التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 39

الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 39، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مقدمة في شرح حديث التجاوز

يبدأ الشرح بتوضيح حديث النبي صلى الله عليه وسلم حول التجاوز عن الخطأ والنسيان والإكراه، ويبين صحته من حيث السند والمعنى. يستشهد بآيات قرآنية وأحاديث نبوية لتدعيم المعنى المقصود.

أسباب عدم المؤاخذة على الأفعال

يفصل هذا الجزء الأسباب الثلاثة التي تعفي الإنسان من المؤاخذة وهي الخطأ والنسيان والإكراه، موضحا أنها تبرر عدم المسؤولية سواء في الأقوال أو الأفعال. يستشهد بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية لدعم هذه الأسباب.

تفصيل حكم الأفعال والأقوال تحت الإكراه

يناقش هذا الجزء تقسيم الإكراه إلى قسمين: ما يمكن تداركه وما لا يمكن تداركه، ويوضح الأحكام المتعلقة بكل قسم مع أمثلة توضيحية.

العذر بالجهل وتوضيح أحكامه

يتناول هذا الجزء العذر بالجهل في الكلام، موضحا أن الجهل أحيانا يعذر به الإنسان، ويشير إلى انتهاء الحديث بالصلاة على النبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام زكريا يحيى بن شرف النووي رحمه الله في كتاب الأربعين النووية: الحديث التاسع والثلاثون، عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه». قال: حديث حسن، رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما. قال الشارح -أفقه الله-: هذا الحديث أخرجه ابن ماجه بلفظ: «إن الله وضع عن أمتي»، قال: وأخرجه البيهقي أيضا بلفظ قريب منه، وإسناده ضعيف. والرواية في هذا الباب فيها لين، ورواية بألفاظ مختلفة: «إن الله وضع»، «إن الله تجاوز»، «إن الله رفع». والحديث ضعفه بعض الأئمة كأبي حاتم رحمه الله وغيره، فضعفه بجميع ألفاظه، هذا من حيث السند. أما من حيث المعنى، فهو صحيح، وتشهد له أدلة من الكتاب والسنة في التجاوز عن الإنسان فيما صدر منه على سبيل الخطأ أو النسيان أو الإكراه، مثل قول الله عز وجل: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، وهكذا أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾، وهكذا قول الله عز وجل في الإكراه: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾. قال أولا: عزو الحديث إلى ابن ماجه يغني عن ذكر البيهقي، فالحديث المروي في الكتب الستة اتفاقا أو انفرادا -عندي-: «انفردا» صواب، «انفرادا» لا يعزى إلى غيرها حال الاختصار في التخريج، كالواقع في المتن الحديثي المجردة. يعني إذا أراد المخرج أن يختصر في تخريج الحديث، فإذا كان في الكتب الستة فيكتفي بعزوه إلى الكتب الستة، وهي البخاري ومسلم والسنن الأربعة، فيقول: أخرجه الستة، أو إذا كان في الصحيحين فيقول: متفق عليه، وإذا كان في السنن ورواه أهل السنن الأربعة فيقول: أخرجه الأربعة، أو الثلاثة إذا كان أخرجه أبو داود والترمذي والنسائي. يعني يكتفي بعزوه إلى الكتب الستة إما كلها وإما بعضها، فيقول: هذا كافي في عزو الحديث إذا كان قد أخرجه بعض أصحاب الكتب الستة. قال: والداعي إلى عزو المصنف له إلى البيهقي كونه شافعيا، يعني الإمام النووي رحمه الله على مذهب الإمام الشافعي، والإمام البيهقي كذلك على مذهب الإمام الشافعي، فلهذا قال: «رواه ابن ماجه والبيهقي وغيرهما»، مع أنه لو قال: «رواه ابن ماجه» كان هذا كافيا؛ لأن ابن ماجه أحد الكتب الستة، فزاد ذكر البيهقي لأنه من أئمة الشافعية. قالوا: في هذا الحديث بيان فضل الله على هذه الأمة بوضع المؤاخذة عنها في ثلاثة أمور، يعني في قوله: «إن الله وضع»، وضع ماذا؟ هل المراد وضع حقيقة الخطأ والنسيان والإكراه أن الإنسان لا ينسى ولا يخطئ ولا يكره؟ الجواب: لا، إذا المراد هنا الموضوع هنا محذوف، التقدير: الإثم والمؤاخذة، «إن الله وضع عن أمتي» يعني وضع الإثم والمؤاخذة فيما حصل منها على سبيل الخطأ أو النسيان أو المكره. قال: أحدها الخطأ، والمراد به هنا وقوع الشيء على وجه لم يقصده فاعله، أن يقع الفعل من الإنسان أو القول وهو لم يقصد أن يفعله، هذا يسمى خطأ، فهذا يعذر فيه الإنسان، ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾، ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. مثله في القول ما جاء في حديث أنس بالصحيحين في قصة الرجل الذي أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عنه أنه فقد ناقته وفيها زاده وطعامه حتى أيس منها، فالرجع تحت شجرة أو ظل شجرة، فبينما هو كذلك إذ وجدها قائمة عنده، فأخذ بخطامها، فقال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك». قال: أخطأ من شدة الفرح، هذا القول كفر، هذا القول كفر، لكن صدر منه على سبيل الخطأ، فلم يؤاخذ على هذا القول لأنه لم يقصد ولم يتعمد، وإنما حصل منه خطأ. كذلك لو أن إنسانا أراد أن يصيد صيدا فرمى ووقع السهم أو الرصاص على إنسان فقتله، هل يدخل في قول الله عز وجل: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا﴾ في جزاء جهنم إلى آخر الآية؟ الجواب: لا، لماذا؟ لأنه قتله على سبيل الخطأ، هو لم يقصد قتله ولم يتعمد قتله، فأخطأ في ذلك، فيكون معذورا من حيث الإثم، لكن عليه الضمان، عليه الدية. فهكذا إذا حصل خطأ من إنسان في القول أو في الفعل فإنه لا يؤاخذ به، ويعذر بما صدر منه على سبيل الخطأ. قال: وثانيها النسيان، وهو ذهول القلب عن المعلوم المتقرر فيه، النسيان ذهول القلب عن شيء معلوم، شيء يعلمه لكن ذهل قلبه عنه ونسيه وغفل عنه ففعله، فهذا لا يؤاخذ، كذلك لا يؤاخذ، سواء كان في القول أو الفعل. مثال القول لو أن إنسانا يصلي ونسي أنه في الصلاة فتكلم، ناداه شخص: يا فلان، قال: نعم، ها هو في الصلاة، نسي أنه يصلي، هل تبطل صلاته؟ الجواب: لا، لا تبطل، مع أن الكلام في الصلاة محرم ومبطل للصلاة، لكن نسي أنه في الصلاة فتكلم، فصلاته صحيحة، ولا تبطل صلاته. طيب كذلك أيضا ما يتعلق بالفعل، كالأكل والشرب حال الصيام، إنسان صائم في نهار الصيام فنسي أنه صائم فأكل وشرب، ما حكم صيامه؟ صحيح، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه». إذن لا يؤاخذ ما حصل منه عن طريق النسيان من قول أو فعل. كذلك لو نسي الصلاة، نسي أن يصلي صلاة حتى خرج وقتها، إن شغل بشيء فذهل عن الصلاة ونسيها حتى خرج وقتها، هل يأثم؟ الجواب: لا، لا يأثم؛ لأنه لم يتعمد تركها، وإنما حصل على سبيل النسيان، فمتى ما ذكر يصليها، من نام عن صلاة أو نسيها، فوقتها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك. قال: وثالثها الإكراه، وهو إرغام العبد على ما لا يريد، يعني أن يفعل الشيء مكرها من غير قصد ومن غير إرادة، فإذا حصل منه الشيء على سبيل الإكراه فلا يؤاخذ، سواء كان ذلك في الأقوال أو في الأفعال. لو أن إنسانا أكره على الطلاق أن يطلق زوجته، يقول: ما أريد أن أطلق، قاله: تطلق، تطلق، وإلا قطعنا رقبتك، وهم يستطيعون ذلك، قال: يالله طالق، أكره على تطليق زوجته، هل تطلق؟ الجواب: لا، ما يقع الطلاق، لأنه فعل ذلك على سبيل الإكراه. هكذا لو هو أعظم من ذلك، لو أكره على الكفر، أكره على الكفر أن يتكلم بكلام الكفر فتكلم وقلبه مطمئن بالإيمان، لم يضره ذلك ولم يخرجه ذلك عن دين الإسلام، كما قال الله جل وعلا: ﴿مَن كَفَرَ بِاللَّهِ مِن بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ﴾، إذا كان حال كذلك تكلم بكلام الكفر وقلبه مطمئن بالإيمان، فلا يضره ما تكلم به؛ لأنه تكلم بالكفر على سبيل الإكراه، هو مكره على أن يتكلم وينطق بهذا الكلام الكفري، فلا يقع عليه الكفر. فإذا كان هذا في حال الكفر فما دون ذلك من الأمور المحرمة من باب أولى أن الإنسان لا يؤاخذ بها إذا فعلها مكرها. طيب لكن في باب الإكراه قد يفرق -يعني- بين ما يتعلق بحقوق الله وما يتعلق بحقوق الخلق، حقوق الله مبنية على المسامحة، لو أكره على شيء يتعلق بحقوق الله فله أن يعني يفعله أو يتركه، وليس عليه شيء من حيث الضمان ومن حيث الإثم؛ لأن حقوق الله مبنية على المسامحة، كما لو أكره على الكفر أو أكره على ترك الصلاة حتى يخرج وقتها، وفي هذه الحال يبغي أن يصلي على ما يستطيع، «إنسان حبس وربط، جاء وقت الصلاة، يصلي بقدر ما يستطيع»، ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ليس عليه شيء. طيب أكره على الفطر في رمضان، أدخل الطعام أو الماء كرها إلى فمه وإلى جوفه، نقول: أنت صائم، صومك صحيح؛ لأنك مكره على هذا المحرم وهذا الإثم، فليس عليك شيء. أما حقوق الخلق وما يتعلق بحقوق الناس فيفصل فيها، يفصل فيها، فما كان يمكن تداركه من الأقوال والأفعال فيجوز فيه الإكراه أن يفعل ما أكره عليه، ما يمكن أن يتدارك من الأقوال والأفعال فيجوز أن يفعل ما أكره عليه. وأما ما لا يمكن تداركه من الأقوال والأفعال فلا يجوز أن يفعله حال الإكراه، مثال الأول: لو أكره الإنسان على الطلاق كما ذكرنا في المثال السابق، لا بأس يطلق؛ لأنه يمكن تدارك ذلك، يقول: أنا أكرهت وما أردت أن أطلق، فلا يقع الطلاق، فيرفع هذا القول ويتدارك ما تكلم به. أو كذلك لو أكره على أن يشهد بشهادة زور يكون فيها أخذ لمال الآخرين بغير حق ففعل ذلك وتكلم وشهد بهذه الشهادة الباطلة لدفع الضرر عن نفسه، هذا ممكن تداركه، يرجع بعد ذلك يقول: أنا أكرهت وهذه الشهادة باطلة، أنا أكرهت على هذا القول لأجل دفع الضرر عن نفسه، فهذا جائز. طيب كذلك في الأفعال إذا أكره أن يأخذ مالا على أخذ مال لإنسان، قيل له: هات لنا المال فلاني وإلا قتلتك، فأخذ هذا المال سرقة، نهبه إلى آخر ذلك حتى يعطيه لمن أكرهه له أن يفعل ذلك حتى يدفع الضرر عن نفسه، ثم يتدارك ذلك بضمان هذا المال، بضمان هذا المال. أما ما لا يمكن تداركه فهنا ما يجوز، هنا ما يجوز أن يعني يفعل ما أكره عليه، مثاله لو أكره مثلا على أن يشهد أن فلان زنى، أو أنه قتل، فلو شهد بذلك سيقام الحد على هذا المشهود عليه، وإذا قيم عليه الحد وقتل ما يمكن أن يتدارك، ماذا يرفع هذا الحد؟ فهنا ما يجوز، ما يجوز أن يتكلم بهذا الكلام أو يشهد بهذه الشهادة لدفع الضرر عن نفسه. أو إذا أكره على قتل إنسان، يقال له: إما أن تقتل فلانا وإلا قتلناك، هنا ما يجوز أن يقتله، ويقول: المضطر أنا أكرهت أن أقتله، هنا ما يجوز، يصبر ويقتل ولا يقتل نفسا محرمة لأجل أن يدفع الضرر عن نفسه، ففي هذه الحال لا يجوز له أن يفعل ما أكره عليه. أو هكذا ما يتعلق بالأعراض، لو أكره على الزنا على الزنا بإمرأة عفيفة، فيقول: المضطر، نقول له: ما يجوز، ما يجوز أن تدفع الضرر عن نفسك بانتهاك عرض محرم، لا يجوز، بل تصبر ولو قتلت، ولو قتلت، ولا يجوز لك أن تفعل ما أكرهت عليه من الزنا. طيب على هذا التفصيل، قال: وبما معنى الوضع نفي وقوع الإثم مع وجودها، يعني مع وجود هذه الأفعال والأقوال في حال الخطأ والنسيان والإكراه، فلا يؤاخذ عليها الإنسان، وضع عنها الإثم والمؤاخذة، قال: فلا إثم على مخطئ ولا ناس ولا مكره، بذلك مما رفعه الله عنا رحمة بنا. أيضا يلحق بهذه الأشياء الثلاثة الجهل، كذلك الجهل، لو حصل الفعل من الإنسان أو القول عن سبيل الجهل، هو جاهل بالحكم، فهذا معذور، يعذر، مثل من جهل أن الكلام في الصلاة محرم، ويجهل هذا الحكم ما يعرف أن الكلام ما يجوز، فتكلم في الصلاة، فالصلاة صحيحة، كما في قصة معاوية بن الحكم لما تكلم في الصلاة، ما أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعيد الصلاة؛ لأنه كان جاهلا بالحكم. وهكذا إذا فعل شيء جاهلا بحكمه، كمن صلى صلاة لا يطمئن فيها في الركوع والسجود إلى آخره حتى خرج وقت هذه الصلاة، هو معذور، «غصة المسيء في صلاته»، كان لا يطمئن في الصلاة جهلا بحكم الطمأنينة، فلم يأمر النبي صلى الله عليه وسلم بقضاء الصلوات الفائتة التي قد صلاها على هذا الحال؛ لأنه جاهل، لأنه جاهل. هكذا يتكلم الإنسان بكلام كذلك هو جاهل بحكمه، فإنه يعذر، فالجاهل أيضا من العذار التي لا يؤاخذ عليها الإنسان. طيب إلى هنا، صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.