شرح فتح المجيد 72

الدرس في شرح فتح المجيد 72، ألقاها

مفهوم الاستعادة وحكمها في الإسلام

الاستعادة تعني اللجوء إلى الله وحده، وهي عبادة تتضمن التضرع والخضوع لله. صرفها لغير الله يعتبر من الشرك.

الاستعاذة وكونها عبادة لله وحده

الاستعاذة هي الالتجاء إلى الله والاعتصام به، وهي عبادة لأنها دعاء، وصرفها لغير الله شرك. أمر الله بالاستعاذة في القرآن.

أحكام الاستعاذة بكلمات الله التامات

الاستعاذة بكلمات الله التامات من الشرك، وهي مندوبة لأنها تتضمن التوحيد واللجوء إلى الله. يبين المقطع معاني هذه الاستعاذة ودلالتها.

أهمية التعوذ من العين والحسد والأضرار

يبرز المقطع أهمية التعوذ والالتزام بالأذكار لتحصين النفس من الأضرار مثل العين والحسد، ويروي تجربة شخصية تؤكد ذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله، وصلاة الله وسلامه على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا، ثم أما بعد. قبل الدخول في الباب الجديد، نقرأ أسئلة الباب الماضي، وهي قليلة. باب من الشرك النذر لغير الله. السؤال الأول: لماذا ذكر الشيخ رحمه الله هذا الباب في كتاب التوحيد؟ الثاني: ما علاقة الباب أو ما مناسبة الباب للباب الذي قبله؟ ما مناسبة الباب للباب الذي قبله؟ الثالث: ما علاقة أو قل ما مناسبة الأدلة للباب المذكور؟ ما مناسبة الأدلة المذكورة في الباب للباب الذي يليه؟ ما حكم النذر لغير الله؟ وهل يجوز الوفاء به؟ ما حكم النذر المعصية؟ وهل يجوز الوفاء به؟ ذكر أو فيما مر معنا أن النذر باطل بإجماع لوجوه النذر لغير الله. النذر لغير الله باطل بالإجماع لوجوه تذكر هذه الوجوه. قول الشيخ الإسلام النتيمية رحمه الله: «وأما ما نذر لغير الله كالنذر الأصنام... إلى آخره». فهو بمنزلة أن يحلف بغير الله من المخلوقات. فما هو وجه المشابهة بين النذر لغير الله والحلف بغير الله؟ وبماذا يفترقان؟ ما وجه المشابهة بين النذر لغير الله والحلف لغير الله؟ وبماذا يفترقان؟ ما معنى نذر اللجاج والغضب؟ وما حكم الوفاء به؟ قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه». ماذا يستفاد من الفقرة الأولى؟ وماذا يستفاد من الفقرة الثانية؟ قال المؤلف رحمه الله تعالى: باب من الشرك الاستعادة بغير الله. الاستعادة: الالتجاء والاعتصام. ولهذا يسمى المستعاد به معادًا وملجأ. قوله رحمه الله تعالى: «باب» فقد دل معنا مرارًا أن الباب يطلق ويراد به المدخل، وقد يكون حسيًا، وقد يكون معنويًا. وها هنا المراد به الباب المعنوي، والمراد به مدخل للكلام على أحكام أو على حكم الاستعادة بغير الله، وأنها من الشرك. قوله رحمه الله تعالى: «من الشرك» من ها هنا تبعيضية. أي من جملة الشرك بالله جل وعلا، ومن الأمور والعبادات التي يكون صرفها لغير الله جل وعلا شركًا. الاستعادة: وأما الشرك فقد قدم معنى مرارًا. ما معنى الشرك والاستعادة؟ كما ذكر العلامة من القيم رحمه الله تعالى أن لفظة «عاذ» لفظة أي الألف والعين والذال، وما تصرف منها يدل على التحرز والتحصن والنجاة. قال: وحقيقة معناها الهروب من شيء تخافه إلى من يعصمك منه. ولهذا يسمى المستعاد به معاذًا كما يسمى ملجأ ووزرًا. قوله رحمه الله تعالى: «الاستعادة من الشرك» الاستعادة بغير الله. تقدم أن الاستعادة يدور معناها لغة على التحرز والتحصن والاحتصام إلى غير ذلك من المعاني المذكورة. وهذه المعاني كما ترون معاني ظاهرة لمعنى الاستعادة. وحقيقة الاستعادة الشرعية ما تضمنت هذا المعنى الظاهر مع المعنى الباطن. والمعنى الباطن هو ما يحصل في قلب العبد من الارتجاء والاعتصام والتعظيم والإجلال والخضوع والتذلل للمستعاد به. لأجل هذا كانت الاستعادة عبادة من العبادات. لما تضمنت لهذه المعاني العظيمة والجليلة. فهو انطراح وتضرع وخضوع وتعظيم وإجلال لله جل وعلا. لأجل هذا المعنى كانت عبادة. لأن مدار العبادة يدور على ماذا؟ على غاية الحب وغاية الذل. فإذا الاستعادة بالله جل وعلا على هذا المعنى تكون ماذا؟ عبادة لله جل وعلا. فالعبد إذا قال: «أعوذ بالله» معناه أنه يلتجئ إلى الله ويعتصم بالله ويتحرز بالله جل وعلا، ويفوض أمره إلى الله، ويجأ إلى الله جل وعلا، ويعلق قلبه بالله جل وعلا تعظيمًا ومحبة وتوكلًا على الله. وأمر آخر أن الاستعادة: الألف والتاء إذا دخلت على الكلمة تكون بمعنى الطلب. واضح هذا؟ الاستعادة والاستعانة والاستغاثة وما شابه ذلك يقول العلماء: الأصل في السين والتاء إذا دخلت على الكلمة فإنها تكون بمعنى الطلب. وقولهم: «الأصل» يدل على أنها ربما خرجت لمعنى آخر. فإذا كان كذلك فالطلب من الدعاء. والدعاء عبادة. قال ربنا جل وعلا: «وقال ربكم ادعوني أستجب لكم، إن الذين يستكبرون عن عبادتي فسيدخلون جهنم داخرين». فسمى الله جل وعلا الدعاء عبادة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول كما في حديث النعمان بن بشير: «الدعاء هو العبادة». إذن الاستعاذة داخلة في ماذا؟ في معنى الدعاء. والدعاء عبادة. إذن هذا معنى آخر من معاني كون الاستعاذة عبادة من العبادات. إذا تقرر هذا علمنا هاهنا ما معنى قول الشيخ رحمه الله تعالى: «من الشرك الاستعاذة بغير الله». وهكذا كما ترون أن الشيخ رحمه الله تعالى أطلق ولم يخصص. فإذا قال قائل: هل كل استعاذة بغير الله جل وعلا شرك؟ فالجواب أن يقال: إن أردت بالاستعاذة الاستعاذة على المعنى المذكور من أنه التجاء واعتصام وفيه كذلك معنى التفويض والخضوع وتعلق القلب بالمستعاذ به، فالجواب أنه كله لله جل وعلا، وصرفه إلى غير الله جل وعلا أنه من الشرك. قال رحمه الله تعالى: فالعائد بالله قد هرب مما يؤذيه أو يهلكه إلى ربه ومالكه واعتصم به واستجار والتجأ إليه. وهذا تمثيل. وإلا فما يقوم بالقلب من الالتجاء إلى الله والاعتصام به والاطراح بين يدي الرب والافتقار إليه والتذلل له أمر لا تحيط به العبارة. قال ابن كثير: «الاستعادة هي الالتجاء إلى الله والالتساق بجنابه من شر كل ذي شر». والعياذ يكون لدفع الشر، واللياذ لطلب الخير. قال رحمه الله تعالى: قلت: وهي من العبادات التي أمر الله تعالى عباده بها. كما قال تعالى: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله، إنه هو السميع العليم». وأمثال ذلك في القرآن كثير. كقوله: «قل أعوذ برب الفلق» و«قل أعوذ برب الناس». فما كان عبادة لله فصرفه لغير الله شرك. قد يقول قائل: قوله: «وهي من العبادات التي أمر الله تعالى عباده بها» ثم استدل رحمه الله بقوله: «وإما ينزغنك من الشيطان نزغ فاستعذ بالله». وفي الآية الأخرى: «قل أعوذ برب الفلق». قد يقول قائل: من أين لكم بأنها عبادة؟ ما سماها الله جل وعلا عبادة. فكيف تقولون بأنها عبادة؟ الجواب: أن الأعمال تعرف بأنها عبادات بجهتين. الجهة الأولى: بالتنصيص على أنها عبادة. وهذا قليل. كحديث: «الدعاء هو العبادة». نص في أن الدعاء عبادة. وطريق آخر: يعرف به أنها عبادة. وهذا له طرق. من هذه الطرق: أن يأمر الله جل وعلا بذلك الشيء. فما أمر الله جل وعلا به إما أمر حتم أو أمر استحباب فإنه من العبادات. قال الله جل وعلا: «وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان». فما أحبه الله جل وعلا فهو عبادة. وما أبغضه الله جل وعلا فليس بعبادة. قال المصنف رحمه الله تعالى: «وقول الله تعالى: {وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقا}». قال ابن كثير: أي كما نرى أن لنا فضلًا على الإنس لأنهم كانوا يعوذون بنا. أي إذا نزلوا واديا أو مكانا مخوفا كما كانت عادة العرب في جاهليتها يعوذون بعظيم ذلك المكان من الجن أن يصيبهم شيء بسوء. قال مجاهد: كانوا إذا هبطوا واديا يقولون: «نعوذ بعظيم هذا الوادي». فكان هذا من الشرك بالله جل وعلا. إذ أنهم استعاذوا بغير الله جل وعلا. وهذا هو مناسبة هذه الآية لهذا الباب. قال ابن كثير: لما رأت الجن أن الإنس يعوذون بهم من خوفهم منهم زادوهم رهقا. أي خوفا وإرهابا وذعرا حتى يبقوا أشد منهم مخافة وأكثر تعوذا بهم. قال رحمه الله تعالى: وقد أجمع العلماء على أنه لا يجوز الاستعاذة بغير الله. قد يقول قائل: كيف يصح هذا الإجماع وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فمن وجد ملجأ أو معاذا فليعذ به»؟ الجواب: أن هذه الاستعاذة استعاذة ظاهرة. الذي بمعنى الالتجاء والتحرز بالغير لأجل دفع الضرر. مع تعلق القلب بالله جل وعلا. ومع كون هذا الغير قادرا على الدفع. قال المصنف رحمه الله تعالى: «وعن خولة بنت حكيم قالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «من نزل منزلا فقال: أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق، لم يضره شيء حتى يرحل من منزله ذلك» رواه مسلم. قال الشارح رحمه الله تعالى: هي خولة بنت حكيم ابن أمية السلمية. يقال لها أم شريك. ويقال إنها هي الواهبة. وكانت قبل تحت عثمان بن مضعون. قال ابن عبد البر: وكانت صالحة فاضلة. قوله: «أعوذ بكلمات الله التامات من شر ما خلق» شرع الله لاهل الإسلام أن يستعذوا به بدلاً عما يفعله أهل الجاهلية من الاستعاذة بالجن. فشرع الله للمسلمين أن يتعوذوا باسمائه وصفاته. قوله: «أعوذ بكلمات الله التامات» قيل: معناه الكاملات التي لا يلحقها نقص ولا عيب كما يلحق كلام البشر. وقيل: معناه الشافية الكافية. وقيل: الكلمات هنا هي القرآن. فإن الله أخبر عنه بأنه هدى وشفاء. قال رحمه الله تعالى: ولما كان ذلك استعاذة بصفات الله تعالى كان من باب المندوب إليه المرغب فيه. وعلى هذا حق المستعاذ بالله تعالى أو بأسمائه وصفاته أن يصدق الله في التجائه إليه ويتوكل في ذلك عليه ويحضر ذلك في قلبه. قال شيخ الإسلام: فقد نص الله إمام أحمد وغيره على أنه لا تجوز الاستعاذة بمخلوق. وهذا مما استدلوا به على أن كلام الله غير مخلوق. قالوا: لأنه ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه استعاذ بكلمات الله وأمر بذلك. ولهذا نهى العلماء عن التعازيم والتعاوذ التي لا يعرف معناها خشية أن يكون فيها شرك. قال ابن القيم: ومن ذبح لشيطان ودعاه واستعاذ به وتقرب إليه بما يحب فقد عبده. وإن لم يسم ذلك عبادة ويسميه استخداما. وصدق هو استخدام من الشيطان له. فيصير من خدم الشيطان وعابده. قال رحمه الله تعالى: قوله: «من شر ما خلق» قال ابن القيم: أي من كل شر في أي مخلوق قام به الشر من حيوان أو غيره إنسيا كان أو جنيا أو هامة أو دابة أو ريحا أو صاعقة. أي نوع كان من أنواع البلاء في الدنيا والآخرة. قال القرطبي: هذا خبر صحيح وقول صادق. علمنا صدقه دليلا وتجربة. قوله: دليلا وتجربة. أي دل الدليل عليه. وتجربة: أي ثبت بالتجربة. قال رحمه الله تعالى: فإني منذ سمعت هذا الخبر عملت عليه. فلم يضرني شيء إلى أن تركته. فلدغتني عقرب بالمهدية ليلا. فتبين لي أني قد نسيت أن أتعوذ بتلك الكلمات. والله أعلى وأعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على