شرح فتح الوهاب 1 2

الدرس في شرح فتح الوهاب 1 2، الدرس الثاني ( ولذلك أفادت هذه الكلمة الحصر والاختصاص ... ويدل عليه قوله تعالى يا أيها الكافرون ). ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

معنى كلمة التوحيد ودلالتها على العلم والعمل

يوضح الشيخ أن كلمة «لا إله إلا الله» تفيد الحصر بنفي العبادة عن غير الله وإثباتها له وحده، متلازمين من كل وجه. الكلمة تقتضي علماً بنفي الإلهية الباطلة وإثبات الحق، وتستلزم عملاً بعبادة الله بقلب وجوارح.

المعنى اللغوي والاصطلاحي للإله والعبادة

يشرح المقطع المعنى اللغوي لكلمة «إله» بأنها كل معبود، و«الله» علم على المعبود الحق. يعرض التعريف الشرعي للعبادة بأنها غاية الحب مع غاية الذل، مستدلاً بالقرآن وأقوال العلماء، مبيناً أن «لا إله إلا الله» تنفي استحقاق العبادة لغير الله.

حقيقة الشرك ووقوع عبادة غير الله

يوضح المقطع أن عبادة غير الله واقعة حساً ونصاً منذ عهد نوح عليه السلام كعبادة القبور والأصنام، دون أن تمنحها استحقاق الألوهية. يستدل بالقرآن والسنة على بطلان آلهة المشركين وسفاهة عقولهم في اتخاذهم آلهة ناقصة.

انتقال العرب من الجاهلية إلى الهداية النبوية

يصف المقطع الحالة المزرية للعرب قبل البعثة وكيف حولهم الله بالنور والهداية والفلاح بفضل رسوله صلى الله عليه وسلم. يختم بالثناء على الله والاستغفار والتوبة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. وبعد، فقد تقدم معنا في الدرس السابق الكلام على مكانة كلمة التوحيد وعلى معناها أيضًا، وما زال الشيخ رحمه الله تعالى عبداللطيف بن عبدالرحمن بن حسن بن محمد بن عبدالوهاب - أنجد الله رحمهم الله تعالى جميعًا - يسوق كلام أهل العلم ويبين معنى «لا إله إلا الله» من كلام أهل العلم، سواء كانوا أهل اللغة أو غيرهم. فمر معنا أمس قوله رحمه الله تعالى: «ولذلك أفادت هذه الكلمة الحصر والاختصاص»، «لا إله إلا الله» أفادت الحصر والاختصاص كما مر معنا أمس. قال: «وقرر بعض المحققين لهذه الكلمة الطيبة وما شابهها من الآيات التي ابتدأت بنفي الإلهية، التي ابتدأت بنفي الإلهية والعبادة عن غير الله، أن ذلك أبلغ وآكد في الإثبات والاختصاص، أبلغ وآكد» كما مر معنا أمس. ومنه: «لا رجل إلا زيد، ولا كريم إلا زيد»، فإنه مع إفادته نفي الصفة - فإنه مع إفادته نفي الصفة عن غير المستثنى - أفاد إثباتها له على وجه الكمال الذي لا يتأتى بمجرد الإثبات من غير نفي، فلا يفيده «زيد رجل» أو «زيد كريم» كما مر معنا أمس، أن الأسلوب بالنفي والإثبات أكمل في لزوم الصفة واختصاصها بذلك الموصوف من أسلوب الإثبات المجرد. قال: «ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم، ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم من كل وجه»، بمعنى أنه لا يتصور نفي من غير إثبات والعكس، بل هما متلازمان من كل وجه. والتلازم قد يكون من كل وجه، وقد يكون من وجه دون وجه، وقد يكون ليس هناك تلازم بين الأمرين، لكن في هذا الموضع خاصة التلازم فيه من كل وجه، وسيأتي بيان هذا من كلام الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: «ولأن بين النفي والإثبات هنا تلازم من كل وجه، فلا براءة من الشرك وعبادة غير الله وعبادة غير الله إلا بتوحيده، ولا توحيد إلا بالبراءة من كل معبود سوى الله». فلا براءة من الشرك إلا بماذا؟ إلا بالتوحيد. ولا توحيد إلا بماذا؟ إلا بالبراءة من الشرك. فهما متلازمان، فهما متلازمان، النفي والإثبات كما بينه الشيخ رحمه الله. قال رحمه الله: «وكما تضمنت العلم فهي تتضمن العمل». «لا إله إلا الله» تضمنت العلم، والعلم ها هنا: نفي العبادة عن غير الله عز وجل، نفي العبادة الحق عن غير الله عز وجل، وإثباتها لله عز وجل. هذا من العلم، وهذا من «لا إله إلا الله». «لا إله إلا الله» معناها: لا معبود بحق إلا الله. فعلم من هذه العبارة أنه لا معبود بحق إلا الله، وهي أيضًا تفيد العمل كما أفادت العلم. وذلك لأن العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله من الأقوال والأعمال الظاهرة والباطنة. فإذا علم هذا، وعلم أن المعبود الحق هو الله عز وجل، أتبع ذلك العلم العمل. أي يجب لمن كان موحدًا، يجب على من كان موحدًا أن يعمل بمقتضى «لا إله إلا الله» بأن يعبد الله عز وجل وحده، فيقوم بأعمال، فيقوم بأعمال سواء كانت أعمالًا من أعمال القلوب من الإخلاص والمحبة والخشية والإنابة والرهبة والتوكل وغيرها، أو من أعمال الجوارح، سواء كان اللسان بالنطق بـ «لا إله إلا الله» أو بتلاوة القرآن والذكر وما شابه ذلك، أو ببقية الجوارح، ببقية الجوارح، بإقامة العمل ببقية الجوارح كإقامة الصلاة تحتاج إلى عمل بالجوارح الظاهرة من ركوع وسجود وقيام وما شابه ذلك. فهي كما تضمنت العلم فهي تتضمن العمل، لأنها - لأن معناها: لا معبودة، لا معبودة بحق إلا الله. فإذا علم أن هناك معبودًا بحق وهو الله عز وجل، أتبع ذلك العلم بالعمل، وهي العبادة وصرفها لله عز وجل وحده. قال رحمه الله تعالى: «وَلَا يُتَصَوَّرْ وُجُودُ شَهَادَةٍ وَإِذْعَانٍ وَإِتْيَانٍ بِمَدْلُولِهَا إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ». «إِلَّا مَعَ الْعِلْمِ وَالْعَمَلِ» لا يتصور ثمرة، بل قل كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: وجود شهادة وإذعان إلا بعلم، إلا بعلم وعمل، إلا بعلم وعمل. قال رحمه الله تعالى: «وهذا الذي قررناه تدل عليه عبارات أهل العلم من اللغويين والمفسرين وغيرهم». أي: هذا الذي قرر من أن «لا إله إلا الله» معناها: لا معبود حق إلا الله، وأنها تقتضي العلم والعمل. هذا الذي قرره أئمة اللغة، وكذا أئمة التفسير، وأئمة الشرع. قال رحمه الله تعالى: «والإله، والإله وضع لكل معبود حقًا كان أو باطلًا». لفظ «الإله» وضع لكل معبود، أي لكل ما عُبد. لكل ما عُبد. والعبادة كما سيأتي معنا تجمع بين أمرين، لا يتصور إنسان عبادة إلا بهذين الأمرين، وهما: غاية الخوف والذل، مع غاية الحب والتعظيم، مع غاية الحب والتعظيم. فالآلهة: كل من صرف لهم شيء من العبادات فهو إله. كل من صرف إليه شيء من العبادات فهو ماذا؟ فهو إله، أي معبود؛ لأنه عُبد. وهذا الإله قد يكون حقًا وقد يكون باطلًا. الحق هو الإله الحق سبحانه وتعالى وحده، والباطل هي الآلهة التي عُبدت مع الله أو من دون الله عز وجل، كما صنع المشركون في الأزمان السابقة، وكما فعل القبوريون في هذه الأزمان من صرف العبادات لغير الله عز وجل. فمن صرف شيئًا من العبادات لشيء فقد اتخذه إلهًا، فقد اتخذه إلهًا؛ لأن الإله هو المعبود، كما قال الشيخ رحمه الله: «والإله وضع لكل معبود حقًا كان أو باطلًا، أو باطلًا، أو باطلًا». قال: «لأنه مشتق من الإلهة، مشتق من الإلهة بمعنى العبادة». قال في القاموس: «أَلَهَا يَأْلَهُ إِلَهَةً وَأُلُوهِيَّةً بِمَعْنَى عُبِدَ يُعْبَدُ عِبَادَةً، وَكُلُّ مَنْ عُبِدَ وَكُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا فَقَدْ اتَّخَذَهُ إِلَهًا، وَكُلُّ مَنْ عَبَدَ شَيْئًا فَقَدْ اتَّخَذَهُ إِلَهًا». هذا قول صاحب القاموس، وهو من أئمة اللغة رحمه الله. وهذا واضح يبين أن معنى «آلَهَ يَأْلَهُ» و«إِلَهَةً» و«أُلُوهِيَّةً» بمعنى: عبد يعبد عبادةً، عبد يعبد عبادةً. قال: «وقال غيره: إله اسم جنس يقع على كل معبود». لفظ «إله» قال: «اسم جنس يقع على كل معبود، والإله بمعنى المألوه، والإله بمعنى المألوه». قال: «كالكتاب بمعنى المكتوب، كالكتاب بمعنى المكتوب». فأَلِيه بمعنى المألوه، والمألوه هو المعبود محبة وتعظيمًا كما سيأتي. قال: «قال شيخ الإسلام رحمه الله: الإله هو الذي تُلِهَ القلوب محبة وذلًا وإنابة وتعظيمًا وتوكُّلًا وخوفًا ورجاءً». هذا هو الإله، هذا هو الإله. قال: «وكذا قال ابن القيم وابن رجب وغيرهما من أهل العلم». وبعد التعريف والتفخيم صار علمًا على ربنا جل وعلا. معنى هذه العبارة: أن لفظ «الإله» كما تقدم، لفظ «الإله» كما تقدم يكون أو وضع لكل معبود بحق أو بباطل، بحق أو بباطل. أما لفظ الجلالة «الله»، أي: بعد أن دخلت الألف واللام وفُخِّما، فلا يفهم منه إلا الإله الحق، فلا يفهم منه إلا ماذا؟ إلا الإله الحق. فإذا قال إنسان لإنسان: «اعبد، اعبد الله، الله ربنا» وما شابه ذلك، لم يفهم إلا الإله الحق. بخلاف من قيل له: «اعبد، اعبد إلهًا، اعبد إلهًا»، قد يفهم منهم هذا وهذا. هذا الأمر واضح أم لا؟ قال رحمه الله تعالى: «قال سيبويه، وسيبويه هو أحد أئمة اللغة المشهورين». قال سيبويه: «هو أعرف المعارف». لفظ الجلالة «الله»، اسم الجلالة «الله»، قال: «هو أعرف المعارف مطلقًا؛ لأنه علم على رب عز وجل». قال تعالى ممتدحًا بذلك: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. وهنا الاستفهام مشرب معنى النفي، الاستفهام مشرب معنى النفي، فهو يفهم، فيفهم منهم النفي وزيادة، فيفهم منه النفي وزيادة، فهو أبلغ من قول القائل: «لا تعلم له سميًّا، لا تعلم له سميًّا». لأن النفي هنا أو الاستفهام أُشرب معنى النفي، فكأنه يقال: «هل تعلم له سميًّا؟» فالجواب: لا، وأن يكون له سمي، وأن يكون له سمي، تعالى الله عز وجل عن ذلك. واضح هذا الأمر أم لا؟ فقولهم: ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾ أبلغ من قوله، من قول القائل: «لا تعلم له سميًّا». وهذا يدلنا على براعة القرآن وبلاغته. قال: «والدليل على أنه بمعنى العبادة، والدليل على أنه بمعنى العبادة»، أي: «أَلِهَ» بمعنى العبادة. قال: «قول رؤبة، وهو كذلك من شعراء الفصحاء المعروفين»: «لله دَرُّ الغَانِيَاتِ الْمُدْهِنِ / سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلِّهِنَّ». «سَبَّحْنَ وَاسْتَرْجَعْنَ مِنْ تَأَلِّهِنَّ». قال: «يعني من تَعَبُّدِي، يعني من تَعَبُّدِي». وهذا من كلام الشعراء العرب يبين لنا أن معنى «تَأَلَّهَ» معناها: تَعَبَّدَ، تَعَبَّدَ. وهذا يؤيد ما ذكره الشيخ رحمه الله. قال: «وقرأ ابن عباس، وقرأ ابن عباس: ﴿وَيَذَرُكَ وَآلِهَتَكَ﴾». هو ذكر هنا: «وَآلِهَتَكَ». والذي يحضرني الآن أن ابن عباس قرأها: ﴿وَيَدْرُكُ﴾ و«إِلَهَتَكَ» و«إِلَهَتَكَ» و«إِلَهَتَكَ»، أي: عبادتك، وزنًا ومعنى. أي: عبادتك وزنًا ومعنى. وهذا الأثر ثابت عن ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه. قال: «وما التعبيد فهو في الأصل التذلل، كما قال الشاعر». التعبيد، يعني الآن: يذهب معنى «عُبُودَة»، معنى «عُبُودَة». طيب. «وما التعبيد فهو في الأصل التذلل». التعبد بمعنى التذلل، هذا هو الأصل في إطلاق لفظ التذلل أو التعبد. قال: «كما قال الشاعر: تَبَارَيْنَ عِتَاقًا نَاجِيَاتٍ وَأَتْبَعْنَ وَظِيفًا وَظِيفًا فَوْقَ مَوْرٍ مَعْبَدٍ». الشاهد منه: «فَوْقَ مَوْرٍ مَعْبَدٍ». قال: «والمَوْرُ المَعْبَدُ هو الطريق المذلل، الطريق المذلل الذي صار طريقًا سهلًا للناس بسبب ماذا؟ بسبب مداومة الناس في السير على ذلك الطريق». قالوا: «في الاصطلاح»، أي: في الاصطلاح الشرعي. في الاصطلاح الشرعي. وها هنا فائدة يذكرها العلماء، وهي أن كل تعريف شرعي يدخل في التعريف الاصطلاحي ولا عكس. أي: تستطيع أن تقول: التعريف الشرعي بأنه تعريف اصطلاحي، ولا تقول: التعريف الاصطلاحي بأنه تعريف ماذا؟ تعريف شرعي. فمثلًا: تعريف النحاة لبعض ما اصطلحوا عليه يسمى تعريفًا ماذا؟ اصطلاحيًا، ولا يقال: شرعيًا. بخلاف التعريف الشرعية، يقال فيها: إنها تعريف اصطلاحية أيضًا، باعتبار أن أهل الشرع اصطلحوا على هذا التعريف المعين لهذا الأمر المعين. قال رحمه الله: «وفي الاصطلاح هي أخص». أي: ردّ التعبد في الاصطلاح أخص من التذلل فقط. قالوا: «في الاصطلاح هي أخص؛ لأنه لا بد فيها من وجود الركن الأعظم وهو الحب، وهو الحب». ففي الشرع: التعبد أو العبادة ما جمعت أمرين كما مر معنا وسنأتي: الحب والتعظيم مع الذل. قال رحمه الله: «قال في الكافية»، أي: قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في الكافية الشافية: «عِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ، هُمَا قُطْبَانِ». قال: «عِبَادَةُ الرَّحْمَنِ غَايَةُ حُبِّهِ»، الركن الأول: غاية الحب. قال: «مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ، مَعَ ذُلِّ عَابِدِهِ، هُمَا قُطْبَانِ، هُمَا قُطْبَانِ». فالعبادة مدارها على هذين الأمرين: على غاية المحبة وغاية الذل، وغاية الذل. لذا قال: «هُمَا قُطْبَانِ»، أي: تدور العبادة، رحى العبادة يدور عليهما. قال: «والقطب هو الأس الذي عليه المدار، الذي عليه المدار». قال: «وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى». قال: «وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى، لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه، فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص». هذا الكلام للشيخ رحمه الله تعالى يبين أن «لا إله إلا الله» لم تفد نفي الآلهة فقط، بل أخص من ذلك، فهي أفادت نفي الآلهة الباطلة المستحقة، المستحقة للعبادة، وإثبات العبادة لله وحده سبحانه وتعالى. لذا قال: «قال: وبهذا يتبين أن المقصود نفي استحقاق العبادة عن غيره تعالى». فغير الله قد عُبد، ولكنه لا يستحق هذه العبادة، وإنما المستحق للعبادة وحده هو الله عز وجل. قال: «لا نفي وجود التأله والتعبد لسواه»، أي: «لا إله إلا الله» لا تفيد نفي التعبد لسواه. قال: «فإن نفي وجوده مكابرة للحس والنص». للحس: أن بالحس، سواء كان بالبصر أو بالسامع أو ما شابه ذلك، قد علم علم يقين أن هناك من الناس من اتخذ آلهة مع الله عز وجل، عبدها وتقرب إليها بأنواع من القربات وأنواع من العبادات. وهذا لا يخفى على أحد من المسلمين ممن علم وتعلم التوحيد الخالص في الأزمان الأولى. قد علم أن الناس اتخذوا آلهة عبدوها مع الله عز وجل في زمن نوح إلى زماننا هذا. والناس ما يمر زمن إلا وظواهر الشرك تحدث وتظهر، وأحيانًا تقوى وأحيانًا تضعف، بحسب الأماكن والأزمان، وبحسب الدوافع، وبحسب الموانع أو الحواجز، وبحسب المسهلات. فهذا أمر محسوس. بل في زمننا هذا نرى كثيرًا من الناس أو بعض الناس ممن خُذِل، توجه إلى القبور والأضرحة، يقدم إليها ويقرب إليها القربان. منهم من يذبح لتلك القبور ولتلك القباب، ومنهم من ينذر، ومنهم من يستغيث، ومنهم من يدعو، ومنهم من يزهد ويبكي ويتمسح بتلك القبور. وهذه العبادة عين العبادة قد صرفت لغير الله عز وجل. فهذا الفاعل قد اتخذ ذلك القبر أو تلك القبة أو صاحبها إلهًا مع الله عز وجل، شاء أم أبى؛ لأنه كما مر معنا: الإله بمعنى المألوه، والمألوه بمعنى المعبود. وكل من صرف العبادة لغير الله عز وجل فقد اتخذ ذلك المعبود إلهًا يعبده من دون الله عز وجل. فهذا معلوم بالحس، كما أنه معلوم كذلك بالنص، أي: قد جاء به القرآن يدل عليه، وكذا السنة. قال: «مستدلا من القرآن، قال تعالى: ﴿وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزًّا﴾». هذا نص قرآني. لو لم ندرك بالحس، لو لم ندرك بالحس أن الشرك قد وقع، وأن من الناس من اتخذ مع الله إلهًا، وجاء النص، لكان واجبًا على كل مؤمن أن يقر به، وأن يؤمن به، وأن يصدق بمقتضى هذا النص. فكيف والأمر أجل وأعظم؟ فقد جاء به النص كما جاء به الحس والواقع. قال: ﴿وَقَالَ أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. ﴿أَئِفْكًا آلِهَةً دُونَ اللَّهِ تُرِيدُونَ﴾. وقال عن صاحب يس: ﴿أَأَتَّخِذُ مِنْ دُونِهِ آلِهَةً﴾، أي: أتقرب إليها وأعبدها مع الله عز وجل. قال: «فسمى معبوداتهم على اختلاف أجناسها آلهة، على اختلاف أجناسها، سواء كانت الكواكب كما في زمن إبراهيم عليه السلام، أو كانت الأصنام حجارة أو أشجارًا أو ما شابه ذلك في زمن نوح ومن بعده، وفي زمن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم حينما كان المشركون على تلك الهيئة». قال: «آلهة وعبادة غير الله، وعبادة غير الله وجدت وانتشرت واشتهرت في الأرض من عهد قوم نوح، من عهد قوم نوح». قد جاء في البخاري من حديث ابن عباس في تفسيره لسورة نوح: ﴿وَلَا تَذَرَنَّ﴾ ﴿وَلَا تَذَرُنَّ﴾ ﴿وَدًّا وَلَا سُوَاعًا وَلَا يَغُوثَ وَلَا يَعُوقَ وَلَا نَسْرًا﴾. قال ابن عباس رضي الله عنه وأرضاه: «قال: هذه أسماء، هذه أسماء رجال صالحين كانوا في زمن نوح عليه السلام. فمرت الأيام، فجاء بعض الناس وزين لهم الشيطان، قال لهم: لو أنكم اتخذتم لهؤلاء الصالحين صورًا، إذا رأيتموها تذكرتموهم ونشطتم على العبادة. فسول لهم الشيطان ذلك، فعملوا تلك التصاوير، فصوروهم. وكان بادئ الأمر أن كانوا ينظرون إلى تلك الصور فتنشط معهم العبادة. فلما، فلما مرت الأيام واندرس العهد، جاءهم الشيطان، جعلوا يعبدونهم ويتقربون إليهم بأنواع من العبادات، حتى بعث الله عز وجل فيهم نوحًا عليه السلام. ثم لم تزل كذلك هذه الأصنام، وانتشرت الأصنام ها هنا وها هنا. ثم جاء ذاك الخزاعي، وأدخل الأصنام إلى جزيرة العرب بعد أن كانت طاهرة منها، وعبد الناس الأصنام، وزين لهم الشيطان أعمالهم، فصدهم عن السبيل فهم لا يهتدون». قال رحمه الله: «وقد تقدم أن من عبد، أن من عبد شيئًا فقد اتخذه إلهًا، ويدل عليه قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ * لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * وَلَا أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ * وَلَا أَنْتُمْ عَابِدُونَ مَا أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾». فالله عز وجل قال لنبيه صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ». فهم عبدوا غير الله عز وجل، عبدوا الآلهة الباطلة، عبدوا أصنامًا وأحجارًا، بل بعضهم عبدوا ترابًا كما جاءت الآثار في ذلك. جاءت بعض الآثار أن الرجل منهم ربما صنع تمرًا وقال: «هذا إلهي أعبده». من التمر يعبد تمرًا صنعه بيده. فإذا جاء أكل ذلك التمر، أكل إلهه. انظروا يا أيها المسلمون كيف كان الجهل، كيف كان العرب في جاهلية جهلا. في النهار يعبده ويتقرب إليه بالقربات، فإذا جاء أول ما يبدأ يأكل من ذلك الإله، يأكل من ذلك الإله الذي صنعه بيده. وآخر ربما جمع كومة من التراب ووضع عليها اللبن حتى تتماسك، وعبدها في أول النهار، وفي آخر النهار انتقل إلى إله آخر يعبده، كما ذكر ذلك بعض السلف رضي الله عنهم وأرضاهم، بعد أن هداه الله عز وجل ودخل في الإسلام. فهذا يبين ما كان عليه العرب من الجاهلية الجهلاء، بل والفتنة العمياء. تدل على أن من اتخذ إلهًا دون الله عز وجل فهو، فهو في سفاهة، بل في غاية الجهل، وفي غاية الغباء. وإلا كيف يكون إلهًا له في أول النهار، وفي آخر النهار يأكله؟ فهذا يدلنا على ما كان عليه العرب من الحالة المزرية الرديئة، التي حولها الله عز وجل بعد ذلك ببعثة رسوله صلى الله عليه وسلم إلى نور وهداية وخير وفلاح ونور، وذلك من فضل الله الذي آتاه من شاء من عباده. نكتفي بهذا القدر، إلى هنا. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.