الدرس في شرح مسائل الجاهلية 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
خالف رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين بإخلاص العبادة لله وحده وأمر بإفراد الله بالعبادة. الإخلاص شرط لقبول الأعمال عند الله.
الدعوة إلى التوحيد أساسية في حياة المسلمين ودعوتهم، والإشراك بالله يبطل الأعمال ويجب التحذير منه. التوحيد شرط لقبول أي عمل عند الله.
الفتنة في قوله تعالى «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة» تعني الشرك وليس الاضطراب أو القتال الداخلي. استدلال على ذلك بأقوال المفسرين وأثر ابن عمر.
تحذير من الخروج في الأزمان الصعبة وتأجيج الفتن والقتال للوصول إلى الملك أو تحقيق مصالح شخصية. الدين يجب أن يكون خالصاً لله.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذه المشار إليه من قبل، وهو ما بدأه بافتتاح هذه المسألة الأولى ما يتعلق بإشراك الصالحين في العبادة وفي الدعاء، فقال رحمه الله تعالى: وهذه أعظم مسألة خالفهم فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم. كيف خالفهم؟ قال رحمه الله: فأتى بالإخلاص، الإخلاص إخوان في الله هو المظهر الجلي الذي فيه خالف نبينا صلوات ربي وسلام عليه أهل الإشراك، حينما أشرك مع الله جل وعلا الذوات وأشرك مع الله الصالحين وأشرك مع الله جل وعلا الجمادات. فقال: فأتى بالإخلاص «قل الله أعبد مخلصًا له ديني»، قال جل في علاه: «وما أمر إلا ليعبد الله مخلصين له الدين»، أما رب جل وعلا بإخلاص الدين، وقال علماء: الإخلاص هنا هو توحيد الألوهية، وهو إفراد الله بالعبادة. إذا كان الكفار قد أشركوا في عبادة الله جل وعلا، فإن المسلم يجب عليه أن يوحد الله في عبادته جل في علاه، فيكون عباداته كلها لله سبحانه وتعالى، «وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين». ومن تأمل، أخوانا في الله، في دعوة نبينا عليه الصلاة والسلام، يرى حقيقة هذه المسألة أنه أول ما أتى أتى بالإخلاص، وذلك مخالف لما عليه الكفار، ولمعتاد عليه أنهم يشركون مع الله في كل شيء. فأمر نبينا صلواته ربي والسلام عليه بإخلاص الأعمال لله في كل عمل، في كل شيء، بدءًا بالمعبودات، المعبودات ينبغي أن توحد، وذلك المعبود هو الله جل في علاه «أجعل الآلهة إلها واحدًا»، إن هذا لشيء عجاب، كان هذا محل استغراب، كيف أنهم الذين قد توزعت أفئدتهم واعتقاداتهم على هذه الآلهة هنا وهنالك، مبعثرة شرقًا وغربًا، إذ بنبينا عليه الصلاة والسلام يأمرهم بالإخلاص في هذا الباب، وجعل الآلهة إلها واحدًا، فكان ذلك محل استغراب. أمره نبينا صلواته ربي وسلامه عليه بالقصد والنية، وأن العمل لا يكون إلا لله جل وعلا، فأمر بصرف العبادات والأعمال والطاعات، بل حتى الحركات والسكنات كل شيء في إخلاص الأمر لله سبحانه وتعالى. حتى في الحركات، رأى نبينا صلواته ربي وسلامه عليه رجلًا يصلي، إلا أنه كان يشير بإصبعه، ليس بإصبعه في شيء، شهد ما أشار بإصبع واحد، وإنما أشار بإصبعين، قال له نبينا: «أحد، أحد، أحد»، يجعله واحد، خلاص العمل لله جل وعلا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى، وهو يصور هذه العقيدة الراسخة في قلوب أهل الإيمان: «فلواحد كن واحدًا في واحد»، أعني طريق الحق والإيمان، قال: قوله رحمه الله تعالى «فلواحد إلا عز وجل»، يعني به الرب جل في علاه، «فلواحد كن واحدًا»، كن واحدًا يا عبد الله في كل شيء، في عملك، في قصدك، لا هناك رياء، لا يكون هذا العمل مشاركًا لآلهة، ولا حتى ما هو دون الآلهة، لا تجعل عملك فيه رياء أو فيه سمعة أو حظ من حظوظ الدنيا، بل ينبغي أن يكون للفعل خالصًا لله جل وعلا، خاليًا من كل الشوائب. «فلواحد كن واحدًا» في دعوتك تدعو إلى الله جل وعلا، لله، ليس لحظ النفس، وهكذا حتى في الانتقام، وفي الثأر، وفي القتل والقتال يكون ذلك لله جل وعلا، من أعطى لله، وأخذ لله، وأحب لله، وكره لله، فهذا الذي استوثق له الإيمان. يكون أعمالنا، يا عبد الله، هذا هو الإخلاص الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام، ومن تأمل في سيرته، وفي سنته القولية والفعلية، تجد أن زبدة الرسالة التي جاء بها النبي عليه الصلاة والسلام هي مخالفة تامة لما عليه أهل كفر، وهو أنه أتى بالإخلاص في كل شيء مما يكون في دين الله جل وعلا. فقال رحمه الله تعالى: فأتى بالإخلاص، وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وهذا كما يقول بعضهم: أنه أقوى إجماع، أقوى إجماع، وهذا إجماع إجماع الأنبياء، كل أنبياء والرسل من لدن آدم عليه السلام إلى نبينا عليه الصلاة والسلام، ودعوة مكرسة إلى هذه المسألة العظيمة، إخلاص العمل لله، إفراد العمل لله، إفراد العباد لله. «ولقد بعثنا في كل أمة رسولًا أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت»، اعبدوا الله، إفراد الله جل وعلا في عبادته، وما من نبي بعث إلى قومه إلا أول ما كان يطرق على مسامعهم ويسمعهم هذه الكلمة: «يا قوم اعبدوا الله»، إفراد الله جل وعلا في العبادة، هذا هو الإخلاص. فقال رحمه الله تعالى: وأخبر أنه دين الله الذي أرسل به جميع الرسل، وأنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، ربنا لا يقبل من الأعمال إلا خالصًا، «فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملًا صالحًا ولا يشرك بعبادة ربه أحدًا»، من أراد أن تقبل منه الأعمال، وبهذا قام إجماع الأمة، وإجماع العلماء على شرطية الإخلاص في قبول الأعمال، ينبغي أن يكون هذا العمل خاليًا من أي شوائب. وأعظم الشوائب التي تمحق بركة العلم العمل أنك تجعل مع الله جل وعلا شريكًا في هذا العمل الذي قد عملته، قالوا: إنه لا يقبل من الأعمال إلا الخالص، وأخبر أن من فعل ما استحسنوا فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار، كما قال ربنا جل وعلا: «إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة ومأواه النار»، لا يدخل الجنة نفس مشركة، لا أحد من انغمس بالكفر وانغمس في الشرك وجعل مع الله شريكًا، فهذا لا يدخل الجنة، بل حرمت عليه الجنة ومأواه النار، خالدًا مخلدًا فيها. وهذه مسألة، الإخوان في الله، والمؤلف إنما ذكر طرفًا مما يدل على أهمية مسألة التوحيد، وإذا كانت المسألة بهذه المثابة وبهذه الأهمية، ينبغي أن يظهر ذلك في حياة الناس، يظهر ذلك في حياة الناس. إذا كان هناك شخص ما يعتقد بأمر ما أنه من الأساسيات ومن المهام التي متعلقة به، سواء كان في دين أو في دنيا، فإن هذه المسألة المهمة لا بد أن يظهر أثرها في حياته، يدندن على هذه المسألة، يدعو لهذه المسألة، يجتمع على إظهار هذه المسألة، قد بل قد يقاتل أجل هذه المسألة، لماذا؟ لأنها مهمة، ولا يصح ولا يمكن ولا يعقل لأحد ما أنه يتبنى مسألة ويراها من مهام المسائل عنده، ثم لا يعير لها اهتمامًا، عدم إعارة الاهتمام والبال لها يدل على هوانها في نفسه، وهكذا قل، يا عبد الله، في أمر التوحيد. إذا كان من المسلمات لدى المسلمين على أن مسألة العقيدة والتوحيد من أعظم مسائل الدين، فلابد أن تكون لهذه المسألة ظهور في حياتهم، في أقوالهم، في أعمالهم، في تطبيقاتهم، في دعوتهم. وكذلك يجرنا ذلك إلى من دخل واقتحم باب الدعوة، وأراد من نفسه أن يكون داعيًا يدعو الناس إلى دين الله، فليكن في عين الاعتبار أنه يدعو الناس إلى أهم المهام، إلى هذه المسألة، هذه المسألة التي من مهامها كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: أنها دعوة النبي عليه الصلاة والسلام، وأن ما من نبي بعث من قبله عليه الصلاة والسلام إلا وسار على هذا المنوال، إفراد الله جل وعلا بالعبادة. قال المؤلف رحمه الله تعالى: إن هذا الفعل أن الله جل وعلا من وقع فيه، فإن الله لا يقبل له عملًا، بل إن الله يحبط عملًا، هذا الفعل الذي من ابتلي به، ومن تورط فيه، ألا وهو الإشراك في العمل، وفي العبادة، وفي الدعاء، أن الله جل وعلا يحرم عليه الجنة، حرمًا مطلقًا. إذا كانت المسألة بهذه المثابة، إذا لابد أن تكون لها حظ، يكون لها حظ، يا عبد الله، إن كان من عامة المسلمين، يظهر ذلك في حياته، وإن كان ذلك من الدعاة، يظهر ذلك في دعوته، أن تكون من أصول دعوته، أن أصول الدعوة عنده لا تقوم إلا على العقيدة والتوحيد. لكن أين الناس، إخواني في الله؟ بل أين الذي يتبنى بعض الأفكار من بعض الجماعات، وهو لا يبالي بدعوة التوحيد؟ بل تكلم عن التوحيد الصحيح، وإلا بعضهم إن تكلم بالتوحيد، تكلم بالتوحيد المنحرف الضال، لكن للأسف أن بعض من ينتسب ويدعي أنه ممن سار على منهج النبي عليه الصلاة والسلام، أنه لا يرفع رأسًا بالتوحيد، تمر عليه السنوات تلو السنوات، وهو لا يتكلم في التوحيد، بل بالعكس، بل إن منهم لربما تبلغ به الجرأة أنه يحذر من التوحيد. وإذا رأى من رأى من أهل الدعوة ممن يسير على طريقة السلف وتكلم بالتوحيد، لربما لمزه وغمز وطعن فيه، وقدح فيه، بأن هذا يفرق، بأن هذا يشتت الناس، أن هذا يعيد الناس إلى ما كانوا عليه، أو بعض يتهكم بأهل السنة والجماعة، أنهما إذا تكلموا عن فرق من فرق الباطنية والغلاة والمبتدعة، وهؤلاء قد عفى عنهم الزمن، ونحو ذلك من التهكمات. كيف يكون لهؤلاء أن يلحقوا بأهل السنة، وهم ما عرفوا أصلًا من أصول أهل السنة، الدعوة إلى توحيد الله جل وعلا؟ ومنهم من لربما إذا ارتقى درجة في باب التوحيد وتكلم، وأراد أن يتقمص بقميص أهل السنة، فإن تكلم في التوحيد حصر التوحيد على الربوبية فقط، يقرر هذا، وقد يوجد في بعض الجماعات، وقد ظهر أثر ذلك حتى في منتدياتهم، وفي جامعاتهم، وفي كلياتهم، وفي معاهدهم. تسمع بصرح علمي ضخم، صرح علمي ضخم، يتخرج منه الإنسان بشهادة عليا في العلوم الشرعية، علوم شرعية، يتخرج منها، يأخذ بفنون العلوم في القرآن والقراءات، وما أتبع ذلك في الأصول الفقه، وفي المصطلح، لكن إذا نظرتها، يا عبد الله، في باب العقيدة، وهو الأساس، وهو الأصل، لرأيت ما خرج عن تقرير توحيد الربوبية، بأن الله الخالق، بأن الله الرازق، ثم إدخال الناس في مسائل ثانوية، وتخرج ما ذا أخرج الناس عن توحيد الألوهية؟ فهذا، إخواني في الله، ليس على عقيدة السلف، من كان هذا حاله، ومن الناس من تكلم عن توحيد الألوهية، عن التوحيد بشكل عام، لو ربما اختصر على ذكر فضائله، على ذكر فضائله، على ذكر ما أعده الله لأهله، على كرامته، دون أن يتكلم في مظاهره من مظاهر التوحيد، وكذلك ما كان من يناقضه من الشرك الأصغر والأكبر، لا يعرج على ذاك، لماذا؟ بحجة أنه لا يريد أن يشتت بالناس، أو أن يفرق بين الصفوف. أنا تكلمت في هذا المساء الدقيق من أنواع الشرك، ومن صور الشرك، لربما نفر من نفر، وذهب من ذهب، لا، يا عبد الله، ما هكذا كانت دعوة الأنبياء، ولا كانت دعوة من يسير على دربهم، فمن كان معظما لأمر العقيدة والتوحيد، الذي هذا مآله، الذي نبه المؤلف رحمه الله تعالى على شيء منها، لكان ينبغي أن يظهر ذلك، يا عبد الله، في قولك، في اعتقادك، وكذلك في دعوتك. فقال رحمه الله تعالى: وهذه المسألة، وهذه هي المسألة التي تفرق الناس لأجلها بين مسلم وكافر، هذه المسألة، وهو مسألة الإخلاص، ومسألة الشرك بالله جل وعلا، هي المسألة التي كانت فيصلًا بين المعسكرين، بين معسكر أهل الإسلام، وبين معسكر أهل الكفر. من وحد الله جل وعلا، وأخلص الأمر، وأخلص الدين لله جل وعلا، فهو ينطوي تحت لواء أهل الإسلام، ومن لم يبال بذلك، وترك الإخلاص، ومن ترك الإخلاص سيقع في الشرك، لا بد من ترك الإخلاص سيقع في الشرك، ومن دخل في الشرك فهو في قسم ماذا؟ في قسم الكفار. وهذه مسألة، كذلك، بها نتعرف على أنه لا يوجد عندنا من الأديان إلا دين الإسلام، ودين الكفر، ويدخل تحت دين الكفر جميع الأديان والملل والنحل المادية، اللادينية، الباطنية، ما يتعلق بالباطنة المرتدة، ما يتعلق كذلك بمن دان بغير دين الإسلام، كالمجوسية والوثنية، ويدخل في ذلك اليهود والنصارى. لأن كما قلنا في هذه الأزمان الهذام الفكري، تجد أن من المسلمين لربما من يتقاعس على أن يرمي اليهود والنصارى بالكفر، لربما يتوقف عن ذلك، بل بعضهم يعبر بعبارة «أهل الكتاب»، يقول: هم أهل الكتاب، نقول: نعم، هم أهل الكتاب، لكن هل هم كفار؟ يقول: ما أستطيع، لا، يا عبد الله، ينبغي أن تصرح بأنهم كفار. وذكر العلماء أن من توقف فيهم، فإنه يكفر، وقد مر ذلك في نواقض الإسلام، في قول المؤلف رحمه الله تعالى: أن من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره، من لم يكفر الكافر، أو شك في كفره، أو صح مذهبهم، فقد كفر، كافر أصلي، كافر أمامك، يدين بغير دين الإسلام، لا يرتضي بالله ربا، ولا بالإسلام دينًا، ولا بمحمد النبي والرسول، ثم بعد ذلك تتوقف، أو أنك تتشكك، لا، يا عبد الله، من لم يكفر الكافر فهو كافر. وهذا يتنزل كما قلنا على هذه الصورة، فقال رحمه الله تعالى: لأجلها تفرق الناس بين مسلمين وكافر، وعندها وقعت العداوة، وهذا كذلك من الآثار المترتبة، عندما ينقسم الناس إلى مسلمين وإلى كفار، هل ينتهي الأمر إلى هذا المطاف؟ لا، ما انتهى الأمر، لا بد أنك مع هذا الفارق أنك تكره دين الكفار، يمتلئ قلبك كرهًا لدين الكفار. طيب، قل: «يا أيها الكافرون، لا أعبد ما تعبدون»، لا بد أنك تفارق هذا الدين، وتصرح باللسان، طيب، وهل يقف الأمر كذلك بعد التمييز أنك تكفر بدين الكفار؟ لا، هناك مرحلة أعظم من ذلك، وهي من آثار ذلك أنك كما تكفر بدين الكفار، تكفر بالكفار، كفرنا بكم، وبدى بيننا وبينكم العداوة والبغضاء. فلابد أنك، يا عبد الله، كما أنك تكره، وكفرت بدين الكفار، عليك بالكفار، فعليك كذلك أن تكفر بهم، وتأمل، يا عبد الله، أن الله جل وعلا في آيات كثيرة، كما قال ذلك أهل التحقيق: أن الله جل وعلا إذا تكلم أو طلب من الناس البراءة من دين الكفر، ومن أهله، تجد أن البدء بالأهل قبل الدين، بالأهل قبل الدين. فما قال ربنا: «إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله»، هنا البراءة من أمرين اثنين، من دين الكفار، ومن أهل الكفر، بمن بدأ؟ «إنا براء منكم ومما تعبدون من دون الله»، فبدأ بالكفار، ثم بدأ بالبراءة من الكفر نفسه، وهكذا في قوله تعالى: «وأعتزلكم وما تدعون من دون الله»، بدأ بهم، ثم عرج على الدين. فقال العلماء: وهذه لفتة عظيمة، ويأتي كثيرة على هذا السياق، تدل على عظم هذه العقيدة، لأن من الناس، وهذا المتواجد في هذه الأزمان المتأخرة، أنا من الناس لربما من يكره دين الكفار، إلا أنه مع الكفار لا كره، بل بينهم وبينهم السلم والمحبة والتعظيم، لربما المصاحبة والمصادقة والمجالسة والمؤانسة والمعاشرة، بل ربما التأييد. لا، يا عبد الله، لا يستوي، ما هكذا يكون المؤمن، إنما المؤمن من تمام إيمانه أنه يبغض دين الكفار، ويبغض كذلك الكفار، ولهذا قال مؤلف رحمه الله تعالى: قال: وعندها وقعت العداوة، تقع العداوة، العداوة بين من؟ بينك وبين دين الكفر، وبين كذلك وبين الكفار. وطبعًا تحت هذه المسألة الطويلة، إخواني في الله، يتعلق بالعداوة، وصور العداوة، هناك عداوة القلب، وهناك عداوة اللسان، وهناك عداوة الجوارح، ثم قال رحمه الله تعالى: وقعت العداوة، ولأجلها شرع الجهاد، والجهاد صورة من صور العداوة، صورة من صور العداوة للكفار، ولدينهم الذي أتوا به. قال: كما قال تعالى: «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله»، هذه الآية، إخواني في الله، نص صريح على أن الله جل وعلا أمر ببغض الكفار، وعلى ما كانوا عليه من ديانة منحرفة، ويظهر ذلك العداوة بالأمر بقتالهم، قال ربنا جل وعلا: «وقاتلوهم»، وقال علماء: وهنا القتال يدخل فيه قتال الدفع، وقتال الطلب، يدخل في ذلك قتال الدفع، وقتال الطلب. قتال الدفع، وهو في حالة ما لو أن كافرًا أو أن كفارًا دخلوا واقتحموا أرضك، يا عبد الله، فإنه على المسلمين أن يدفعوا، يدفعوا شر هذا الكافر، قتال يقاتلونهم، قتال دفع، وهكذا قتال طلب، وهو أن أهل الإيمان هم الذين يتعقبون أهل الكفر إلى عقر دارهم، يتعقبونهم إلى عقر دارهم، هذا ما يسمى بجهاد الطلب. وجهاد الدفع، وهو باق، وهو فريضة، وهو فريضة، وقد ذكر العلماء الإجماع على أنواع الجهاد، وأنه باق، وأنه باق، جهاد الطلب يبقى في حينه، وجهاد الدفع يبقى كذلك في حينه، الكل فريضة مشروعة، فلا يأتي من يأتي بعد ذلك في هذه الأزمان، ويدعي بأن جهاد الطلب قد نسخ، ما نسخ، يا عبد الله، بل هو باق، لكنه مرهون على قدرة المسلمين. متى ما كان لأهل الإسلام قدرة ومكنة على أن يغزوا الكفار في عقر دارهم، فعلوا، حتى تكون كلمة الله جل وعلا هي العليا، قال سبحانه: «وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ»، الفتنة، على قول كثير من المفسرين: بأنها الشرك، الفتنة هنا بمعنى الشرك، أوثر ذلك عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه، وجاء كذلك عن جمع من أهل التفسير، نقل ذلك عن أبي العالية، وعن الضحاك، وعن الحسن، وعن قتادة، وعن سدي، وهكذا عن مقاتل، وعن زي بن أسلم، جماعات من العلماء من أهل التفسير، فسروا هذه الآية بماذا؟ الفتنة بالشرك. أي: قاتلوهم حتى لا يكون شرك، حتى لا يكون شرك، هذا، إخواني في الله، ما يتعلق هنا الفائدة من هذه الآية، أن الله جل وعلا أمر بقتال جميع الكفار، بغض النظر عن أديانهم، سواء من عبد وثنًا، أو من عبد صنمًا، أو من عبد نبيًا، أو من عبد ملكًا، أو من عبد رجلًا صالحًا، فالكل يقاتل، الكل يقاتل. وبهذا نعلم بخطية الإخلاص الأمر لله جل وعلا، وأن من عارض الإخلاص بأي صورة من صورة، فإنه يدخل في فصاطق الكفر، وحقه أن يقاتل، وهذا ما يتعلق بالقول «فتنة» بأن الفتنة معناها الشرك، وليس معنى الفتنة أنك تدخل في الفتنة. وأختم هذا المجلس بحديث عظيم، ذكره البخاري في صحيحه، عن رجلين جاءا لابن عمر رضي الله تعالى عنه، وذلك في فتنة ابن الزبير، فأرادوا أن يحرضاه على الخروج معهم، فقال: «أما ترى ما الناس يصنعون؟ وأنت أنت، أنت ابن عمر بن الخطاب، أنت صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ألا تخرج مع الناس؟». فقال: «إن الله حرم علي إن الله حرم علي أن أقتل أو أن أسفك دم امرئ مسلم، أو دم أخي مسلم»، فقالوا: «ألم تسمع إلى قول الله تعالى: وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ»، هؤلاء من الذي فهموا من الآية؟ فهموا أن إذا وقعت فتنة، إذا وقعت فتنة، فأنت قاتل فيها حتى تستأصل فتنة، «وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة»، أي: إذا ظهرت فتنة، أنت قاتل فيها حتى تستأصلها. فلما سمع ابن عمر هذا الاستدلال الساذج، والذي هو مناهض للأدلة التي أمرت بأن الرجل في أيام الفتن ما الذي يفعله؟ يكون ماذا؟ حبيس البيت، يكسر سيفه، يجعل سيفه في غمده، ثم يبقى في بيته، لا يخرج، يؤجل الفتن، ويشعل الفتن مع الناس. فلما رأى ابن عمر هذا الاستدلال الباطل، قال: «كنا قاتلنا مع رسول الله على ذلك»، أي: أراد بماذا؟ أراد يبين أن هذه الآية أنا قد طبقتها، متى؟ في زمن نبينا عليه الصلاة والسلام، ما أراد أن يشعرهم، أراد يشعرهم أن هذه الآية تتنزل في زمن نبينا، الذي كنا معه. قال: «قاتلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لم تكن فتنة، وكان الدين لله»، أما أنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، ويكون الدين لغير الله»، ويكون الدين لغير الله، وهذا الأثر ذكره البخاري في صحيحه، وهذا من عظيم فقه رحمه الله تعالى. وهذا التفكير الأهوج أن يأتي من يأتي، ويظن أن إذا وقعت فتن، خاض فيها، لا، بل العكس، وإنما الفتن هنا بمعنى الشرك، قال: «قاتلنا مع رسول الله حتى لم تكن فتنة»، قاتلنا الكفار، قاتلنا المشركين في الغزوات، وفي السرايا، وفي المعارك، حتى استأصلنا الكفر من الجزيرة. قال: «حتى لم يكن فتنة، وكان الدين لله جل وعلا»، قال: «أما أنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة، خروجكم في هذه الأزمان، ما هو إلا إشعال الفتن، وأن يكون الدين لغير الله»، أي: لحظ النفس، ولهذا جاء في البخاري، في رواية أخرى، قال ابن عمر: «قالوا: أنتم تريدون الملك، تريدون الملك، ما تريدون وجه الله جل وعلا؟». فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، لأنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.