شرح مسائل الجاهلية  22

شرح مسائل الجاهلية 22

الدرس في شرح مسائل الجاهلية 22، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

استدلال أهل الجاهلية على بطلان الدين

يتناول استدلال أهل الجاهلية على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وتشويه صورتهم بالألقاب المنفرة. كانوا يرمونهم بأوصاف مثل "بادي الرأي" و"السفهاء" و"المجانين" لتقليل شأنهم.

تفسير "بادي الرأي" في قصة نوح

يفسر العلماء "بادي الرأي" بثلاثة أوجه في قصة نوح، مشيرين إلى استخدام الكفار لقلة فهم أتباع نوح كحجة لبطلان دينه. التفسيرات تشمل الظهور في الأمر والأتباع والأولوية في اتباع الدعوة.

تشويه دعوة أهل السنة والرد عليها

يتناول كيفية تشويه دعوة أهل السنة والجماعة بزعم قلة أفهامهم، ويرد على هذه الشبهة بإثبات كمال عقولهم. يشير إلى أن هذه الشبهة قديمة وتستخدم حتى في العصر الحديث.

خاتمة الدرس والدعاء

يختم الدرس بدعاء بأن ينفع الله السامعين ويجعلهم من الذين يستمعون القول ويتبعون أحسنه، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: العاشرة: الاستدلال على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم، كقولهم: «بادي الرأي». لا زال المؤلف رحمه الله تعالى يذكر لنا بعض الاستدلالات التي يستدل بها أهل الجاهلية، وهذه الاستدلالات قديمة، وكذلك لا زالت حديثة. ومن هذه الاستدلالات ما كانوا يستدلون به على بطلان الدين، وذلك بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم، كقوله: «بادي الرأي». فكان أهل الجاهلية يرمون أهل الدين وأهل الرسالة الحق بالألقاب المنفرة التي تنفر الناس عنهم. وكان من أعظم ما يرمون به أهل الصلاح الرمي بما فيه الخلل في العقول والأفهام، فيرمونهم وينبزونهم بأنهم أغبياء، وأنهم سفهاء، وأنهم سذج، وأنهم مجانين. فكانوا يشيعون بين الناس على أن هؤلاء عندهم قلة فهم، فإذا كان ذلك صحيحًا، إذن مثل أمثال هؤلاء ليسوا أهل الاستدلال أو الاحتجاج أو الاقتداء بهم، فلا يمكن لأحد أن يجعل مخبولًا أو مجنونًا قدوة؛ لأن لا يعقل لما يفعل ولما يترك ولما يذر. فكان أهل الجاهلية - وقد ذكر ذلك ربنا جل وعلا في كتابه وفي قرآنه - على أن أهل الجاهلية كانوا يرمون أهل الدين بالألقاب المنفرة. كهذه الآية: ﴿بادي الرأي﴾، هذه قالها قوم نوح لنوح، كما في قوله تعالى: ﴿وما نرى اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾. وهكذا ما يتعلق كذلك بقوم هود عليه السلام: ﴿إن لنراك في سفاهة إن لنراك في سفاهة﴾، والسفة هي خفة العقل. ورموا هودًا عليه السلام بخفة عقله، وهكذا في قول نوح في حق فرعون عندما أراد أن يشوه بدعوة موسى عليه السلام، كذلك رموه بعقله، قال: ﴿إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون﴾، رمه بعقله. وهكذا قس في حال كفار قريش، ما وجدوا حجة ولقب ينفر عن نبينا عليه السلام بمثل ما فيه الرمي بقلة العقل وهو الجنون: ﴿أئنا لتارك آلهتنا لشاعر مجنون﴾. بل حتى أهل النفاق، أهل النفاق كذلك يلمزون أهل الإيمان بخفة عقولهم: ﴿أنؤمن كما آمن السفهاء﴾. فهكذا كان أهل الجاهلية على اختلاف فرقهم ونحلهم، وعلى مراحل تاريخهم الزمن الغابر، هم يسيرون حول هذه المسألة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى: الاستدلال على بطلان الدين بقلة أفهام أهله. والأفهام - يقول العلماء - هي جمع فهم، والفهم هو هيئة في الإنسان بها يحقق معاني ما يحسن. هذا هو الفهم الذي يناله كل أحد ويرجوه كل أحد أن بهذا الفهم يحقق معاني ما يحسن. فقول المؤلف رحمه الله تعالى: «الاستدلال على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم»، وعدم حفظهم، لفظة «عدم حفظهم» هذا مما أشكلت عند النساخ في ضبط هذه الكلمة. ومنهم من أوصلها إلى ثلاثة عبارات: منهم من قال: الأصوب هي ما هي عليها «عدم حفظهم»، ومنهم من قال: «عدم حذقهم»، ومنهم من قال: «عدم حظهم». فهذه معاني يذكرها النساخ في هذه الفقرة. فقولهم: أما على قول من يقول: «بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم»، فالحفظ - يفسره العلماء كما في المفردات - هو هيئة النفس التي بها يثبت ما يؤدي إلى الفهم. وشبه من حفظهم التحفظ، فإن التحفظ كذلك جاءت في بعض لغات لغة العرب أنه بمعنى قلة العقل. يأتي كلمة التحفظ وهذا يؤيد معنى الحفظ هنا، بأن التحفظ يأتي في لغة العرب بمعنى قلة العقل؛ وذلك لأن التحفظ من أين جاء؟ جاء من المبالغة في الحفظ، وهذا الذي يبالغ في الحفظ إلى ماذا؟ لقصور في عقله، وهو يتحفظ حتى يصل إلى مرتبة الحفظ، فكونه يكلف نفسه هذه الكلفة دلت على ماذا؟ على قصور إدراك عقله، فهو يكتسب الحفظ اكتسابًا. ويذكر العلماء أن هذا «حفظهم» على ما هي عليه، وأنها صواب، وأن العبارة ليس فيها شيء. والحذق - على قول من يقول: «وعدم حذقهم» - هو من أوغل في الشيء حتى أمهر فيه، هو الدخول في الشيء والولوغ في الشيء حتى أمهر فيه وأصبح فيه ماهرًا. ويقول: هذا فلان حاذق. وأما العبارة الثالثة وهي «عدم حظهم»، وهذا الذي مال إليه بعض العلماء من الشراح، وأن هذا هو الصواب، أن يكون العبارة بالتأمل في سياق العبارة، سياق العبارة يرى أن الملائم والمناسب لهذه المسألة أن يقال: «بقلة أفهام أهله وعدم حظهم». وعدم حظهم - الذي قال بهذا التأويل - وهذا هو المهم في هذه المسألة، من أين جاء بكلمة «الحظ»؟ قال: جئت بها من تمام الآية التي استدل بها المؤلف. المؤلف رحمه الله تعالى استدل بقوله تعالى: ﴿بادي الرأي﴾، قلنا: هذه الخطاب كان من قوم نوح لنوح عليه السلام عندما صرف عن دعوته، قالوا: ﴿ما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي وما نرى لكم علينا من فضل بل نظنكم كاذبين﴾. يقول العلماء: قوم نوح تطاولوا على أتباع نوح في مسألتين اثنتين: المسألة الأولى أنهم على قلة في الأفهام وقلة في العقول، وهذا يظهر في قوله تعالى: ﴿بادي الرأي﴾. والمسألة الثانية انتقدوها على أتباع نوح في قوله تعالى: ﴿وما نرى لكم علينا من فضل﴾، الفضل - على أحد التفاسير - بمعنى الحظ، بمعنى الوجاهة، بمعنى الشرف. إذن تطاولوا على أتباع نوح بأمرين اثنين: بأن هؤلاء ما عندهم فهم، ولا عندهم حظ. قال: إذن فسياق العبارة الآن قول المؤلف: «على بطلان الدين بقلة أفهام أهله وعدم حظهم»، وعدم حظهم، إذن جاء بكلمة «الحظ» من تمام الآية، من تمام سياق الآية، وهذا وجيه. فالحاصل أن نعلم أن هذه الفقرة التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى تدور على معاني ثلاث: إما يقال: «بقلة أفهام أهله وعدم حفظهم»، أو «وعدم حذقهم»، أو «وعدم حظهم». وكل ذلك مناسب، لكن بعضه أنسب من بعض. قال: «كقولهم بادي الرأي»، هذه - كما قلنا - هذه الآية استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على أن كان الكفار قديمًا ولا زالوا يحتجون على أهل الأخيار وعلى أهل الصلاح بأن أتباعكم ما عندهم فهم. واستدل المؤلف رحمه الله تعالى بهذه الآية: ﴿بادي الرأي وما نرى اتبعك إلا الذين هم أراذلنا﴾. كلمة «بادي الرأي» جاءت في القراءة وهي قراءة سمعية على وجهين اثنين بهذه الصورة: «بادي» بغير همز، وهي قراءة الجمهور، وجاءت بالهمز «باديء» وهي قراءة أبي عمر البصري، وهذا ثابت وذاك ثابت. فما معنى بهذه الروايات؟ ما معنى «بادي الرأي»؟ للعلماء في ذلك أوجه. من هذا الوجه أن «بادي» هنا أي من أول، معنى البدو هنا بمعنى الظهور، بمعنى الظهور، أي الذين اتبعوك هؤلاء هم الأراذل اتبعوك في أمر بادي، أي في أمر ظاهر، هذا واضح، ليس هناك مزية، ليس هناك مزية في أتباعك. فهنا «بادي» بمعنى الظهور، لكن الظهور أرجعوه إلى الأمر الذي جاء به نوع، أي أن الأمر الذي جئت به نوع وتسابق إليه هؤلاء الأرذلون هو أمر واضح، أمر ظاهر، أمر جلي، ليس في أتباعك مزية علينا، فنحن نعرف الذي جئت به. هذا معنى «بادي الرأي»، هذا وجه. الصورة الثانية في «بادي الرأي» أنها أيضًا بمعنى الظهور، لكن هنا الظهور يعود إلى الأتباع لا يعود إلى الأمر. هذا التفسير الثاني كيف ذاك؟ يقولون: أن الذين اتبعوك يا نوح هؤلاء أراذلون اتبعوك في ظاهر الأمر، في ظاهر الأمر، أنت تحسبهم أنهم معك في الظاهر، لكنهم في باطن أنفسهم ما هم إلا معنا، ما هم إلا معنا. وهذا كما قال تشكيك في دعوة نوح عليه السلام وتشكيك في أتباعه، هذا الوجه الثاني. إذن الأول: الظهور بما يكون في أمر نوح، أن أصحابك هؤلاء اتبعوك في أمر واضح ظاهر جلي، نحن كلنا نفهمه، ليس لأتباعك مزية علينا، هذا الوجه. والوجه الثاني: أن الظهور يرجع إلى أتباع، أن أتباعك اتبعوك في ظاهر الرأي، في ظاهر الأمر، لكن في الحقيقة هم في الباطن هم معنا وعلى منهاجنا وعلى ديننا. الصورة الثالثة والقول الثالث في كلمة «بادي الرأي»: بمعنى أن هؤلاء اتبعوك في أول الأمر، «بادي» بمعنى أول، وذلك دلالة على ماذا؟ دلالة على سخافة عقول الأتباع. كيف توصل إلى ذلك؟ توصل يقول: يا نوح، أنك من أول ما جئت بما جئت به من دعوة، هؤلاء سرعان ما اتبعوك، «بادي الرأي»، أول ما بدأت دعوتك هؤلاء اتبعوك، اتبعوك بسرعة، اتبعوك على عجلة، ما تفكروا، ما تأملوا فيما جئت به، ولكن سرعان ما إن جئت بالذي جئت به حتى هؤلاء «بادي الرأي»، من أول الأمر، من أول الأمر قد دخلوا وانسلقوا إلى دعوتك، هؤلاء ما هم أصحاب فهم، هؤلاء ما هم أصحاب فهم. وهذا الذي أراده المؤلف، هذا المعنى الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى، أن هنا بمعنى الاستعجال، أن هؤلاء اتبعوك في بادي الأمر، في أول الأمر، اتبعوك، واتباعهم في أول الأمر يحسب في ميزانهم العقل أن هذا التهور، وما جاءهم هذا التهور إلا لقلة عقولهم، قلة أفهامهم، سخافة أفكارهم، أدخل في أمر جلي لا حساب، لا تأمل، ولا فكر. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله تعالى من هذه الآية. إذن هي معاني ثلاث، وبعضها يدخل في بعض. إذن هذه المسألة - إخواني في الله - الذي استدل بها المؤلف رحمه الله تعالى على أن أهل الجاهلية كانوا مما يستدلون به على بطلان أهل الحق بأن أتباعهم ممن أوتي قلة الفهم. وهذه المسألة - إخواني في الله - وهدي طباعات - طبعًا - هي كذب؛ لأن الذي يتبع الحق هو أكمل الناس عقلًا، العقل والفهم إنما يؤتى الذي يصل للحق، الذي يصل للحق هو العاقل. وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون، الذي يعقل الأمثال الذي جاء بها الرب جل وعال هو العالم، هو الذي يؤتي علما. فالكفار وأهل الشرك الذين لم يفهموا الأمثال التي ضربها الله، والتي أرادها الله معنى، ما أوتوا علما، ما عندهم علم. فعلم ماذا؟ ولهذا في يوم القيامة ما يتندم الكفار على تندمهم بمثل أنهم ما عندهم عقل، وقالوا: ﴿لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير﴾، إذا دل ذلك على أن ما عندهم عقل. لكن هنا التبجح، هذه الآيات التي يستدلون بها على دعوة الحق إنما من باب التبجح، يتبجحون على دعوة أهل الحق بقلة أفهامهم وقلة عقولهم، وإلا فهم أهل الكفر، هم في كل زمان ومكان هم أخف في الناس عقولًا. وهذه الشبهة - إخواني في الله - وهذه الشبهة والمؤلف أراد ذلك من هذه الاستدلالات أنها لم تنقضي في الأمم الجاهلية، بل لا زال أمرها يسري ويجري حتى في هذه الأزمان. تجد أن الكفار، مثاله اليهود والنصارى، إذا أرادوا أن يعيبوا على أهل الإسلام بشيء، ما عابوهم إلا على سخافة العقول، على ما يظنون. انظر من هؤلاء؟ عندما تريد مع العرب، بل العرب هؤلاء همج، هؤلاء رعاع، ما يعرفون شيء. انظر أين يعيشون؟ انظر التقدم التكنولوجي، لا شيء، ما يعرفون شيء، ما يعرفون إلا القتال والدم والسفك. فماذا شويهون؟ ويستدلون على قلة أفهام العرب وقلة أفهام المسلمين، وأنهم قد تأخروا في باب العلوم، أن هذا دليل على بطلان دعوتهم، وأنهم ليسوا أهلًا للاتباع. وهكذا مشت هذه الشبهة حتى عند أهل الإسلام، بين المخالفين لدعوة أهل الحق، أهل البدع: المعتزلة، الأشاعرة، الماتوريدية، الكلابية، الجهمية. من أعظم ما استدلوا به على تشويه دعوة أهل السنة والجماعة: الضرب على وتر استخفاف عقول أهل السنة، هؤلاء حشوية، يكسرون من هذه العبارة، هؤلاء حشوية، معنى الحشو: أي الأمر الزائد، هؤلاء حشو في الأمة، أي أمرهم زائد فائدة، هم بله سذج. ولا تجد دائمًا تجد أن المعتزلة ولا الأشاعرة ما يفتخرون بشيء بافتخارهم بكمال عقولهم، أنهم أهل العقل والكمال الذهني، بخلاف أهل السنة، فيرمونهم بالسذاجة والسخافة والسفاهة. ولا زال وهكذا. إن دخلت أعمق - يا عبد الله - حتى تجد بعض من يرمي دعوة أهل السنة والجماعة بأنها دعوة ضعيفة، بأنها ما عندها فهم للواقع، ما عندها فهم للواقع. تجد بعض من يحتج بصلاحه وأنه على الحق أن في أتباعه وفي أصحابه ما عندهم ما يسمى بفقه الواقع. نفهم المخططات الغربية والدسائس الشرقية وما يكاد لنا من أعداء الدين. وأين جاء ذلك؟ هو عبارة عن انكباب على بعض الكتب وعلى بعض القصاصات وعلى الجرائد. وأرادوا بهذا أنهم يترفعون على دعوة الحق، ويلمزون أهل السنة والجماعة بأنهم ما عندهم فقه للواقع. كما قال: تشويه لدعوة الحق بضرب أهله بقلة أفهامهم وبقلة عقولهم. فهذه مسألة - أخواني في الله - ولا أتوسع في هذه المسألة، فإن تحتها مباحث طويلة، لكن ينبغي أن نعرف أن ما ذكر المؤلف رحمه الله تعالى من هذه المسألة هي نعم شبهة قديمًا وحديثًا، لا زال المناوئين والمخالفين والمضادين لدعوة الحق يتشبثون بها، أنهم يلزمون دعوة الحق بأنهم على باطل، بأن ذلك بأنهم من أقل الناس أفهامًا ومن أقل الناس عقولًا. وإلا - يا عبد الله - طبعًا لا أزال أن أتوسع في هذا الباب، وإلا قد أثبتت التجارب على أن عقول أهل الإسلام من أعظم الناس عقولًا. وقد أثبت ذلك شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في بعض كتبه، وبيَّن أن عقول أهل الإسلام من أكمل الناس عقولًا مقارنة بالأمم، أكمل الناس عقولًا هم عقول أهل الإسلام. ثم بيَّن رحمه الله تعالى أن عقول أهل السنة أنظف، أكمل من عقول غيرهم من المخالفين: من المعتزلة والأشاعر والما تردي إلى آخره. وأن من أكمل الناس عقولًا من عقول أهل السنة والجماعة، علماؤهم، علماؤهم من أكمل الناس عقولًا. ويرجع عبد الله إلى التاريخ الإسلامي حتى تعرف إلى حذاقة وإلى حفظ وإلى فهم وإلى ثقافة علماء أهل السنة، كيف كانوا على سعة، وعلى أمر عظيم من الحفظ والإتقان والفهم. ما كان يشق لهم غبار في أي مناظرة، إمام أحمد - مثاله - كان في فتنة إخلاص القرآن، وهو محبوس، لو ربما ربط بالسلاسل من يديه إلى قدميه، وهو محجوز في كرسي، وأولئك المخالفين من المعتزئة من القضاء والوجهاء والشرفاء يناظرونه رجل عن رجل، وهو يرمي هذا بكلمة فيسكته، وآخر يسكته، وآخر يسكته. فما كان منهم كإمام أحمد بن أبي دؤاد المخذول الذي كان يقود راية القول بخلق القرآن إلا أن يقول للوالي: «اقتله، فوالله إنه كافر، اقتله». يقول: «لا، ناظر، ناظر». إمام أحمد ما كان أحد يقدر عليه. إمام أحمد رمز. وإلا من نظر إلى كل مجادلات وتفانين وتصانيف وتآليف العلماء السنة يرى أنه لا أحد في عقلهم وفي فهمهم وفي حفظهم. فاعلم - يا عبد الله - أن من أكمل الناس عقولًا في الدنيا هم أهل الإسلام. وما جاءت الاختراعات ولا الماديات ولا التطورات إلا أنهم قاموا على علم العرب وعلم المسلمين. وطبعًا هذا في تاريخ الإسلامي، ترجع - يا عبد الله - إلى ما كان من اختراعات العرب والإسلام، أن ما جاء الغرب إلا على أنهم أخذوا من العرب ثم استمروا، وإلا فإن المسلمين قد سبقوهم بهذه الاختراعات الشيء العظيم. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إن ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.