شرح حائية ابن أبي داوود  3

شرح حائية ابن أبي داوود 3

الدرس في شرح حائية ابن أبي داوود 3، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

عقيدة أهل السنة في أن القرآن كلام الله غير مخلوق

يقرر الناظم وجوب الاعتقاد الجازم والقول بأن القرآن كلام الله تعالى صفة غير مخلوقة، وهي عقيدة السلف الصالح التي نقلها اللالكائي عن خمسمائة عالم. ومن خالف هذه العقيدة فقد فارق التقوى، مستندين في ذلك إلى أدلة النقل المتواتر من الله إلى جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فالأمة.

حقيقة كلام الله والرد على الجهمية والمعتزلة

يبيّن المقطع أن القرآن كلام الله حقيقةً وإضافته للرسولين إضافة تبليغ لا ابتداء، مستدلاً بالآيات والأحاديث الصريحة. كما يوضح أن صفة الكلام صفة ذات قديمة النوع وصفة فعل حادثة الآحاد، راداً على الفرق الضالة القائلة بخلق القرآن.

رد شبهة خلق القرآن بعموم خالق كل شيء وموقف الفرق الكلامية

يرد العلماء على استدلال الجهمية بآية "الله خالق كل شيء" موضحين أن العموم نسبي مقيد بما يصلح للخلق، مستدلين بآية الريح المدمرة. كما يعرض أقوال الأشاعرة والماتريدية والكلابية محذراً من خطورة نفي الكلام عن الله، مستشهداً بمحنة الإمام أحمد بن حنبل.

إثبات صفة الكلام لله ونسبية قول الجهمية لليهود

يستدل المحاضر بآية العجل التي لا تنطق لإثبات أن من لا يتكلم لا يصلح للإلهية، مثبتاً صفة الكلام اللازمة للأمر والنهي. ويبين أن قول الجهمية بخلق القرآن مذهب يهودي الأصل نقله الجهم بن صفوان عن سلسلة تنتهي بيهود اليمن، ولذلك عني العلماء بتحذير الأمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه من ولاه. وبعد: قال المؤلف الناظم رحمه الله: «وقل غير مخلوق كلام مليكنا، بذلك دان الأتقياء وأفصح». هذا البيت وما بعده من البيتين فيه بيان موجز لمعتقد أهل السنة والجماعة في مسألة أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق، وأن القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وفي البيتين اللذين بعد هذا رد على أصناف من أهل البدع ضلوا وزاغوا في هذه المسألة، وخالفوا الكتاب والسنة. فبعد أن أجمل المؤلف وهو الحث على التمسك بالكتاب والسنة وعدم مخالفتهما، فصل في بعض المعتقدات التي خالف فيها أناس الكتاب والسنة. فاحذر أن تكون من هؤلاء، فوضح هذه المسائل وبينها. فقال: «وقل»، والخطاب هنا لصاحب السنة، لمن تمسك بالكتاب والسنة: قل معتقداً مؤمناً بهذا، أي بأن القرآن كلام الله، أن القرآن كلام الله. فاعتقد ذلك وآمن بذلك، ولا تكن متردداً ولا متشككاً في ذلك، فهو من صميم المعتقد أن الله يتكلم كيف شاء وبما شاء سبحانه وتعالى. وقولنا: «معناها قل اعتقد وآمن»، لأن القول إذا أطلق يشمل قول القلب وقول اللسان. إذا أطلق القول لا يختص فقط بقول اللسان، فقد يدخل فيه قول القلب. وما هو قول القلب؟ الاعتقاد. قول القلب الاعتقاد. وهذا له نظير في القرآن، قال الله عز وجل: ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾، ﴿قُولُوا آمَنَّا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَيْكُمْ﴾. فما معنى ﴿قُولُوا آمَنَّا﴾؟ هل معناه قولوا بألسنتكم فقط؟ لا، قولوا بألسنتكم واعتقدوا في قلوبكم. وهذا أيضاً له نظير في السنة، حديث سفيان بن عبد الله في صحيح مسلم، لما قال: يا رسول الله، قل لي في الإسلام قولاً لا أسأل عنه أحداً بعدك. فماذا قال له؟ «قل آمنت بالله». لا تظن أن معنى قوله: «قل آمنت بالله» يعني قل بلسانك فقط. لا، القول هنا يشمل قول اللسان وكذلك قول القلب. يعني: قل بلسانك واعتقد بقلبك، ثم استمر وواصل هذا العمل الذي يثبت الإيمان إلى أن تلقى ربك. وهذا معنى الاستقامة: الاستمرار على طاعة الله وعلى امتثال أمر الله. فإذا قوله: «قل غير مخلوق» يعني: قل بلسانك واعتقد ذلك بقلبك من غير تردد ولا تشكيك. وهكذا أمور الاعتقاد، ما سميت عقيدة إلا لأنه لا يدخل فيها الشك ولا التردد، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا﴾، يعني: لم يشكوا. فالعقيدة ما أخوذ من الإحكام والشد. ولذلك يقال لظافرة المرأة إذا ربطت بإحكام: عقدة. صح يقال: هذه عقدة، لأنها مشدودة ومحكمة. فإذا معنى قوله: «قل غير مخلوق» يعني: اعقد ذلك اعتقاداً جازماً لا شك فيه. وقوله: «كلام مليكنا»، معنى «مليكنا» أي بمعنى الملك، والمراد به الله سبحانه وتعالى. يعني: قل غير مخلوق كلام الله. قل غير مخلوق كلام الله، بل هو صفة من صفاته سبحانه وتعالى، كما سيأتي بيانه بدليله. وهذه العقيدة، عقيدة أن القرآن كلام الله، وأن الله من صفاته الكلام، بذلك دان الأتقياء وأفصح. «دان الأتقياء» أي: آمنوا واعتقدوا ذلك، وكان ديناً لهم، كان ديناً لهم يتقربون به إلى الله. «دان الأتقياء» أي: آمنوا واعتقدوا ذلك، واعتقدوا ذلك. فهذه عقيدة المتقين، فمن خالف هذه العقيدة فليس من المتقين. فهذا فيه لفتة من المؤلف ومن الناظم رحمه الله: أن من خالف المعتقد فقد فارق التقوى، فقد فارق التقوى. لأن الأتقياء هم الذين يعتقدون الاعتقادات الصحيحة، وكذلك يمتثلون الأمر ويجتنبون النهي. أولئك هم المتقون. فدان الأتقياء بأن القرآن كلام الله، فهذا معتقدهم لا يحيدون عنه. والنقول عن السلف الصالح في هذه المسألة كثيرة، فالإمام اللالكائي رحمه الله في كتابه «شرح اعتقاد أهل السنة والجماعة» نقل عن عام خمسمائة عالم من علماء السلف فيه أن القرآن كلام الله، بل ونقل بعض هذه النقولات عنهم بالأسانيد الصحيحة إليهم. وقد عبر عن ذلك الإمام ابن القيم عليه رحمة الله كما في نونيته، فقال: «ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر، كم خمسون في عشر؟ خمسمائة تمام خمسمائة». قال ابن القيم: «ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان». واللالكائي، اللالكائي الإمام حكاه عنهم. بل قد حكاه قبله الطبراني، بل قد حكاه قبله الطبراني. فهذا الذي دان به الأتقياء: خمسمائة عالم متقن لله عز وجل دان بهذه العقيدة لله عز وجل، وهو أن القرآن كلام الله، وأن من صفات الله عز وجل صفة الكلام تليق بجلاله سبحانه وتعالى. وأما قوله: «وأفصحوا»، يعني: إضافة إلى اعتقادهم هذه العقيدة بقلوبهم، إلا أنهم كذلك أفصحوا به، بمعنى: صرحوا به وأذاعوه وأبانوه، وقرروه في المجالس، ووضحوه في الكتب، وانتصروا له، وابتلوا من أجله، كالإمام أحمد رحمه الله وغيره. بل منهم من قتل من أجل الانتصار لهذه العقيدة، عقيدة القول بأن القرآن كلام الله، كما هو مقرر في كتب العقيدة. فهذا معنى قوله: «وأفصحوا»، يعني: صرحوا به وأبانوه، وأبانوه، وأبانوه. وقد نقل ابن تيمية عليه رحمة الله عن أبي حامد الإسفرايني رحمه الله أنه كان كل جمعة، كل جمعة يقف ويقول بصوت مرتفع والناس يسمعون: «القرآن كلام الله غير مخلوق، خلافاً لقول الباقلاني». والباقلاني هو أحد العلماء الأشاعرة في زمنه وفي عصره. فيقف الإسفرايني على بعض المواضع ويقول: هذا القرآن كلام الله غير مخلوق، خلافاً لقول الباقلاني، وذلك حتى لا يظن من يأتي بعدنا أننا على مذهبه. انتهى كلام الإسفرايني رحمه الله. وهذا دليل على تصريحهم بهذه العقيدة، بل وتكرارهم لها، وتكرارهم لها. وهذا الأثر ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية كما في شرح العقيدة الأصفهانية، ذكر هذا الأثر رحمه الله تعالى. فإذا نأخذ من هذا البيت: أن عقيدة أهل السنة والجماعة من الصحابة والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يومنا هذا، ثم إلى يوم الدين، أنهم لا يشكون بأن القرآن كلام الله حقيقة، تكلم الله به سبحانه وتعالى، كلاماً يليق بجلاله وعظمته سبحانه وتعالى، وأوحى هذا الكلام إلى جبريل عليه السلام، وهكذا سمعه جبريل من الله، فنزل به إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبلغه نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم هذه الأمة. هذه الأمة، هذا هو سند القرآن، وهذا هو توثيق لسند القرآن. هذه الأمة تلقته من نبيها محمد صلى الله عليه وسلم، ونبينا، ونبينا محمد تلقاه وسمعه من جبريل عليه السلام، وجبريل سمعه من رب العالمين سبحانه وتعالى. وعلى هذا أدلة كثيرة من القرآن والسنة. قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ * نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ﴾. من نزل به؟ من الله. ومن هو الروح الأمين؟ جبريل. ﴿عَلَى قَلْبِكَ﴾، من هو المراد هنا؟ الضمير يعود إلى من؟ إلى نبينا محمد، ﴿لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ * بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾. أي أن لغة هذا القرآن هي لغة العرب، ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُّبِينٍ﴾، أي: واضح. فهذا فيه توثيق لسند القرآن. وقال الله عز وجل في آية أخرى: ﴿وَإِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يعني: جبريل، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾، أي: عند الله، ﴿مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. وصفه بالقوة، عند ذي العرش مكين، وفسر «مكين» يعني: ذو مكان وقرب من الله سبحانه وتعالى. نعم، ﴿ذِي قُوَّةٍ عِندَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ * مُطَاعٍ ثَمَّ أَمِينٍ﴾. وصفه كذلك بالأمانة، وصفه بالأمانة، بالقوة، وبالمكانة الرفيعة العالية عند الله سبحانه وتعالى. فهذا هو كلام الله عز وجل، يضاف الكلام إلى قائله حقيقة، وهو الله سبحانه وتعالى، فيقال: هذا القرآن كلام الله، هذا القرآن كلام الله، لأنه هو الذي تكلم به ابتداء. وأما ما جاء في إضافة هذا الكتاب إلى جبريل الرسول الملكي، أو إلى محمد الرسول البشري، فهذه الإضافة إضافة تبليغ وأداء، ليست إضافة ابتداء. قول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾، يراد به جبريل، فالمراد به هنا التبليغ والأداء، أي أن جبريل هو الذي بلغ هذا الكلام، كلام الله، إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما جاء في أن هذا الكلام أضيف إلى النبي عليه الصلاة والسلام، في قوله: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ * وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ﴾، هنا أضيف الكلام إلى من؟ إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فهذه الإضافة إضافة ماذا؟ إضافة تبليغ وأداء. فالكلام لا يضاف إلى ثلاثة، الكلام لا يضاف لأن المتكلم به حقيقة هو واحد، وهو الله سبحانه وتعالى. وأما ما جاء من إضافة لهذا الكلام إلى غير الله، فتكون هذه إضافة تبليغ وأداء. مثل ما تقول الآن: أنت الآن جئت، قلت مثلاً: قال شيخ الإسلام... هل أنت قلت هذا القول الذي ستأتي به؟ قاله شيخ الإسلام. إنما أنت ماذا؟ مبلغ عن شيخ الإسلام. إنما أنت مبلغ عن شيخ الإسلام. فيقال: هذا كلام شيخ الإسلام، أو هذا كلامك؟ يقال: هذا كلام شيخ الإسلام، لأنه هو الذي تكلم به ابتداء. واضح، هو الذي تكلم به ابتداء، فيضاف الكلام إلى غير قائله إضافة تبليغ وأداء، وينسب هذا الكلام حقيقة إلى من ابتدأ به، إلى من ابتدأ به. والقرآن الكريم كلام الله، جاءت الأدلة الكثيرة من الكتاب وكذلك من السنة على ذلك. فأدلة أن هذا القرآن كلام الله: قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. آية واضحة صريحة: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. يعني: إذا جاءك مشرك وطلب الأمان، لا ترفض هذا، أعطه الأمان، فهو سيعيش بين المسلمين، صح؟ وسيسمع القرآن الذي هو كلام الله، فلعل هذا السماع يفيده. وهذا قد وقع، كما جاء عن جبير بن مطعم لما سمع النبي صلى الله عليه وسلم يصلي ويقرأ بآية في سورة الطور، حتى بلغ قول الله عز وجل: ﴿أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخَالِقُونَ﴾، وقع ذلك في قلبه، فكان سبباً لإسلامه. فهذا معنى قول الله عز وجل: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، فالقرآن كلام الله بنص هذه الآية. وهكذا الآية الأخرى: ﴿يُرِيدُونَ أَن يُبَدِّلُوا كَلَامَ اللَّهِ﴾، يريدون أن يبدلوا كلام الله. وهكذا ما جاء من آيات أن القرآن منزل، فالتنزيل يكون من أعلى إلى أسفل، فهو من الله سبحانه وتعالى. قول الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ﴾، قول الله عز وجل: ﴿تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ﴾، قول الله سبحانه وتعالى: ﴿مُنَزَّلاً مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، أي: هذا الكتاب منزل من من؟ من ربك، أي: من الله. فإذا هو كلام الله. وأما من السنة، فكذلك جاءت أدلة، من حديث خولة، قول النبي عليه الصلاة والسلام في من نزل منزلاً: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق». فما هي كلمات الله؟ أي: كلام الله. وهل يستعاذ بمخلوق؟ لو قلنا أن كلام الله مخلوق، هل يجوز أن يستعاذ بمخلوق؟ فنقول: أعوذ بكلمات الله، لا يجوز هذا. فدل ذلك على أن كلام الله، على أن القرآن كلام الله وليس بمخلوق. وكلام الله هذه الصفة تنقسم إلى قسمين: صفة ذات وصفة فعل. صفة ذات وصفة فعل. ما معنى صفة ذات؟ وبعضهم يعبر بتعبير آخر فيقول: كلام الله قديم النوع حادث الآحاد. والتعبيران متقاربان. انتبهوا معي: كلام الله صفة ذات وصفة كذلك فعل. صفة ذات وصفة فعل. ويمكن أن تقول: قديم النوع حادث الآحاد. معنى صفة ذات: يعني لا بداية له كسائر صفاته. فالله عز وجل كما أنه سبحانه وتعالى لا شيء كان قبله، فكذلك كل صفاته فهي أزلية، فهي أزلية، يعني: لا بداية لها. وهذا معنى قولهم: صفة ذات. وهذا معنى قولهم: صفة ذات. وأما صفة فعل: فهو حادث الآحاد. ومعنى حادث الآحاد: أن الله يتكلم متى شاء، ويكلم من شاء بما شاء، يكلم من شاء بما شاء. فالله سبحانه وتعالى لما أنزل القرآن تكلم به وقت نزوله، تكلم به وقت نزوله. والله عز وجل كلم آدم كما في القرآن، والله سبحانه وتعالى كلم موسى، وكلم إبراهيم، وهكذا الكتب التي أنزلها والصحف، تكلم بها في وقت نزولها: كالتوراة والإنجيل والزبور وصحف إبراهيم وصحف موسى. فهذا معنى قولهم: حادث الآحاد، أي أنه صفة فعل، متى ما شاء سبحانه وتعالى تكلم بما شاء، وكلم من شاء سبحانه وتعالى، كلاماً يليق بجلاله. فهي كغيرها من صفات الأفعال، كغيرها من صفات الأفعال من هذا الباب، يعني: في كونها في كون الكلام حادث الآحاد. ومن جهة أخرى فهي صفة ذات لأنه لا بداية لها كسائر صفاته سبحانه وتعالى. بقي هنا مسألة مهمة، نأخذها على وجه الاقتصار، لأن هذه المنظومة مختصرة، ولا نريد أن نطيل ونشتت الأذهان. المسألة: هذه الفرق الضالة التي انحرفت في هذا الباب، باب الأسماء والصفات، ومنه القرآن وصفة الكلام. فنأخذ الفرق التي ضلت في هذا الباب، فقالت: أن القرآن مخلوق. فمن هذه الفرق: الجهمية، فإنهم نفوا عن الله كل صفة من صفات الذات والأفعال، من صفات الذات والأفعال، بل نفوا الأسماء، فلم يثبتوا لله عز وجل أسماء ولا صفات، ومن ذلك صفة الكلام، ومن ذلك صفة الكلام. ومن هؤلاء: المعتزلة، وهم يختلفون مع الجهمية في كونهم أثبتوا لله أسماء من غير صفات، فقالوا: الله سميع بلا سمع، بصير بلا بصر، عليم بلا علم. فعال الله عما يقولون علواً كبيراً، علواً كبيراً. فقالوا: أن كلام الله مخلوق، غيره من المخلوقات. قالوا: إن كلام الله مخلوق، غيره من المخلوقات. ومن غير حياء ولا خجل يستدلون على قولهم هذا بأدلة، والأمر كما قال الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَرِحُوا بِمَا عِندَهُم مِّنَ الْعِلْمِ﴾. ما من فرقة ضالة إلا وتجد عندها شبه، وإن كانت مضحكة، الشبه تكون مضحكة، تكون واهية ضعيفة، ولكنهم فرحون بهذه الشبه، فرحون بها، ويظنون أنهم على شيء، وهم ليسوا على شيء. ومن أولئك: هؤلاء الجهمية والمعتزلة، استدلوا على قولهم هذا بأن القرآن مخلوق، بقول الله سبحانه وتعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾. فقالوا: «كل» تفيد العموم، «كل» تفيد العموم، فيدخل في هذا القرآن، لأن القرآن شيء، فهو إذن ماذا؟ مخلوق، فهو مخلوق. ذكروا هذه الشبهة، ورد عليهم العلماء بأن لفظة «كل» هذه ليس على إطلاقها تفيد العموم، ليس على إطلاقها تفيد العموم، لأن عمومها بحسب ما تضاف إليه، فهو عموم نسبي، ليس عموم مطلق. ومما يدل على ذلك: قول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم في وصف الريح التي أرسلها على قوم عاد: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾، تدمر كل شيء. طيب، هل هذه الريح دمرت كل شيء؟ ما أبقت شيئاً؟ ذكرت الآية هناك أموراً لم تدمرها هذه الريح، فقال: ﴿فَأَصْبَحَ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. فالمراد: أن هذه الريح دمرت كل شيء أمرت بتدميره، وليس المراد «كل شيء» يعني كل شيء على عمومه، وإنما بحسب ما أريد من هذا العموم، وبحسب ما يضاف إليه هذا العموم. ومن ذلك: قول الله عز وجل: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، يعني: كل ما هو مخلوق، فالله هو خالقه. أما الشيء الذي ليس بمخلوق، فلا يشمل هذا العموم، فلا يشمل هذا العموم. فهمنا هذا الآن؟ فإذا «كل» ليس على إطلاقها تفيد العموم، وإنما عمومها على حسب ما تضاف إليه، على حسب ما تضاف إليه. فمعنى: الله خالق كل شيء، أي: كل شيء صالح لأن يكون مخلوقاً. أما الشيء الذي لا يصلح أن يكون مخلوقاً ككلام الله، فهذا لا يدخل في هذا العموم. كالأية التي في سورة الأحقاف: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحَ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. وهكذا من الفرق التي ضلت في هذا الباب، باب كلام الله عز وجل، وباب القرآن: الأشاعرة والماتريدية والكلابية. فهذه الفرق أيضاً نفت هذه الصفة عن الله، ولكن لم تصرح كتصريح الجهمية والمعتزلة، ولكن نهاية أقوالهم تعود إلى قول الجهمية والمعتزلة. فهؤلاء يقولون: إن الكلام، أي كلام الله، معنى قائم بذات الله، يريدون بذلك نفي الصوت والحرف واللفظ. فالأشاعرة ماذا يقولون؟ يقولون: إن الله أوحاه إلى جبريل، وهو عبر عنه بلغته، لأن هذا الكلام شيء قائم بذات الله، لم يتكلم به حقيقة، إنما قائم بذات الله، فأخذ ذلك جبريل من الله، فعبر هو جبريل بلسانه عما في نفس الله. هذا في النهاية يرجع إلى ماذا؟ أن كلام الله ليس صفة حقيقية له تليق بجلاله، وإنما هو مخلوق، وإنما هو مخلوق، لأنه عبارة عما في نفس الله، عبارة، لأن جبريل عبر به. هذا قول الأشاعرة. وهكذا الكلابية: قالوا: حكاية ومعنى. حكاية: أن جبريل نزل به إلى نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ثم إن نبينا عليه صلى الله وسلم حكاه لقومه. وهو قريب من كلام الأشاعرة، وإنما الأشاعرة يقولون: جبريل عبر به، والكلابية يقولون: محمد حكاه. وفي النهاية يعود قولهم إلى أن القرآن ليس بكلام الله، وأن الله لا يتكلم. فنفوا عن الله هذه الصفة، ولكن بهذه الفلسفة، بهذه الفلسفة. وهكذا من أقوال الأشاعرة، لأن الأشاعرة، لأن أقوالهم تنبثق من عند غير الله، من تلقاء أنفسهم، اختلفوا في نفيهم لهذه الصفة. منهم من قال: عبارة عما في ذات الله. ومنهم من قال: كذلك هذا من أقوال الأشاعرة، إن القرآن مكتوب في اللوح المحفوظ، فأخذه جبريل من اللوح المحفوظ. معنى: أن الله خلقه في اللوح المحفوظ، ثم جبريل أتى وأخذه من اللوح المحفوظ. وهذا لشك أنه كلام باطل، أن جبريل أخذه من اللوح. معنى: نعم، الله عز وجل تكلم بالقرآن، ثم إن هذا القرآن في اللوح المحفوظ، نعم، هذا القرآن في اللوح المحفوظ، وله أدلة من القرآن. قال الله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَّجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَّحْفُوظٍ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ﴾. لكن الله عز وجل تكلم به حقيقة، ولا ينافي ذلك أن يكون بعد ذلك كان في اللوح المحفوظ. فما هو الدليل على أن جبريل أخذه من اللوح المحفوظ؟ بل الدليل خلاف ذلك، وقد تقدم معنا قول الله عز وجل: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ﴾. وقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم كما في الآية: ﴿مُنَزَّلاً مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ﴾، فهو من الله سبحانه وتعالى. وقول الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. وكل هذه الأدلة ترد هذا القول الباطل الذي مآله ونهايته إلى قول الجهمية والمعتزلة، من أن القرآن مخلوق، وليس بكلام الله، وليس بكلام الله. ثم يأتي متبجح في هذا الزمان، ويقول: إن الأشاعرة والماتريدية هم أهل السنة. كيف هم أهل السنة، وهم خالفوا الكتاب والسنة في أصول عظيمة، ومنها هذه المسألة، مسألة كلام الله؟ فخالفوا صريح القرآن والسنة من أن القرآن كلام الله منزل من الله سبحانه وتعالى، وليس بمخلوق. قد يقول قائل: ولماذا هذه التقريرات، ولماذا هذه المؤلفات، وهذا كذلك التحقيق في هذه المسألة؟ ما هي الخطورة في قول هؤلاء؟ انتبهوا، تهون من شأن هذه المسألة، فإن أمرها خطير، فإن أمرها خطير. لماذا قال العلماء: إن القول بخلق القرآن، والقول بنفي الكلام عن الله سبحانه وتعالى، معناه أن الله لا يتكلم، والذي لا يتكلم لا يكون إلهاً. الذي لا يتكلم لا يكون إلهاً. وهذا موجود في القرآن: ماذا قال إبراهيم عليه السلام لأبيه؟ قال: ﴿يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يُغْنِي عَنكَ شَيْئًا﴾. فالذي لا يسمع ولا يبصر هو في الحقيقة ماذا؟ جماد، هو جماد. فكيف يعبد من دون الله؟ لا يستحق العبادة. فتعالى الله عن ذلك. وهكذا في الآية الأخرى: قال الله عز وجل: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا﴾. فهذا نقص في حق هذا العجل، أنه لا يتكلم. فإذا الإله الكامل، الإله الحق، هو الذي يقتصف بهذه الصفات التي هي صفات الكمال. فإذا نفيت هذه الصفات عن الله، معناه أن الله عز وجل ناقص، وأن الله ليس بالإله الحق. فكيف تعبد من لا يتكلم، ومن لا يسمع، ومن لا يبصر؟ إذن هو ماذا؟ تعالى الله عن قولهم علواً كبيراً. تبين لكم الآن خطورة هذه الأقوال الفاسدة التي أنكرها العلماء، وضحوا من أجلها، وربما بعضهم قتل من أجلها. وتعلمون المحنة التي واجهها أهل السنة في عهد الإمام أحمد، وكيف أن الله عز وجل ثبت الإمام أحمد، وأوذي أذى شديداً، وضرب، وابتلي بلاء عظيماً، ولم يخرج كلمة واحدة توافق أهواء هؤلاء الذين أرادوا منه أن يعتقد هذه العقيدة الفاسدة. فإذن هذا القول قول خطير، قول خطير. وكما قال في الآية الأخرى: ﴿فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ * أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾. ما معنى ﴿أَلَّا يَرْجِعَ إِلَيْهِمْ قَوْلًا﴾؟ يعني: لا يكلمهم، لا يرجع إليهم قولاً، يعني: لا يكلمهم. فكيف يعبدون من لا يكلمهم؟ فهذا جماد في الحقيقة، ليس بإله. فإذن إذا نفى هؤلاء هذه الصفات عن الله عز وجل، فماذا بقي لله سبحانه وتعالى من صفات الكمال؟ وخلاصة هذا: أن الذي لا يتكلم لا يصلح للربوبية ولا للألوهية. فكيف يأمر، وكيف ينهى، وكيف يدبر، وكيف، وكيف كذلك يعني: يلقي ما يريد لخلقه ولرسله؟ فلا شك أن هذا تعجيز لله. والله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ﴾. هذا دليل على أن الله يتكلم سبحانه وتعالى. وقال الله عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّمَا فِي الْأَرْضِ مِن شَجَرَةٍ أَقْلَامٌ وَالْبَحْرُ يَمُدُّهُ مِن بَعْدِهِ سَبْعَةُ أَبْحُرٍ مَّا نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللَّهِ﴾. فكلمات الله التي يأمر بها وينهى ويدبر دائماً وأبداً لا تحصى، ولا تكتبها البحار، ولا أقلام الدنيا، ولا أقلام الدنيا. بل ذكر العلماء أن نفي الكلام عن الله عز وجل، والقول بأن القرآن مخلوق، هذه دسيسة يهودية، هذه دسيسة يهودية. قالوا: لأن أصل مذهب الجهمية مأخوذ من اليهود، مأخوذ من اليهود، كما ذكر ذلك شيخ الإسلام في رسالته الحموية، في رسالته الحموية. وقد ذكر بعض أهل العلم أن أهل التعطيل، وعلى رأسهم من نسبت إليه هذه الفرقة، وهو الجهم بن صفوان، أخذ هذا المذهب من الجعد بن درهم، أخذ هذا المذهب من الجعد بن درهم، والجعد بن درهم أخذ هذا عن أبان بن سمعان، وأبان بن سمعان أخذ هذا عن طالوت بن أخت لبيد بن الأعصم اليهودي، وهذا ابن أخت لبيد اليهودي أخذه عن يهود اليمن. فإذا السلسلة هذه تنتهي لمن؟ إلى اليهود. فماذا بالتعطيل، ومنه القول بخلق القرآن، ونفي صفة الكلام عن الله، هذا في الحقيقة مذهب اليهود، أخذه الجهمية منهم، كما في هذا السند. فهي دسيسة يهودية، لا ينبغي لأهل الإسلام أن يهونوا من شأن التحذير والبيان والكلام في هذه المسألة. ولذلك ذكرها العلماء في كتب الاعتقاد، في كتب الاعتقاد، بل ابتدأ بها على وجه التفصيل ابن أبي داود في هذه المنظومة، لأنها مقولة خطيرة، ودسيسة دخلت على أهل الإسلام من اليهود. تبينوا هذه المسألة حق تبيين، وصرحوا بذلك، وسيأتي من كلام الناظم رحمه الله كذلك فرق أخرى قالت بأقوال مآلها في النهاية إلى قول الجهمية، وهو نفي الكلام عن الله سبحانه وتعالى. الآن نكتفي بهذا، ونكمل ما بقي إن شاء الله في درس قادم. إلى هنا، والله تعالى.