شرح العقيدة الواسطية للهراس 50

الدرس في شرح العقيدة الواسطية للهراس 50، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

الرد على المعتزلة في نفي الرؤية بالأدلة القرآنية والسنية والإجماع

يستعرض الشارح أدلة رؤية المؤمنين لربهم يوم القيامة مستدلاً بآيات النظر والزيادة والمزيد والحجاب عن الكفار، ويرد تأويلات المعتزلة اللغوية معتبراً إياها تكلفاً وتحريفاً. يؤكد أن الأحاديث في الرؤية متواترة وأن السلف كأحمد والشافعي أجمعوا على ثبوتها.

تواتر أحاديث الرؤية والرد على المعتزلة ومسألة رؤية الكفار والمنافقين

يؤكد المقطع أن أحاديث رؤية الله متواترة معنوياً، ومنكرها كافر بعد إقامة الحجة، ويرد على استدلال المعتزلة بآية {لا تدركه الأبصار} مبيناً أن نفي الإدراك لا ينفي الرؤية المطلقة. يناقش أقوال العلماء في رؤية الكفار والمنافقين، مرجحاً رؤيتهم في الموقف ثم حجبهم بعده.

الرؤية في الآخرة والمنام والفرق بين رؤية المؤمنين والكافرين

يبيّن أن المؤمنين والكافرين والمنافقين يرون الله يوم القيامة، لكن رؤية المؤمنين نعيم ولذة بينما رؤية الكافرين خوف ووجل بلا نعيم. يناقش خلاف السلف في رؤية النبي لربه ليلة المعراج مرجحاً أنها رؤية قلبية، ويذكر خلاف العلماء في جواز رؤية المؤمن لربه في المنام مع التحذير من غلو الصوفية.

مفهوم الفناء في التصوف والرد على دعوى كشف الحجاب لرؤية الله في الدنيا

يشرح نوعين من الحب عند الصوفية: حب الهوى وهو الفناء في الله، وحب الله لذاته الذي يزعمون أنه يستدعي كشف الحجاب لرؤية الله في الدنيا. ينقل رد شيخ الإسلام ابن تيمية على هذا الفناء، ويبين بطلان دعوى الرؤية في الدنيا مستدلاً بأحاديث النبوة بأن الرؤية تكون في الآخرة فقط.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشارح الهراس رحمه الله: "وهذه الآيات التي أوردها المؤلف حجة على المعتزلة". طيب، يعني ما تقدم قد مر معنا كلام فيه حجة على المعتزلة في نفيهم الرؤية. فإن الآية الأولى عُدِّي النظر فيها بإلى، فيكون بمعنى الإبصار، يقال: نظرت إليه وأبصرته، بمعنى واحد، سواء قلت: نظرت إليه أو أبصرته. فالنظر بمعنى النظر بالأبصار، وهذا مجمع عليه عند أهل اللغة، إن النظر المراد به نظر البصر، وإنما يطلق على النظر بالأبصار. قالوا: متعلق النظر هو الرب جل شأنه، هو جل وعلا المرء المنظور الذي ينظر إليه جل وعلا. قالوا: أما ما يتكلفه المعتزلة من جعلهم ناظرة بمعنى منتظرة، وإلى بمعنى النعمة، والتقدير: ثواب ربها منتظرة، فهو التأويل المضحك، التأويل المضحك؛ لأنه فيه تكلف واضح، فيه تكلف واضح. فهم قالوا: في إلى بمعنى آلاء، وآلاء ليس كإلى كما تقدر، فآلاء جمع إلا، وهي النعمة، مفردها إلا، وآلاء نعم، جمع تكتب بالألف، ألف لام ألف، ألف همزة أسفل الألف، إلا، إلا، وآلاء ليست بالألف المرجعة، وإنما بالألف الممدودة. هذا واضح فيه التكلف والتحريف. أيضا تسير الانتظار، النظر بالانتظار كما تقدم باطل؛ لأن النظر عُدِّي بإلى، خلاف النظر إذا عُدِّي بـ "إذا" لم يعد فهو بمعنى الانتظار، إذا لم يعد فهو بمعنى الانتظار. "نظرونا نقتبس أو بالبع فناظرة بما يرجع المرسلون"، فناظرة بما، أي منتظرة. وأما بإلى فبمعنى النظر، فلا ينظرون. "أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت، فانظروا إلى ثمره إذا أثمر وينعه". طيب، وأما "فنظرة إلى ميسرة"، فنظرة إلى ميسرة، لا يقال: النظر عُدِّي بإلى هنا، وأنتم تقولون: النظر إذا عُدِّي بإلى فهو بمعنى النظر بالبصر، وهنا "فنظر إلى ميسرة" بمعنى فانتظار، كيف تقولون: النظر إذا عُدِّي بإلى هو بمعنى نظر بالبصر، وهنا عُدِّي بإلى وهو بمعنى الانتظار؟ الجواب على هذا: أن هنا "فنظرة"، فنظرة كسر الظاء، "فنظرة إلى ميسرة" ليس من النظر، من الانتظار، نظرة عندها، نظرة ونظر كسر الكسر انتظار، نظرة ونظرة ونظرة ونظرة، نظر بالبصر، ففرق، فليس هنا "فنظرة" من النظر بكسر الضاء، اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. عندنا نظرة ونظرة، نظر ونظر، فرق، فالمعنى يختلف، فلا يخالف القاعدة. هذا لا يخالف القاعدة، وهو أن النظر إذا عُدِّي بإلى بمعنى النظر بالبصر. وقوله: "على الأرائك ينظرون"، قد يقول قائل: لم يعد، لم يعد النظر، "على الأرائك ينظرون"، وأنتم تفسرون النظر هنا بالنظر بالبصر، وهو لم يعد بإلى. فالجواب: نقول بل معد بإلى، لأن المراد: على الأرائك ينظرون إلى ربهم جل وعلا، ينظرون إلى كل نعيم وأعظمه النظر إلى رب العالمين جل وعلا، لأن الآية في سياق الامتنان على الأبرار: "إن الأبرار لفي نعيم، على الأرائك ينظرون". فهم في نعيم على أرائك ينظرون، فدل هذا على أن هم ينظرون إلى النعيم، وأعظم النعيم النظر إلى رب العالمين جل وعلا. لا يقال: على أرائك ينظرون أو ينتظرون، لا يناسب تفسير النظر هنا بالانتظار؛ لأن المقام مقام نعيم، والانتظار ليس من النعيم، الانتظار ليس من النعيم. سيد صار ينتظر، تمر عليه اللحظات ثقيلة، والآية سيقت في مقام الثناء على الأبرار وذكر ما هم فيه من نعيم. فهنا في السياق محذوف مقدر، وتقديره: على الأرائك ينظرون، أي إلى النعيم، وأعظم النعيم رؤية رب العالمين جل وعلا، بدلالة السياق الآية؛ لأنها سيقت في الثناء على الأبرار وذكر ما هم فيه من النعيم. قال رحمه الله تعالى: "وأما الآية الثانية فتفيد أن أهل الجنة وهم على أرائكهم"، يعني سررهم، جمع أريكة، "ينظرون إلى ربهم كما تقدم". قال: "أما الآيتان الأخريتان فقد صعنا يسلم تفسير الزيادة بالنظر إلى وجه الله عز وجل". الآيتان الأخريتان: الآية الأولى: "للذين أحسنوا الحسنى وزيادة". جاء تفسير الزيادة عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه فسر هذه الزيادة بالنظر إلى وجه الله، حين يأتي ربنا جل وعلا أهل الجنة وهم في الجنة، فيكشف عن وجهه فينظرون إلى وجهه جل وعلا. قول هنا: "والآية الثانية"، الآية الثانية إنما جاء فيها تفسير عن السلف، لم يثبت عن النبي عليه الصلاة والسلام. قال: "فقط صع عن النبي عليه الصلاة والسلام تفسير الزيادة في الآيتين، صحناه في الآية الأولى، أما الآية الثانية وهي قول جل وعلا: {لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد}، فسر المزيد هنا بالنظر إلى وجه الله الكريم، لكن ليس عن النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما عن الصحابة، يعني عن أبي بكر وعن جماعة من الصحابة والسلف". قال: "ويشهد لذلك أيضا قوله تعالى في حق الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، فدل حجب هؤلاء على أن أولياءه يرونه". وأحاديث الرؤية متواترة، يعني هذه الآية: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، يخبر الله جل وعلا في هذه الآية أنه حجب الرؤية على الكفار، هذا منطوق الآية، منطوق الآية أن الله جل وعلا حجب الرؤية عن الكفار فلا يرونه في حال السخط، سخط الله جل وعلا عليهم وعاقبهم بهذا، فدلت الآية، دلت الآية على أن المؤمنون يرونه بالمفهوم، بالمفهوم تدل الآية على أن المؤمنون يرون الله جل وعلا، كما استدل بذلك الشافعي والإمام أحمد رحمهم الله تعالى وغيرهم. استدل بهذه الآية على رؤية رب العالمين يوم القيامة، قالوا: إن الله جل وعلا أخبر أنه في حال السخط حجب الكفار عن رؤيته، وهذا يدل على أن المؤمنين يرونه حال الرضا، حال الرضا جل وعلا عنهم. ونقل هذا عن الشافعي في أكثر من مؤلفات أهل السنة، والإمام ابن القيم الحمد للتعالى يقول في نونيته: "ولقد أتى في سورة التصيف أن ولقد أتى في سورة التصيف أن الكفار لا يرونه نعم أو أن القوم قد حجبوا نعم ولقد أتى في سورة التصيف أن القوم قد حجبوا عن رؤية الرحمن فدل بالمفهوم أن المؤمنين يرونه في جنة الحيوان وبذا استدل الشافعي وأحمد رحمهم الله تعالى وغيرهم من عالم الأزمان" يقول: "ولقد أتى في سورة التطفيف"، أي في سورة المطففين، "أن القوم قد حجبوا عن رؤية الرحمن"، أي الكفار: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، فدل بالمفهوم، يعني مفهوم الآية، فدل بالمفهوم أن المؤمنين يرونه في جنة الحيوان، وبذا استدل الشافعي وأحمد، أن المؤمنين، وبذا استدل الشافعي وأحمد، وبذا استدل الشافعي وأحمد وسواهما من عالم الأزمان. إذن الآية استدل بها السلف كالشافعي وأحمد وغيرهم على رؤية رب العالمين جل وعلا يوم القيامة. قد نقل الإجماع في الرؤية، في رؤية رب العالمين جل وعلا، ولم يخالف إلا الضلال ممن ضل من الخوارج والجهمية والمعتزلة وغيرهم. والأحاديث في ذلك متواترة. وقال هنا الهراس رحمه الله: "وأحاديث الرؤية متواترة في المعنى". تواتر هنا ليس تواترا لفظيا، تواتر التواتر، تواتر معنوي، يعني أحاديث مختلفة ليس فيها ذكر الرؤية جميعا لكن كلها تدل على معنى الرؤية، تدل على معنى الرؤية. وذلك ذكرت الرؤية، ذكرت أحاديث الرؤية من ضمن الأحاديث المتواترة كما قال القائل: "مما تواتر أحاديث من كذب ومن بنى لله بيتا واحتسب ورؤية شفاعة والحوض ومسح خفين وهذه بعض مما تواتر" حديث من كذب: أي من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده، فليتبوأ مقعده في النار. ومن تواتر حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب: أي من الحديث المتواترة ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام: من بنى لله بيتا، من بنى لله مسجدا، بنى له الله بيتا في الجنة. ومن تواتر حديث من كذب، ومن بنى لله بيتا واحتسب، ورؤية، وحديث الرؤية متواترة، وشفاعة، الحديث في الشفاعة، والحوض، الحديث في الحوض، ومسح خفين: أي حديث المسح على الخفين. وهذه بعض، يعني بعض مما تواترت به الأحاديث. ولذلك ألف العلماء في الرؤية كالدارقطني رحمه الله وغيره من السلف، أفردوا مؤلفات في هذا الباب في الرؤية. ومنكر الرؤية كفره السلف، كما جعل إمام محمد رحمه وتعالى حين سئل عن منكر الرؤية، قال: هو كافر. لماذا؟ لأن أحاديث الرؤية متواترة عن النبي عليه الصلاة والسلام، فمن أنكر الرؤية فهو كافر، والمعين بتوفر الشروط وانتفاء الموانع في حقه. لكن يقال: من أنكر الرؤية كفر، من قال القرآن مخلوق كفر. زيد من الناس قال القرآن مخلوق، قال: هو كافر، هذا تقام عليه الحجة. من قال: الله لا يرى يوم القيامة فهو كافر. زيد من الناس يقول: الله لا يرى يوم القيامة، تقام عليه الحجة، فإذاقيمت عليه الحجة بتوفر الشروط وانتفاء الموانع حكم عليه بالكفر، هو الذي يقيم الحجة عليه من كان أهلاً لذلك، من كان أهلاً لإقامة الحجة، ليس لكل أحد. نعم، قال: طيب، متواتر في المعنى عند أهل العلم بالحديث، لا ينكره إلا مكابر. وأما محتج به المعتزلي من قوله تعالى: {لا تدركه الأبصار}، فلا حجة لهم فيه؛ لأن نفي الإدراك لا يستلزم نفي الرؤية. فالمراد أن الأبصار تراه ولكن لا تحيط به رؤية، كما أن العقول تعلمه ولكن لا تحيط به علماً. لأن الإدراك هو الرؤية على جهة الإحاطة، فهو رؤية خاصة، ونفي الخاص لا يستلزم نفي مطلق الرؤية. يعني المنفي رؤية خاصة، المنفي رؤية خاصة وهي الرؤية بإحاطة، هذا المنفي، والمثبت هي الرؤية من غير إحاطة، فنفي الخاص لا يلزم منه نفي العام. وعندنا خاص منفي وعام مثبت، ونفي الخاص لا يستلزم نفي العام. فالمنفي الرؤية الخاصة التي هي الإدراك، وهي الرؤية بماذا؟ بإحاطة. وأما الرؤية من غير إحاطة فهي مثبتة، فهي مثبتة في الآخرة، وأما في الدنيا فلا. قال: لأن الإدراك هو الرؤية على جهة الإحاطة، طيب، فهو رؤية خاصة، ونفي الخاص لا يستلزم نفي مطلق الرؤية. وقد ذلك استدلالهم على نفي الرؤية بقوله تعالى: {قال رب أرني أنظر إليك قال لن تراني}، لا يصلح دليلا، بل الآية تدل على الرؤية من وجوه كثيرة: منها وقوع السؤال من موسى وهو رسول الله وكليمه، وهو أعلم بما يستحيل في حق الله من هؤلاء المعتزلة، فلو كانت الرؤية ممتنعة لما طلبها. ثانيا: أن الله عز وجل علق الرؤية على استقرار الجبل حال التجلي، وهو ممكن، والمعلق على الممكن ممكن. ثالثا: أن الله تجلى للجبل بالفعل وهو جماد، فلا يمتنع إذن أن يتجلى لأهل محبته وأصفيائه. وأتم معنى الكلام فيه: قالوا: أما قولهم إن "لن" لتأبيد النفي، وإنها تدل على عدم وقوع الرؤية أصلا، فهو كذب على اللغة، فقد قال تعالى حكاية عن الكفار: {ولن يتمنوه أبدا}، ثم قالوا: {نادوا يا مالك ليقض علينا ربك}، فأخبر عن عدم تمنيهم للموت ب "لن"، ب "لن"، ثم أخبر عن تمنيهم له وهم في النار. وإذن فمعنى قوله: {لن تراني}، أي لن تستطيع رؤيتي في الدنيا لضعف قوى البشر فيها عن رؤيتي سبحانه. ولو كانت الرؤية ممتنعة لذاتها لقال: إني لا أرى، أو لا يجوز رؤيتي، أو لست بمرئي، ونحو ذلك. إذن في الآية "لن تراني" ليس فيها أنه جل وعلا لا يرى، لأنه إذا كانت الرؤية ممتنعة وأن الله جل وعلا يمتنع عليه أن يراه أحد، فقال: إني لا أرى، هذا معنى لا أرى، يعني مطلقا لا أرى أبدا، نعم، أو لست بمرئي، لست بمرئي، هذا الذي فيه أن الله جل وعلا لا يرى مطلقا، فيه نفي الرؤية مطلقا. أما "لن تراني" كما تقدم لا تفيد نفي الرؤية مؤبدا، نعم، لأنها تأتي وقد يراد بها النفي المؤقت، النفي المؤقت، كما أن المنافقين في الدنيا لا يتمنون الموت، نعم، مؤقتا في الدنيا، والآخرة يتمنون، وهكذا الرؤية في الدنيا منفية، فالنفي مؤقت، أي في الدنيا، وأما في الآخرة فيرونه جل وعلا. وهناك مسألة تتعلق بأبحاث الرؤية، إنه يتعلق برؤية الناس لله عز وجل يوم القيامة، هل الرؤية يوم القيامة خاصة للمؤمنين أو كذلك يراه غير المؤمنين؟ المسألة فيها أقوال: فمنها قول من يقول: الرؤية يوم القيامة خاصة لأهل الإيمان فقط، الذي يراه يوم القيامة المؤمنون فقط، أما الكفار فلا يرونه، والمنافقون كذلك لا يرونه. استدلوا بقول جل وعلا: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، أي محجوبون عن الرؤية. ومنها قول من قال: يراه الكفار، أو يراه المنافقون، يراه المؤمنون والمنافقون، يراه المؤمنون والمنافقون؛ لأن المؤمنين، لأن المؤمنين يأتون مع، لأن المنافقين يأتون مع المؤمنين، لأن المنافقين يأتون يوم القيامة مع المؤمنين، فيقال لهم: من تنتظرون؟ يقولون: ننتظر ربنا. فيقال لهم، كما جاء في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين: فيقال: من تنتظرون؟ يقولون: ننتظر ربنا. فيقال: هل بينكم وبينه علامة؟ يقولون: نعم، يكشف لنا عن ساقه، يكشف لنا عن ساقه، فيكشف ربنا جل وعلا عن ساقه، فيسجد له المؤمنون، وكل من كان يسجد له في الدنيا طواعية، يعني طاعة، ويأتي المؤمنون، يأتي المنافقون ليسجدوا، فتعود ظهورهم طبقا، لا يستطيعون السجود. وهذا كما في قوله جل وعلا: {يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون}، فلا يستطيعون، المنافقون لا يستطيعون السجود، في الدنيا كانوا يغالطون، نعم، وينافقون بسجودهم وركوعهم، لكن يوم القيامة لا يستطيعون، يريدون السجود نفاقا، نفاقا كما كانوا في الدنيا، فلا يستطيعون. الشاهد أن المنافقين مع المؤمنين يرون الله جل وعلا، والمؤمنون يسجدون، والمنافقون لا يستطيعون. وذلك من هذا القول من قال: يراه المؤمنون والمنافقون، بهذا الحديث. ومن هذا قول من قال: يراه المؤمنون والكفار كذلك في الموقف، يراه المنافقون والكفار، يراه كل أحد في الموقف، لكن بعد ذلك يحجب، يحجب عنهم جل وعلا: {كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون}، يعني يكون الحجب بعد الموقف، في الموقف يرونه، وبعد ذلك يحجب عنهم فلا يرونه. حتى مع إثبات الرؤية هنا أمر ينتبه له: حتى مع إثبات الرؤية، يعني المؤمنون يرون الله عز وجل، والمنافقون يرون الله عز وجل، والكفار يرون الله عز وجل، لأنه قد جاء في بعض الأحاديث عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كذلك يراه جماعات من أهل الكتاب، جماعات من أهل الكتاب وهم كفار، جاء في الأحاديث أنهم يرونه مع أهل الإيمان. لكن نفرق بين رؤية المؤمنين لله جل وعلا، ورؤية المنافقين والكافرين. الرؤية التي يراها المنافقون والكافرون لله جل وعلا رؤية ليس معها نعيم، رؤية ليس معها نعيم، بخلاف رؤية المؤمنين لله جل وعلا، سواء كان في الموقف أو غيرها، رؤية المؤمنين لله جل وعلا في الموقف وفي الجنة كلها رؤية نعيم، كلها رؤية نعيم. أما الرؤية التي أثبتتها النصوص للمنافقين وللكافرين ليست رؤية فيها نعيم، للمنافقين على خوف وعلى وجل، نعم، خافون الفضيحة في ذلك اليوم، هم يعرفون أنهم على كذب في إيمانهم، فكيف يتنعمون برؤية الله عز وجل؟ نعم، وهكذا الكفار. فالنصوص التي أثبتت الرؤية للمنافقين وللكفار ليس معها نعيم. إذن الصحيح والله أعلم، من قوة العلم، أن الله جل وعلا يراه المؤمن يوم قيامه، ويراه الكفار، ويراه المنافقون، لأنه قد ثبت ذلك في الأدلة. لكن رؤية المؤمنين رؤية معها نعيم وتلذذ، نعم، بخلاف رؤية المنافقين ورؤية الكافرين. مثل أخرى: هر أن يبعا للمسلم ربه، مثل أختلف فيها السلف، كذلك. فابن عباس يقول: رأى أن يبعا للمسلم ربه، وعايشة رضي الله عنها كما جاء في البخاري، لما سألها مسروق: هر أن يبعا للمسلم ربه؟ قالت: لقد قف شعري، لقد قف شعري، قام شعري مما قلت، من زعم أن يبعا للمسلم رأى ربه فقد أعظم الفرية، أو فقد كذب. ولذلك حصل خلاف بينهم العلم: ابن عباس يثبت رؤية، رؤية أن يبعا للمسلم ربه، وعايشة في ذلك، فما هو الصحابي؟ هذا حصل خلاف بينهم العلم: منهم قول من قال: رأى أن يبعا للمسلم ربه، ومن العلم من قال: لا، لما جاء عن عايشة. والصحيح في هذا أن الرؤية الثابتة أن يبعا للمسلم إنما رؤية بالقلب، رؤية قلبية، لأنه قد جاء من عباس أنه قال: رأاه بفؤاده، رأاه بفؤاده، أي بقلبه. فابن عباس يثبت الرؤية القلبية من النبي عليه السلام لربه، وعايشة نفت الرؤية البصرية. هكذا يجمع بين قول ابن عباس وقول عايشة. قول ابن عباس فيه ثبات الرؤية للمسلم ربه، وعايشة فيه، والحق أن ابن عباس إنما أراد الرؤية بالقلب، بل قد جاء من عباس صحيح الإمام مسلم، صحيح الإمام مسلم، جاء من عباس قال: رأاه ربه بفؤاده، تصريح بفؤاده، في هذا التصريح أراد الرؤية بالقلب، وعايشة نفت الرؤية البصرية، ليست الرؤية بالفؤاد، الرؤية بالبصر، هذا هو الحق في هذه المسألة. لأن ابن عباس سلم حين سئل: ما في مسلم، هل رأيت ربك ليلة أعرج بك، ليلة المعراج؟ قال: حجابه النور، نعم، نور، أن أراه، حجابه النور، لو كشفه لأحرق سبحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه، كما جاء في حديث موسى الأشعري رضي الله تعالى عنه. فالنبي سلم رأى الحجاب، رأى الحجاب، قال: رأيت نورا، والنور هو الحجاب، الحجاب، فإذا النبي سلم لم يرى ربه صويتا بالبصر، لماذا؟ لأن الله جل وعلا حجابه النور، حجابه النور، وأنه سلم رأى الحجاب، إذا رأى النور ولم ير الله جل وعلا. من المسائل: هل يرى المؤمن ربه في الدنيا؟ نعم، هذه مسألة حصل فيها خلاف، يعني هل ممكن يرى المؤمن ربه في المنام، اقصد في المنام، الرؤية المنامية، هل يمكن للمؤمن أن يرى مثلا رؤية منامية يرى فيها ربه جل وعلا؟ من العلما أجاز ذلك، قال: يرى صورة حسنة، صورة حسنة بقدر ما معه من الإيمان، والناس يتفاوتون في هذه الرؤية بقدر إيمانهم، فمن كان إيمانه قويا بالله جل وعلا رأى رؤية منامية، نعم، صورة حسنة، لا يمكن أن ماذا يشرحها أو يبينها، يعجز، نعم، يعجز عن شرحها لأحد تفصيلها، والناس يتفاوتون في ذلك. الشيخ الإسلام نسب إليه هذا، جواز هذا، جواز هذا. ومنها قول من منع، وجعل ذلك خاصا بالنبي عليه الصلاة والسلام، لأنه جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: رأيت ربي ليلة البارحة في أحسن صورة، رأيت ربي في أحسن صورة، وهو حديث حسن، وهذه الرؤية منامية، رأى النبي سلم ربه في المنام في صورة حسنة. فحصل الخلافة: هل يمكن أيضا أن تقع لغير النبي عليه الصلاة والسلام، أو خاصة بالنبي؟ فمن جعلها خاصة قال: خاصة بالنبي عليه الصلاة والسلام. ومن قال: كذلك يمكن المؤمن أن يرى ربه، والأمر في هذا واسع، نعم، لا يترتب تضليل على أحد، الذي قال: يمكن المؤمن يرى ربه في المنام لا يضلل، لا يضلل لإحتمال قوله، احتمال قوله، لأن التخصيص النبي عليه الصلاة والسلام بذلك يحتاج إلى دليل، أن يكون خاصا بالنبي عليه الصلاة والسلام، وإن كان لأولا يقال: هذا ثبت للنبي عليه الصلاة والسلام ويقتصر عليه، لأنه قد يستدل الإنسان: ما حصل لمسلم قد يحصل لأمته، وما ذا أنه ليست من الخصوصيات، نعم، إنه قد يحصل للمؤمن، نعم. والمسألة يعني مذكورة في كلامها العلم، بين من يجوز ومن لم يجوز، لكن لم يكفر لحدهما الآخر، لأن المسألة محتملة، حتى أنه يصعب في هذا الترجيح، نعم، ما يتوقف الإنسان في الترجيح بين هذين القولين، فيقول: الله أعلم، عدم استناد على شيء، نعم، يجزم به أن الراجح كذا أو كذا، فالله أعلم فوق كله بعلم عليم. طيب، هذه خلاصة المسألة التي تذكر في هذا، نضيف إلى ما تقدم: الذين خالفوا، مرة معنا، الجهمية والمعتزلة، الخوارج، نعم، والروافض، هؤلاء كلهم نفاة، إلا الصوفية، كذلك أثبتوا لكن لم يثبت كما أثبتها أهل السنة، هناك أيضا منهم غلو في إثبات الرؤية، فجعلوا الرؤية لله حتى في الدنيا، وهم غلو المتصوفة، غلو المتصوفة، عندهم أن الله يرى في الدنيا، يرى في الدنيا، ولكن يزعمون أن العبد إذا اجتهد باجتهادات خاصة وبرياضات، رياضات خاصة، يسمونها مقام المجاهدة، مقام المجاهدة، مجاهدة نفسها برياضات، نعم، فتتجدل له مقام الحضرة الربوبية، ويكشف ربنا جل على الحجاب له، نعم، فيراه. قد ذكر هذا الغزالي في باب مقدمات المجاهدة، المجاهدة عندها للتصوف، هذا نوع من الرياضة يأتون بها والتحرك، نعم، وبعد ذلك يظهر لهم الشيطان، نعم، ويزعمون أنه رب العالمين جل وعلا يكشف لهم الحجاب. وذلك يقولون في بعض أبياتهم، نعم، خاطبون الله جل وعلا: "وحبك حبيني، حب الهوى، وحبا لأنك أهل لذاك فأما حب الهوى فشغلي بذكرك عما سواك وأما الحب الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب كي أراك" نعم، يقول له: حبك يا رب، حبي، نعم، الحب الأول هذا الذي يحبك أنني منشغل عن ذكرك، منشغل بك عن من سواك، يعني خلاص، وما يسمونه فناء، يسمون هذا الفناء في الله، الفناء في الله، مصطلح صوفي، نعم، بما أن الإنسان يفنى عن كل أحد إلا عن الله، ما يذكر شيئا إلا الله عز وجل، لا يذكر أهله ولا يذكر ولده ولا يذكر نفسه ولا يذكر من أمامه وفي أي مكان هو جالس، وإش هذه سماء ولا أرض، كل هذه خلاص، فناء عنها، نعم، ما يذكر إلا الله عز وجل، هذا الفناء، يعني هذا عظم من السكران، لأن السكران ربما يعرضك أنت فلان، وين جالسوا، نعم، وإش لابس، وإما هذا خلاص، خالي ينطاق التغطي، نعم، فهذا الحب الأول، الفناء. وقد ذكر الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى في التدمرية بالفناء، ووقت تامي، لأنه قد يراد به حق، فأهل السنة يوجهون تفسير الحق، وأما هؤلاء عندهم هذا الفناء يعني ما يذكرون أحدا إلا الله، هذا الحب الأول، الحب الثاني قالوا: الحب الذي أنت أهل، أنا وحبك، نعم، فأنشغل بك عن كل أحد، فلا أذكر أحدا إلا أنت، الحب الثاني، وحبك لأنك أنت أهل لهذا الحب، أهل لأن تحب، ولذلك عندهم أن الله جل وعلا إنما يعبد بالحب وحده، وهذا دخلهم في الزندقة، يعني يقول: نحن ما عبدنا الله خوفا من ناره ولا طمعا في جنته، نعم، وإنما عبدناه لماذا؟ لأنه لأننا نحبه، لأننا نحبه، عبدناه لأنه نحبه، فلا نخاف من ناره ولا نطمع في جنته، سبحان الله. طيب، وأما الحب الذي أنت أهل له فكشفك لي الحجب، يعني لما تكشف لي الحجاب عن وجهك كي أراك، واضح. وهذه لا شك هذا باطل، نعم. أنا بأسلم لم ينربه، هؤلاء أفضل، موسى يقول: رب أرني أن أنظر إليك، فيقول له: لن تراني، نعم، وهذا صاحب العمامة، ها، طويل العريضة، يقول: رب يكشف عنك الحجاب، فيكشف له، من أفضل، ها، من أكفر، من أفضل، إذا أولا صار أفضل من الأنبياء، ولا لا، أفضل الأنبياء، الله المستعان. وإنبا سلم قال: كما في مسلم عن بن عمر وغيره: "اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا"، اعلموا أنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا، يعني إنما الرؤية في الآخر. وسيأتي معنا في ذكر الشيخ الإسلام رحمة الله تعالى الأدلة من السنة على أيضا ما جاء في ذكر الرؤية من سنة النبي عليه الصلاة والسلام، وما يتعلق أيضا بها من مباحث، إضافة إلى ما ذكروا هنا في هذا الموضع في ذكر الآيات في الرؤية، والله أعلم. صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.