظومة من معتقد أهل السنة والجماعة، سواء كان في باب القدر، أو في باب الدار الآخرة، أو في باب حكم مرتكب الكبيرة، أو كذلك في باب الصحابة والخلفاء، والصحاب المبشرين بالجنة، ونحو ذلك. إذا اعتقدت ما ذكرت لك من الاعتقاد الصحيح، اعتقاد السلف الصالح، وكان هذا الاعتقاد طول حياتك وطول عمرك، وهذا معنى قوله: «الدهرة»، يعني: منذ أن عرفت الحق إلى أن توفاك الله وأنت على هذه العقيدة، ما غيرت ولا بدلت، كما قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾، يعني: توفاك الله وأنت على هذه العقيدة، فأنت على خير، أعظم خير ينعم به الإنسان في هذه الحياة أن يكون على عقيدة صحيحة. ومعنى «اعتقدت» من العقيدة، والعقيدة مأخوذة من العقدة التي تربط بشدة وإحكام، وسميت العقيدة عقيدة لأن المؤمن يعتقد اعتقادا جازما في قلبه لا يدخله فيه أدنى شك، فهو جازم بهذه العقيدة. فلذلك قال: «إذا معتقدت فأنت على خير»، يعني: أعظم خير قلنا ينعم به الإنسان في هذه الدنيا أن يكون على عقيدة صحيحة، عقيدة أهل السنة والجماعة. «فأنت تبيت»، يعني: تنام على خير، ويدخل عليك الليل وأنت على نعمة عظيمة. «وتصبح»، تقوم من النوم وأنت على خير عظيم. فليس الخير أن تصبح وأنت ذو مال كثير، أو ذو صحة، أو نحو ذلك، وإن كانت هذه من النعم، ولكن أعظم نعمة: أن يدخل عليك الليل ويصبح عليك الصباح وأنت على عقيدة صحيحة. هذا أعظم نعمة يتمتع بها الإنسان، يتمتع بها الإنسان في هذه الحياة، لأنه إذا فقد الإنسان العقيدة الصحيحة فقد فقد آخرته، وقد أصبح والعياذ بالله من أهل النار، ومن الفرق الهالكة الضالة. فنعمة عظيمة أن توفق للعقيدة الصحيحة. كم من أناس الآن صاروا على عقائد منحرفة، سواء كان الصوفية، أو كذلك الخوارج، أو كذلك المرجئة، ونحو هذه الفرق الضالة، انحرفوا في هذا الباب، باب المعتقد، سواء كان في توحيد الألوهية أو توحيد الأسماء والصفات. وأنت أيها السني أنعم الله عليك بهذه العقيدة السليمة الصحيحة. فإذن احمد الله، فأنت على خير تبيت وتصبح. وبهذا أنهى الناظم رحمه الله هذه المنظومة، وبهذا نكتفي، ونتشاور إن شاء الله تعالى في اختيار الكتاب المناسب الذي سيفتح في مثل هذا الوقت. اشتركوا في القناة.