الدرس في شرح مسائل الجاهلية 107، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يشرح هذا الفصل مسألة ازدراء الفقراء واحتقارهم ويدخل ضمنها الاستهزاء والتضاحك عليهم، ويبين أن الله نهى عن إبعادهم. كما يشير إلى أهمية معاملة الفقراء والمساكين باحترام وتقدير.
يتناول هذا الفصل موضوع التمييز العنصري والعبودية في الإسلام ومقارنتهما بالوضع في الكفار، ويشير إلى أن الإسلام يحرم الظلم والمعاملة السيئة للعبيد. كما يحذر من أن وجود التمييز العنصري في النفس هو صفة من صفات أهل الجاهلية.
يُناقش هذا الفصل أهمية الضعفاء والمساكين في الإسلام، ويُشير إلى أن الصفة الغالبة على أهل الجنة هي الضعف والفقر. كما يُبين أن العبرة ليست بالمال أو الشرف بل بالقرب من الله سبحانه وتعالى.
ينتهي هذا الفصل بدعاء الله أن ينفع بما قيل ويجعل السامعين من المتبعين لأحسن القول، ويصلي على النبي محمد وعلى آله وصحبه. كما يعبر عن الأمل في تطبيق ما تم شرحه في الفصول السابقة.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: الواحدة بعد المئة، ازدراء الفقراء، فأتاهم الله بقوله: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾. هذه الآية، إخواني في الله، قد جاءت نظائرها في أوائل الرسالة. وكيف أن أهل الجاهلية كان من قياسهم في اتباع الحق النظر في الأتباع، فإن كان أتباع الرسالة هم الشرفاء والوجهاء، فحينها انضموا للدين والتحقوا بهذه الشريعة، ومتى ما رأوا أن الأتباع هم الضعفاء وهم المساكين، حكموا على هذا الدين بأنه ليس أهلًا لأن يتبع، أهلًا لأن يتبع. فقال رحمه الله تعالى: ازدراء الفقراء، ويدخل في مسألة الازدراء، إخواني في الله، الاحتقار، احتقار الفقراء يدخل في ازدرائهم، الاستهزاء بالفقراء، التضاحك عليهم. قال: فأتاهم الله بقوله، أي أن الله جل وعلا لم يرتض هذه الطريقة التي كانت عليها أهل الجاهلية، فأمرهم ربنا جل وعلا بهذه الآية: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾. هذه الآية أنزلت على نبينا عليه الصلاة والسلام، ففي صحيح مسلم أن الكفار قالوا: «أطرد هؤلاء لا يشترئون علينا»، أن الكفار قريش قالوا لنبينا عليه الصلاة والسلام: «أطرد هؤلاء لا يشترئون علينا»، أي: كيف يا محمد تريدنا أن نجالسك وأن نستمع لك، وهؤلاء بجوارنا العبيد والموالي والخدم الذين هم دوننا في الرتب والمنزلة والشرف، يعني هؤلاء نحن نراهم على حد السواء، هذا لا يمكن، لماذا؟ لأنها الأنفة التي تربى عليها أهل الجاهلية والرفعة. لكن الإسلام ما كان هذا من شأنهم، كان الصحابة رضي الله تعالى عنهم، الفقير والضعيف والغني والشريف، كلهم في مجلس واحد، يجمعهم مثل هذه الصلاة، يصلي المسلمون، ليس هناك تمييز، ليس صف الأيمن للأغنياء والتجار، وليس الصف الأيسر للمساكين والضعفاء، ليس هذا، الحمد لله، وإنما تصلي يا عبد الله، وبجوارك قد يكون عن الجهة اليمنى تاجر من تجار المسلمين، وعن يسارك رجل ربما يكون عاملًا من أدنى العمال منزلة وحرفته، لكن هكذا الدين، الدين رب الناس، رب الناس على مساواة، ليس هناك فرق بين فقير وبين غني، وبين شريف وبين وضيع، إنما أكرمكم عند الله سبحانه وتعالى هم المتقون. قال المؤلف: سبحانه وتعالى: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾، وجاء كذلك من حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه، أنه قال: نزلت هذه الآية في ستة، نزلت هذه الآية في ستة، قال: كان من بينهم هؤلاء، وذكر نفسه رضي الله تعالى عنهم، أنه كان من الستة، وأن المشركين قالوا: «اطرد هؤلاء نجلس معك، اطرد هؤلاء نجلس معك»، فكان من شرط الكفار في جلوسهم مع نبينا عليه الصلاة والسلام أن يطرد هؤلاء، ونهاه ربنا عن ذلك، قال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم﴾. وقد قال العلماء: النبي ما فعل ذلك، لم يفعل ذلك، فهو لم يطردهم عليه الصلاة والسلام، وإن كان في بعض الروايات أنه وقع في نفسه شيء، كأنه أراد ذلك، لكن جاء التحذير من ربه جل وعلا ألا يفعل ذلك. وهنا يا إخواني، تأتي مسائل متعلقة بهذه الآية، منها أن نعلم خلفية ما عليه أهل الجاهلية من الرفعة والترفع، وكذلك من التمييز العنصري، وهذه ليست صورة قديمة قاتمة ضاعت وذهبت وانمحت، لا، بل هي موجودة، تجد أن الكفار الآن يدعون ويرمون الإسلام بأنه دين عنصرية، عنده العبيد، عندهم الموالي، ولا يدرون هؤلاء كيف نحن، كيف أهل الإسلام يعاملون العبيد. فالكفار يسلطون في شبههم على ضرب الإسلام ببعض الشبهات العلمية، من ذلك مسألة تعدد الزوجات، من ذلك مسائل الجهاد، ومن ذلك مسألة الرق، هذه من أعظم الشبه الثلاث، وكذلك أمر الحجاب، هذه مسألة الثلاث، الكفار دائمًا، خاصة أهل الاستشراق، يركزون عليها، من ذلك مثلًا مسألة الرق، أنتم يا مسلمون، عندكم في كتابكم المقدس القرآن، وفي السنة، أن يجوز الرق، أنك تسترق إنسانًا، كيف هذا؟ يعني رجلًا بشرًا تجعله عبدًا عندك. نقول: ولو هذه العبودية التي ترونها أنتم، كيف يعامل المسلم عبده؟ لو رأيتم النصوص الشرعية، لا يجوز أن يضرب، ولا كذلك أن ينهر، ولا يحمل فوق طاقته، بل كذلك أدنى ذنب يفعله الحر، لا تكون كفارته عتق رقبة، سرعان ما يتعتق الرقاب لكثرة ماذا؟ لأن غالب العقوبات التي جعلها ربنا في الشريعة، من أوائل التكفير فيها عتق الرقاب، بل حتى ضربه، لو ضربت العبد بغير حق، لا تكون كفارة الضرب أن يعتق، فضلًا عن المعاملة التي يسير عليها. لكن دعونا نرى أهل الكفر كيف هم، الذين يدعون الحرية، وأن الإسلام عنده جور وظلم واستعباد للناس، ننظر كيف كان الكفار يعاملون من هو تحت أيديهم، انظر فيما وقع في أوروبا، وكذلك في أمريكا، التعامل مع الزنوج، قمة في الحقارة، قمة في الحقارة، هم يعترفون بهذا، ماذا فعلت أوروبا في حق الزنوج؟ وماذا فعلت أمريكا في حق الهنود الحمر؟ كل هؤلاء كانوا طبقات كادحة، ما الذي فعلوا بهم؟ داسوهم دوسًا، قتلوهم واستأصلوهم، لم يجعلوا لهم أثرًا، الاستعباد، بل كان الشيء يندى له الجبين، ولا زال التمييز العنصري موجودًا في مثل هذه البلدان. لكن الإسلام، إخواني في الله، فنعلم إذن الخاصرة الأولى، نريد أن نبين لها أن هذه من خصال أهل الجاهلية، من الكفار قديمًا وحديثًا، عندهم ذلك الأنف والرفعة، وعلى استذلال الموالي والعبيد. الفائدة الثانية: أن نعلم أن من كانت فيه هذه الخصلة، فليعلم أن فيه خصلة من خصال أهل الجاهلية، فإن وجدت يا عبد الله في معاملتك، أو كذلك في ألفاظك، أو كذلك فيما يقدح في قلبك، أنك تريد أن تتميز عن الناس بكون أن الله جل وعلا أعطاك شرفًا ولم يعط هؤلاء، وأعطاك مالًا ولم يعط هؤلاء، فأردت أن تتميز عن هؤلاء، فاعلم أنك فيك صبغة من صبغات أهل الجاهلية، الذي يتميزون عن الفقراء، يتميزون عن الضعفاء، ويجعلون أن الخيرية في المال والشرف. فقد يكون من المسلمين من يرى هذا الحال، لو ربما يتكلم ويتكلم، لكن إذا جاء عند فقير، لو ربما عبس في وجهه، وأعطاه ماذا؟ صفعة على عنقه، ولو ربما أعرض عنه، وما خاطبه، وما كلمه، ولماذا؟ لأنه يرى أن ذلك ضعيف وضيع، قليل المنزلة، قليل المال، فإن كان هذا أمرك يا عبد الله، فاعلم أن هذه خصلة من خصال الجاهلية. كذلك يا عبد الله، فيه معرفة أن الصبغة العامة لأهل الإسلام هي الضعف والمسكنة، هذا الغالب في الأمة، أن الله سبحانه وتعالى جعلهم على هذه الحال، بل لا أقول أتباع النبي عليه الصلاة والسلام، وإن كانوا هم كذلك، أتباع النبي في بداية أمرهم كانوا على غاية من الضعف، بل حتى هرقل لما سأل أبا سفيان، فسأله عن أتباع الرسول، من يتبعه؟ أضعفاء الناس أم أغنياؤهم؟ قال: بل ضعفاؤهم. قال: بل ضعفاؤهم، كان الجميع يعترف أن من كان من أتباع الرسل في أول بعثتهم كانوا هم القلة، وليس هذا خاصًا بأتباع الرسول عليه الصلاة والسلام، بل أهل الجنة، أهل الجنة، الصفة الغالبة عليهم أنهم من أهل الضعف، ومن أهل الفقر، ومن أهل المسكنة، ولهذا جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «احتجت الجنة والنار، فقالت النار: في الجبارون، وقالت الجنة: في الضعفاء والمساكين»، هذه الجنة، قالت: «في الضعفاء والمساكين أهلها وروادها، من يدخلها؟ هؤلاء هم ضعفاء وأهل مسكنة». فبهذا نعلم ليس في ذلك عيب يا عبد الله، إن أخذ شيء من حقك، تروا حق أنك تكون غنيًا، لكن أجعلت فقيرًا في الدنيا، فاعلم أن الله سيعوضك على فقرك جنان الخلد، متى ما صبرت وثابرت على دين الله سبحانه وتعالى. وهكذا ذك جاء في الصحيح، قال عليه الصلاة والسلام: «ألا أخبركم بأهل الجنة؟ بكل ضعيف مستضعف، ألا أخبركم بأهل الجنة؟ بكل ضعيف مستضعف، لو أقسم على الله لأبره»، انظر الحالة المادية ضعيف، والحالة الاجتماعية مستضعف، لكن مع ربه، لو أنه أقسم على الله لأبره، ربنا ما يرد يمينه قط، إن حلف على شيء، لكان الأمر أمره، لوجاهته لربه سبحانه وتعالى، مع ضعفه، مع ضعف واستكانته. وبهذا استبين الأمر يا عبد الله، ليس العبرة بالمال ولا بالشرف، وإنما العبرة بالقرب من الله سبحانه وتعالى، وكذلك فيه يا عبد الله الاهتمام بأهل الصلاح، وكانوا ضعفاء، فربنا جل وعلا أمر نبينا بعدم طرد هؤلاء، مع فقرهم، مع أنهم من الموالي، وكانوا من العبيد، ومع ذلك أمر ربنا نبيه أن يتمسك بهؤلاء، لأن هؤلاء هم الصفوة، هؤلاء قد بذلوا التضحيات العظيمة لدين الله، فهؤلاء لهم ماذا؟ قصبوا السبق في الخيرية، فلا يتخلى عنهم، ولا يلتفت إلى من عداهم، وإنما يستمسك بهم، قال: ﴿ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي﴾. وأيضًا إخواني في الله، في هذه الآية يذكر العلماء أن فيها فضيلة من فضائل حلقات العلم، وفضيلة حلقات الذكر، وأنها من الحلقات المباركة التي ينبغي الاعتناء بها. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.