الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 41، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشرح بتوضيح معنى الحديث النبوي ومدى صحة سنده، مع التركيز على أهمية اتباع ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم لتحقيق الإيمان الكامل.
يفسر الهوى في الإسلام على أنه الميل المجرد، سواء كان إلى الحق أو الباطل، ويبرز أهمية أن يكون هذا الميل متوافقا مع تعاليم النبي صلى الله عليه وسلم لتحقيق الإيمان الكامل.
يشرح معنى الإيمان ودرجاته، مؤكدا أن كمال الإيمان يتطلب الاتباع والانقياد لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم، وأن مخالفة ذلك تؤدي إلى نقص في الإيمان.
يؤكد أن من علامات صدق محبة الله ورسوله هو الاتباع والطاعة، وأن من يدعي المحبة مع عصيان الله ورسوله فهو كاذب في دعواه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام أبو زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتابه الأربعين النووية: الحديث الحادي والأربعون، عن أبي محمد عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به». قال: حديث حسن صحيح، رويناه في كتاب الحجة بإسناد صحيح. قال الشارح - وفقه الله -: هذا الحديث عزاه المصنف إلى كتاب الحجة على تاركي المحجة لأبي الفتح نصر بن إبراهيم المقدسي، وهو الشافعي الفقيه الزاهد، نزيل دمشق. وهذا الكتاب متضمن لذكر أصول الدين على قواعد أهل الحديث والسنة، كما ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه جامع العلوم والحكم. قال: ولم يظفر به بعد، ويوجد له مختصر مجرد من الأسانيد. وأخرج هذا الحديث من هو أشهر منه، فرواه ابن أبي عاصم في كتاب السنة، وأبو نعيم الأصبهاني في حلية الأولياء، وإسناده ضعيف. وتصحيح هذا الحديث بعيد من وجوه بيّنها أبو الفرج ابن رجب في جامع العلوم والحكم. نعم، ذكر الحافظ ابن رجب رحمه الله في شرحه لهذا الحديث في جامع العلوم والحكم، وخلاصتها ثلاثة أشياء: الأمر الأول، أو العلة الأولى، هو تفرد نعيم بن حمد المروزي بهذا الحديث. ونعيم بن حمد، وإن كان إماما في السنة، إلا أنه ضعيف بالحديث. والأمر الثاني أنه اختلف عليه في إسناده. والأمر الثالث أنه كذلك في إسناده عقبة بن أوس السدوسي، وهو مجهول. فالحديث ضعيف لا يصح. قال: لكن أصول الشرع تصدقه وتشهد بصحة معناه دراية؛ يعني من حيث الرواية والسند ضعيف، لكن من حيث الدراية والمعنى فهو صحيح. ويذل على هذا المعنى قول الله عز وجل: ﴿فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما﴾. فنفى الله عز وجل الإيمان عن من لم يتحاكم إلى الكتاب والسنة، فلا يحصل الإيمان - أي أصله أو كماله - إلا لمن تحاكم إلى الكتاب والسنة، ورضي بحكم الله ورسوله، ولم يجد حرجا في نفسه شيئا من ذلك. وهكذا أيضا قول الله عز وجل: ﴿وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم﴾؛ يعني ليس للإنسان اختيار ولا هوى مع أمر الله ورسوله، ما عليه إلا أن ينقاد ويتبع. وهكذا أيضا حديث: «لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من ولده ووالده والناس أجمعين»، نعم، نحو ذلك من الأدلة. قال: والهوى هو الميل المجرد؛ يعني يميل إليه قلب الإنسان، سواء كان إلى الحق أو إلى الباطل. وهذا هو المعنى العام للهوى، هو مطلق الميل، فقد يطلق على الميل للحق، وإن كان الغالب هو الميل إلى غير الحق، لكن قد يطلق ذلك على الميل للحق. ويكون مرادا به هنا المعنى المطلق والعام للهوى. ومنه قول عائشة رضي الله عنها للنبي عليه الصلاة والسلام: «ما أرى ربك إلا يسارع في هواك» - الحديث الصحيح في البخاري -؛ يعني فيما تميل إليه وتحبه، وهنا بمعنى الميل والمحبة. وهكذا أيضا في قصة أسارى بدر، لما استشار النبي صلى الله عليه وسلم الصحابة، أشار عليه أبو بكر بأخذ الفداء، وأشار عليه عمر بقتلهم، فمال النبي صلى الله عليه وسلم إلى قول أبي بكر. قال عمر رضي الله عنه: «فهوى النبي صلى الله عليه وسلم قول أبي بكر، ولم يهوى ما قلت»؛ يعني لم يمل إلى ما قلته، ومال إلى قول أبي بكر، فهذا الميل من المعنى العام أيضا. حديث أنس في قصة الأعرابي الذي سأل عن الهوى، سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن الهوى، فقال: «المرء مع من أحب يوم القيامة»، هو أيضا من هذا المعنى. قال: هو الميل المجرد، ويغلب إطلاقه على خلاف الحق، فيكاد يكون الثاني مراد الشرع؛ يعني يكون المراد بذكر الهوى هو الميل عن الحق. وهذا هو الغالب في إطلاق الهوى، أنه يطلق على الميل إلى غير الحق، كما في قول الله عز وجل: ﴿ومن أظلم ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾، ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه﴾، نعم، ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبط أعمالهم﴾. والآية الأخرى: ﴿واتبعوا أهواءهم﴾. فأكثر ما يطلق اتباع الهوى على ترك الحق والميل إلى الباطل؛ سواء كان ذلك بالوقوع في الشرك في عبادة الله عز وجل، فما وقع المشركون في عبادة غير الله إلا بالهوى، إلا بالهوى. ﴿ومن أظلم ممن اتبع هواه بغير هدى من الله﴾، نعم. وهكذا أيضا وقوع البدع هي تقع باتباع الهوى، ولهذا سمي أهل البدع بأهل الأهواء؛ لأنهم يتبعون أهواءهم ويميلون إلى الباطل ويتركون الحق. وهكذا أيضا وقوع الإنسان في المعاصي هو اتباع للهوى؛ هو يتبع هواه وشهوة نفسه ورغبتها، فيرتكب المعصية بسبب ذلك. فهذا هو الغالب في إطلاق الهوى، هو ترك الحق والوقوع في الباطل. قال: فللهوى معنيان: أحدهما الميل المجرد، وهو المراد في هذا الحديث؛ يعني هذا الهوى بمعنى العام، فقد يكون في الحق وفي الباطل. فهنا الهوى في الحديث بمعنى الميل؛ يعني ميله، محبته. والآخر: ميل القلب إلى خلاف الهدى؛ ميل القلب إلى خلاف الهدى، وهذا هو الغالب في إطلاق الهوى، هو اتباع الباطل؛ سواء كان في ميل القلب إلى اتخاذ ندا مع الله، أو في الوقوع في المعاصي أو البدع إلى آخره. قال: فيكون معنى هذا الحديث: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون ميله تبعا لما جئت به»؛ يعني هواه بمعنى ميله، بمعنى ميله؛ فلا يؤمن أحدكم حتى يكون ميله تبعا لما جاء به النبي عليه الصلاة والسلام في شرعه ودينه؛ فلا يحصل له الإيمان - إما أصله وإما كماله - إلا بذلك. قال: والإيمان المنفي في هذا الحديث يحتمل معنيين: أحدهما أن يكون المنفي أصل الإيمان، وذلك إذا كان المراد بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم ما لا يكون العبد مسلما إلا به من أصل الدين؛ كالإيمان أو اعتقاد الشهادتين ونطقهما، وهكذا وجوب الصلاة ووجوب الصيام ووجوب الحج. فإذا لم يقر العبد بهذه الأصول وهذه الأركان، هنا لم يتحقق له أصل الإيمان؛ فيكون قوله: «لا يؤمن أحدكم» يعني حقيقة الإيمان وأصل الإيمان؛ إلا إذا مال قلبه إلى ما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم من الشرائع والأحكام، ومنها الفرائض والواجبات وأركان الإسلام. فإذا لم يؤمن بأحد منها أو جحد شيئا منها، فهو كافر ليس بمؤمن؛ فيكون هنا النفي لأصل الإيمان. ﴿ذلك بأنهم كرهوا ما أنزل الله فأحبطوا أعمالهم﴾. وكراهة شيء من الدين مما أمر الله عز وجل به أو رسوله عليه الصلاة والسلام من نواقض الإسلام. والآخر: أن يكون المنفي كمال الإيمان؛ وذلك إذا كان المراد بما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم مما يكون العبد مسلما دونه، مما زاد على أصل الدين. نعم، المعنى الآخر: أن يكون المنفي كمال الإيمان، ليس أصل الإيمان، وإنما الأعمال والأمور التي يحصل بها كمال الإيمان؛ فلا يؤمن - أي لا يكمل إيمان العبد - حتى يكون هواه تبعا لما جاء به النبي صلى الله عليه وسلم فيما ثبت في الكتاب أو في السنة من الأوامر؛ سواء كانت واجبة أو مستحبة مما هي من كمال الإيمان. فهذا إذا ترك شيئا من ذلك، يكون هنا قد فاته كمال الإيمان، ليس أصل الإيمان؛ كمن وقع في شيء من الذنوب المعاصي مما لا تخرج صاحبها عن دائرة الإسلام. فهذا فاته كمال الإيمان؛ فهوى نفسه مثلا إلى الغيبة أو النميمة أو الكذب أو التعامل بالربا أو شرب الخمر أو الوقوع في الزنا أو غير ذلك من أنواع الذنوب المعاصي؛ هذه الشريعة جاءت بتحريمها، ونفسه وهواه مال إلى فعلها، ففعلها؛ هنا يكون ماذا؟ قد فات كمال الإيمان في حقه. أو كذلك شيء من الواجبات التي إذا تركها الإنسان لا يخرج عن أصل الإسلام، لكن يكون آثما؛ كمن ترك الجماعة، صلى منفردا من غير عذر، وترك صلاة الجماعة؛ هذا يكون ترك واجبا مما أمر به الشرع؛ فيكون هنا فاته كذلك شيء من كمال الإيمان، ونحو ذلك. فهذا الحديث يدل على أنه ينبغي للمسلم أن يكون منقادا للكتاب والسنة؛ إن أراد أن يتحقق له كمال الإيمان؛ فينبغي أن لا يعارض شيئا مما جاء في كتاب الله أو ما جاء في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ بل يكون حاله الاتباع والانقياد؛ كما قال الله عز وجل: ﴿اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلا ما تذكرون﴾. وهكذا قوله عز وجل: ﴿وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا﴾. وكما سمعنا في الآيات: ﴿ما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة﴾؛ ليس له اختيار وهواه؛ يقول: لا، أنا أميل إلى غير هذا مما جاء به الله ورسوله؛ لا ينقاد ويتبع؛ بهذا يكون المؤمن كامل الإيمان بالاتباع والانقياد. نعم، وترك ميل الهوى الذي يخالف دين الله عز وجل ويخالف شرع الله سبحانه وتعالى. وهذا أيضا من دلائل المحبة؛ من أقوى دلائل المحبة هو الاتباع؛ «قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم الله غفور الرحيم». لأن من أحب شيئا أو أحب أحدا اتبعه؛ فإذا كنت تحب الله فلابد أن تتبع أوامر الله وتتبع أحكام الله وتنقاد إليها؛ إن كنت تحب الرسول عليه الصلاة والسلام فلابد أن تتبع سنته وأن تتبع أوامره وأن تجتنب نواهيه؛ فهذا هو دليل المحبة، هو الانقياد والاتباع. أما إذا كان الإنسان يدعي المحبة بقوله وبلسانه، ثم هو يخالف سنة النبي عليه الصلاة والسلام، ولا ينقاد لأوامره، ولا يترك نواهيه؛ فهذا كاذب في دعواه؛ وكما قيل: تعصي الإله وأنت تزعم حبه ... هذا لعمري في القياس بديع لو كان حبك صادقا لأطعته ... إن المحبة لمن يحب مطيع الذي يدعي محبة الله عز وجل ومحبة الرسول عليه الصلاة والسلام، وهو يعصيه؛ هذا كذاب؛ هذا كذاب في دعواه بلا شك؛ لو كان صادقا لكان متبعا منقادا، مبتعدا عما نهى الله عز وجل ورسوله عليه الصلاة والسلام. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.