شرح مسائل الجاهلية  123

شرح مسائل الجاهلية 123

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 123، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

الإيمان الانتقائي بآيات الكتاب

يتناول هذا الفصل مسألة الإيمان ببعض الكتاب والكفر ببعضه، ويبين أنها من صفات أهل الجاهلية وأهل الكتاب، ويستدل على ذلك بآيات من القرآن الكريم. كما يشرح سبب نزول هذه الآيات في حق اليهود ويحذر من خطورة هذا السلوك.

انتقاد اليهود والنصارى لانتقائيتهم

هذا الفصل ينتقد انتقائية اليهود والنصارى في الإيمان بكتبهم المقدسة وكتاب الله، حيث يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض. كما يشير إلى أن من صفات أهل الإيمان الإيمان بكل الكتاب دون تفرقة أو انتقائية.

ضلال المبتدعة في التعامل مع النصوص الشرعية

يتناول هذا الفصل كيف يتلاعب المبتدعة بكتاب الله ويؤمنون ببعض النصوص ويكفرون بعضها الآخر، مما يؤدي إلى ضلالاتهم وخروجهم عن الصراط المستقيم. كما يشير إلى أن أهل البدع يختارون النصوص التي توافق أهواءهم.

خاتمة بالدعاء والصلاة على النبي

يتضمن هذا الفصل دعاءً بأن ينفع الله تعالى بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن الأقوال، ويختم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: السابعة عشرة بعد المئة، الإيمان ببعض المنزل دون بعض. وهذه كذلك من الخصال التي ذكرها ربنا جل وعلا عن أهل الجاهلية، خصوصًا عن أهل الكتابين، اليهود والنصارى، أن من صفاتهم أنهم يؤمنون ببعض ما أنزل الله سبحانه وتعالى من الكتاب، وبالمقابل فإنهم يكفرون ببعض. وهذا ما يفعلونه، وهو ما يسمى التفريق بين متماثلين، مخالف للشريعة، بل هو كذلك مخالف للعقل. فلو أنك تعلم يا عبد الله أن هذا الشيء، وأن هذا الأمر الذي أنت بصدد التصديق به هو كله شيء واحد، ثم إذ بك تأخذ بشيء منه، وثم تترك الشيء الآخر، هذا عين التناقض. فأنت بين أمرين لا ثالث لهما، إما أنك تنكر الكل وتكفر بالكل، وإما أنك تأخذ بالكل وتؤمن بالكل. أما أنك تفرق بين متماثلين، فوحي الله سبحانه وتعالى واحد، فأنت بين أمرين، إما أنك تكذب بوحي الله جل وعلا، فيكون نتيجة ذلك أنك تكفر بالكتاب وما أنزل ربنا جل وعلا من الرسالات، وإما أنك تعتقد بأن هذا الوحي من عند الله جل وعلا، فهذا يلزمك أنك تؤمن بكل الكتاب وبكل وحي وبكل رسالة أتى بها ربنا سبحانه وتعالى. قال مؤلف رحمه الله تعالى: الإيمان ببعض المنزل دون بعض. وهذه الخصلة حكاها ربنا جل وعلا عن أهل الكتاب بقوله: ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا. توعدهم ربنا جل وعلا بالخزي والعار والعذاب الشديد في الدنيا والآخرة. لما كان هذا فعلهم، وهذا يدلك على خطورة هذا الفعل، أن يكون رجل على هذه الهيئة، أنه يأخذ بما تهواه نفسه من كتاب الله جل وعلا، ويرد ما لا تهواه نفسه. وهذه الآية كما قال أهل التفسير أنها أنزلت في حق اليهود، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقًا مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾. هذه الآيات أنزلها ربنا جل وعلا في حق اليهود، وهذه كانت مسألة في أيام الجاهلية، وحينما كان وقبل بعثة نبينا وهجرة إلى المدينة عليه الصلاة والسلام، كان أهل المدينة هذه المدنية متكونة من فريقين من الأوس والخزرج، ثم كانوا لحمة واحدة وهم الأنصار، لكن كانوا في أيام الجاهلية قبيلة أوس وقبيلة خزرج، وكان بينهم كما كان يقع في أيام الجاهلية من التناحر، من القتال، من احتدام المعارك تزهق فيها الأنفس. فكانوا هم على هذا الحال من خصال الجاهلي، القتل والقتال فيما بينهم بين الأوس والخزرج، وكانت في المدينة فرق من اليهود، واليهود كانوا في الجزيرة يتمركزون في المدينة، بن قينقاع، بن النظير، بن قريضة، ثلاثة قبائل يهودية تتمركز في المدينة. إلى أن هؤلاء الفرق الثلاثة من اليهود كان ولاؤهم مختلف، وكان هذا معروف عند العرب أن من كان قبيلة ليست ذات حرب وليس لها أشأن، فإنها تلتصق بقبيلة كبرى تكون من حلفائها تحت قبيلة كبرى، تقول: نحن عندكم، نحن في وجاهتكم، نحن تحت حمايتكم. فاليهود لما كانوا في المدينة ورأوا الصراع بين الأوس والخزرج، فلابد أنهم يتخذوا مواقف، يتخذوا قبيلة يحتموا إليها. فهنا اختلفت ولاءاتهم، فذهبت قبيلة بن قينقاع وبن النظير إلى الخزرج، بن قينقاع وبن النظير احتموا تحت جناح الخزرج، وأما بن قريضة فكانوا إلى الأوس، كانوا إلى الأوس. إذن هنا قبائل وهنا قبائل، عندما تقع القبائل الحروب بين القبائل، هنا اليهود يتحالفون مع أصحابهم، فبن قينقاع والنظير مع الخزرج، فكان يتعاونون فيما بينهم للتحالف الموجود، يمدونهم بالسلاح، يمدونهم بالعدة، يمدونهم بالرجال، وهكذا بن قريضة كانت تمد الأوس؛ لأنها من حلفائها، تمدها بالسلاح والرجال والعتاد، حتى تكون الغلبة لأحد الفريقين. فأحيانا يكون القتال مباشر بين يهودي وبين يهودي، فيقتتلان، وكان قتال اليهود مع اليهود محرم في كتابهم المقدس، وفي نصوصهم، وإذا أخذنا ميثاقكم لا تسفكون دماءكم، فكان هذا محرم، لا يجوز ليهودي أن يرفع السلاح على يهودي، ما يجوز هذا. وأنهم كذلك، ومن النصوص الذي عندهم، أنهم الإجلاء لا يجري أحد عن أحد، أي: لا يجوز ليهودي أن يأتي إلى يهودي آخر ويخرجهم من بيته، يخرجهم من بيته، كان هذا من الميثاق الذي أخذه الله سبحانه وتعالى على اليهود، أن لا يقتل بعضهم بعضا، لا تسفكون دماءكم، وأن لا يجري بعضهم بعضا، وأن تطرد يا يهودي أخاك اليهودي. ثم أقررتم وأنتم تشهدون، هذه نص شريع عندكم، لكن ما الذي صار أنهم كفروا بهذا؟ ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم، معنى تقتلون أنفسكم، أي: تقتلون إخوانكم، وقد مر ذلك إخوان في دروس سبقت في تعبير القرآن، أن القرآن أحيانا يعبر عن الغير بالنفس، يعبر عن الغير بالنفس، لا تقتلوا أنفسكم، أي: لا تقتلوا إخوانكم. وما الدلالة في ذلك؟ الدلالة على أن تعاملك مع غيرك، وأذيتك لغيرك هي أذية لنفسك؛ لأن أبناء الملة وأبناء الذمة هم كالنفس الواحدة. وفي هذا تعلم يا عبد الله خطورة قتل النفس في سائر الأديان، خطورة قتل النفس في سائر الأديان. فكانت هذه جريمة في حقهم، فقال ربنا: «ثم هأنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم وتخرجون فريقا منكم من ديارهم»، أي: كذلك يعني خالفتم، فاستحللتم الدم، وهو محرم، أنك تقتل اليهود الآخر، وأيضا كانت أحيانا الحروب تمتد إلى الإجلاء، فيدع ذاك على بيت أخيه اليهودي، فيجليه من بيته، وينتهب أثاثه، وينتهب متاعه، ويأخذ أغراضه. ثم بعد ذلك إذا انتهت الحرب، وضعت الحرب أوزارها، وهدأت الأمور، تجد هؤلاء اليهود الذين قاتلوا إخوانهم وأجلوا إخوانهم، أو أصبحوا في أسار العدو، يأتي اليهودي ويفدي أخاه، يفديه، يدفع مال، يفك أسره، عجيب هذا، مع أن هذا الأمر لا يجوز، وهو ماذا؟ وهو أنك تبقي اليهود في الأسر، لا يجب أنك تفديه. قال علماء: من هذه الآية نعلم أن في شريعة اليهود أشياء ثلاثة: منع القتال، منع الإجلاء، وجوب الفداء، أن اليهود إذا وقع في الأسر، فعلى اليهود الآخر أن يفك أسره. فما الذي فعلوا اليهود؟ هذه الأشياء الثلاثة متلازمة: عدم القتال، عدم الإجلاء، وجوب الإفداء، فما الذي فعلوا؟ كفروا بالأول، فقاتلوهم فيما بينهم، فتقاتلوا فيما بينهم، وقعوا في الثاني، وهم أنهم أجلى بعضهم بعض، لكن آمنوا بالثالث، وماذا؟ وجوب الفدية، فيراه أن إخوانهم وقعوا في الأسر، سارعوا إلى إفدائهم، لما؟ عملا بكتاب الله. فيا سبحان الله! ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾، فما جزاء من يفعل ذلك منكم إلا خزي في الحياة الدنيا، ويوم القيامة يردون إلى أشد العذاب، وما الله بغافر عما تعملون. فدل ذلك على عظيم صنيعهم، أنهم كانوا قد آمنوا ببعض ما أنزل الله، وكفروا ببعض، مع أن هذه الأحكام كلها من كتاب الله، فكان أصالة منهم أنهم لا يقاتل بعضهم بعضا، ولا يجلي بعضهم بعضا، وأن يفدي بعضهم بعضا، لكن آمنوا ببعض، فعملوا به، وتركوا ببعض، فلم يعملوا به، فأنزل ربنا سبحانه وتعالى هذه الآيات عليهم. فهذا إخواني في الله صنيع أهل الكتاب، وهكذا أهل الجاهلية، وهذا ليس فقط تعاملهم في كتبهم التي أنزلها ربنا عليهم، بل حتى مع قرآن، مع كتاب الله سبحانه وتعالى، كانوا يتعاملون بهذه المعاملة، كما في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ﴾، وقال: ﴿وَمِنَ الْأَحْزَابِ مَنْ يَكْفُرُ بِبَعْضِهِ﴾، قال مجاهد: «هم أهل الكتاب ينكرون بعض ما في القرآن». فاليهود والنصارى وأهل الكتاب في كتبهم المقدسة يتلاعبون بها، يتناقضون فيها، يؤمنون ببعض ويكفرون ببعض، بل كما قلنا بلغ الأمر حتى إلى كتاب الله سبحانه وتعالى، لربما في بعض الأشياء في القرآن يقرونها، وبعض الأشياء في كتاب الله ينكرونها. ما عندنا القرآن كله وحي من عند الله، كله وحي من عند الله سبحانه وتعالى، ومن الأحزاب من ينكر بعضه. ولهذا أمر ربنا سبحانه وتعالى أهل الإيمان أن يؤمنوا بكل الوحي، وبما أنزله الله سبحانه وتعالى على رسله. ولهذا كان من أعظم صفات أهل الإيمان أنهم يؤمنون بالكتاب، كما قال ربنا جل وعلا: ﴿هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ﴾، هذا من أعظم صفات المؤمن، ومن صفات أهل الإيمان أنهم يؤمنون بكل الكتاب، لا ينكرون، لا يجزئون، لا يفرقون، لا يقسمون، ولا يتناقضون في إيمان ببعض والكفر ببعض. هذه قصر إخواني في الله كانت في أهل الجاهلية، إلا أنها سرت حتى وصلت إلى بعض المسلمين، وهذه فاجعة أن يكون المؤمن يتعامل مع كتاب الله بهذا التعامل، أعظم من تعامل في كتاب الله بهذه المعاملة، أن يؤمن ببعض ويكفر ببعض. ما عليه المبتدعة، المبتدعة من أعظم فواقرهم أنهم تلاعبوا بكتاب الله، فلما حصل منهم هذا التلاعب، ضرب الله سبحانه وتعالى على قلوبهم، فجعلهم في غيهم يترددون. أهل الله سبحانه وتعالى أهل الأهل البدع والأهواء إخواني في الله، من تأمل في تعاملهم في النصوص الشرعية، ولهم في ذلك أساليب، وأعظم أسلوب هذا الذي وقعوا فيه. تجد بعضهم إذا جاء عندك لربما يستدل ببعض آيات الكتاب، إلا أنه يتغافل عن بعضها الآخر، تجد عند هذه الفرقة هي على هذا المنوال، الفرقة الثانية على ذاك المنوال، الفرقة الثالثة على ذاك المنوال، وكل الفرق وكل الفرق ما خلت فرقة من فرق الضالة إلا وهي تمشي على هذه الوتيرة، الإيمان ببعض الكتاب. تأتي عند الخوارج مثلا، فإذا بهم يتمسكون بآيات الوعيد، آيات الوعيد الذي فيها توعد ربنا سبحانه وتعالى المخالف بالعذاب والنكال، تمسك بها، وبالمقابل آيات الوعد الذي وعد فيها ربنا أهل الإحسان بإحسانه، تركوها. فمثلا الخوارج أتوا عند قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا﴾، قالوا: هذه آية واضحة، أن أي معصية أي معصية وقعت من أحد، فإن الله توعد أصحابها بالنار، بالنار الأبدية، فخرجوا بهذا المنهج الأهوج الأعوج، بتكفير المعصية، بتكفير العصاة. لماذا تمسكوا بهذه الآية؟ وبالمقابل تركوا آيات الوعد، ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾، لا يأتون إلى هذه الآيات، وهي آية في كتاب الله، بين دفتي المصحف، لكن أخذوا بآية، وتركوا بآية. وهكذا قل: ما يتعلق بالإرجاء، ما يتعلق بالإرجاء، هم كذلك المرجئة، أخذوا بآيات ونصوص الوعد الذي فيها الوعد بالإحسان، الذي فيها الوعد بالعطاء والمغفرة والرحمة، أخذوا بها. كفعل المرجئة عندما أخذوا بقول نبينا عليه الصلاة والسلام: «من مات وهو يعلم أن لا إله إلا الله دخل الجنة»، قالوا: هذا كفينا، خلاص، أنت تعلم أن لا إله إلا الله، أبشر، أنت من أهل الجنة، ولا يضرك ما فعلت، وليضرك ما فعلت. طب أين أنتم من نصوص الوعيد؟ والذي فيه يقول نبينا: «لا يدخل الجنة قاطع»، «لا يدخل الجنة قاطع لرحمه»، «عق والديه»، «قاطع لأرحامه»، فإنه لا يدخل الجنة، إذن ما لفعل المرجئة؟ أخذوا بآيات الوعد، وتركوا نصوص الوعيد. وتجد هكذا المبتدعة، هكذا المبتدعة، يأخذون ما تهواه أنفسهم، وبالمقابل يتغافلون عن النصوص الأخرى، إلا كلها من عند الله سبحانه وتعالى، لا تناقض في ذلك. ومن طريف ما ذكر من مناظرات أهل السنة، ما ذكره قريش بن أنس، ومن أهل السنة، يحكي أنه كان في مجلس لعمر بن عبيد، فيقول عمر بن عبيد هذا الضليل المبتدع، يحكي عن نفسه، يقول: «لأن أتى بي الله سبحانه وتعالى يوم القيامة، فقال لي: لما قلت بأن القاتل كافر؟ أقول: يا رب، قلته بقولك أنت، ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاءه جهنم»، انظر الآن هذا الرجل يعني يريد أن يبين أصحابها أنه يستدل بكتاب الله. «أني إذا أبعثت عند الله سبحانه وتعالى، وأن الله إذا سألني عن حكم هذا بأن من قتل نفسا أنه خالد في نار جهنم، ولا يخرج منها، يسألني ربي عن حجة منك؟ يا رب، أنت ألم تقل: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ﴾؟». فقال قريش: «وقلت له: ألا ترى يا عمر، لأن الله قال لك: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾؟ فما أدراك أني لم أغفر له؟» قال: «فسكت عمر بن عبيد». إذا هذا إخواني لهذا المنهج الذي ينبغي أن يسار عليه المؤمن، أنك يا عبد الله لا تأخذ بآية أو بنصوص دون آية ونصوص، وإنما المؤمن يؤمن بالكتاب كله، فكلام الله واحد، ليس فيه تناقض، ليس فيه لبس، ليس فيه غموض، ليس فيه إشكال، بل كله من عند الله سبحانه وتعالى. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، مبينا هذا التأصيل الذي عند المبتدع، وأن الذي جرهم إلى الضلالات هي هذه الدسيسة، أنهم يؤمنون ببعض ما في كتاب الله، أو ببعض النصوص، ويتركون بعض الآخر. قال رحمه الله تعالى، كما في «مجموع الفتاوى»: «قالوا: من هنا تتبين الضلالات، ومن هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة»، أي: يريد شيخ الإسلام، بعدما قرر هذه المسألة، ما هي الضلالات؟ وأساسها الذي أنشي وابتدع في هذه الأمة؟ قال: «من هنا تتبين الضلالات المبتدعة في هذه الأمة، حيث هي من الإيمان ببعض ما جاء به الرسول دون بعض». فكان هذه من الأسس التي تدعى منها المبتدعة الإحداثات والضلالات والخروج عن الهدي الصراط المستقيم، وذلك بالإيمان ببعض النصوص، سواء من الكتاب والسنة، والكفر ببعضها الآخر. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.