الدرس في شرح كتاب تجريد التوحيد المفيد 2، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
استهل المحاضر شرح كتاب "تجريد التوحيد المفيد" للإمام المقريزي مبيناً افتتاحية المؤلف ووصفه للكتاب، مع توضيح السياق التاريخي لتأليفه في عصر غلبت فيه الأشعرية واهتمام المؤلف بتوحيد الألوهية مخالفاً منهجهم.
ناقش المقطع تقسيمات التوحيد الثلاثة وعلاقة التلازم بينها مع نقد عدم ذكر توحيد الألوهية في إحياء علوم الدين، مبيناً أن المؤلف جمع بين منهج الأشاعرة وأهل السنة مستدلاً بالقرآن ومتبعاً تصنيف ابن القيم.
شرح المقطع تقسيم التوحيد إلى توحيد الربوبية بمعنى إفراد الله بالخلق والتدبير، وتوحيد الألوهية بمعنى إخلاص العبادة، ناقلاً تعريفات ابن القيم وابن أبي العز للربوبية والألوهية.
اختتم المتحدث التعريف الحالي مشيراً إلى شمولية مقصد المؤلف ووعداً بشرح التعريف بالتفصيل في الدرس اللاحق، ثم أنهى الجلسة بالشكر.
بسم الله الرحمن الرحيم، والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فإِن شاء الله تعالى نبدأ في كلام المؤلف رحمه الله تعالى في هذا الكتاب، كتاب "تجريد التوحيد المفيد" للإمام أحمد بن علي المقريزي المصري رحمة الله عليه. يقول رحمه الله: بسم الله الرحمن الرحيم، وحسبه، الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، وصلى الله على نبينا محمد خاتم النبيين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد، فنقدم هذه المقدمة، كما هو معلوم، فهي مقدمة جاءت عن النبي صلى الله عليه وسلم: البدء بالبسملة والحمد، ودرج الناس على ذلك، أي: شرع الإسلام على البدء بالبسملة أو بالحمد أو بهما معًا. ثم أيضًا الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام، والأفضل أن يجمع بين الصلاة والسلام. والمؤلف هنا لم يذكر السلام، لكن الأفضل أن يجمع بين الصلاة والسلام؛ لأن الآية جاءت بالجمع بينهما: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾. قال رحمه الله: "وبعد، فهذا كتاب جمع الفوائد، بديع الفرائد". "جمع الفوائد": أي كثير الفوائد، فوائده كثيرة. "بديع الفرائد": أيضًا، "بديع" معناه أنه لم يسبق إليه، يعني: هناك أشياء في الكتاب لم يسبق إليها. وهذا صحيح؛ لأن في زمانه لم يكن يؤلف في مثل هذه المؤلفات، ولأن في زمانه -كما تقدم أن ذكرنا بالأمس- أن المؤلف كان في وقت أو في عصر قليل أهل السنة فيه، انتشرت الأشعرية. والأشاعرة لا يهتمون بالتوحيد، وإن اهتموا ذكروا التوحيد، فيردون به توحيد ربوبية. وتوحيد أيضًا في الأسماء والصفات عندهم توحيد النفي أو السلب. أنا عقيدتهم عقيدة نفي وسلب، فتجدهم إذا جاءوا إلى الصفات يقولون: الله ليس بكذا، وليس بكذا، وليس بكذا، فيعددون صفات سلبية. فالمؤلف خالفهم في هذا، أكثره، وإلا فكأنه تأثر في بعض كلامه ببعض كلام بعض الأشاعرة، وإن كان كان كأنه يجمع بين كلام أهل السنة وبين كلام الأشاعرة. لأن الأشاعرة غالبًا يهتمون بتوحيد ربوبية ويتركون توحيد العبادة. الآن عندك أكبر كتاب للأشاعرة: "إحياء علوم الدين" مثلًا، يمثل المذهب الأشعري الصوفي، فتجد فيه أكثر مباحث الإسلام من العقائد ومن الأخلاق ومن السلوك ومن غير ذلك من المباحث، إلا أنه ليس فيه توحيد الألوهية، وليس فيه أيضًا الجهاد في سبيل الله. أن هذين المبحثين من أفضل المباحث لم يذكرهما صاحب الإحياء، لم يذكرهما صاحب الإحياء. ولهذا كان بعض المغاربة يسمي "إحياء علوم الدين" يسميه "إماتة علوم الدين"؛ لما ترك ما هو أفضل، أو أفضل أنواع، أو أفضل ما ينبغي أن يذكر من أمور الإسلام، وهو توحيد الألوهية، وكذلك الجهاد في سبيل الله وغيرها. فلذلك أحيانًا كأن المؤلف يذكر بعض الأشياء ينقلها من "إحياء علوم الدين" أو من كتب الغزالي، ويريد أن يبين أنها توحيد. فلذلك تجد المؤلف يكثر في توحيد الربوبية أكثر من توحيد الألوهية. لكن المؤلف ذكر هذا وهذا، وكأنه جمع بين كلام هؤلاء الأشاعرة وبين كلام أهل السنة. لكن أهل السنة أيضًا كذلك يذكرون أيضًا الربوبية، توحيد الربوبية، كما هو معلوم؛ لأن توحيد الربوبية يتضمن توحيد الألوهية، وتوحيد الألوهية يلزم بتوحيد الربوبية. فإذا آمن الشخص، أو مثلًا آمن بربوبية الله، فلابد ويلزمه أن يوحد الله عز وجل ويعبد الله. ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾، فهو خلقكم وهو ربكم، فواجب عليكم أن تعبدوه. ولهذا قال جل وعلا في بداية سورة الفاتحة: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، هو يستحق الحمد والثناء والعظمة والعبودية لأنه رب العالمين جل وعلا. قال: "فهذا كتاب جمع الفوائد، بديع الفوائد، بديع الفرائد". "فرائد": جمع "فريدة"، وهي العشاء التي تنفرد عن مثيلاتها، فيسمونها "فرائد" لأنها لا توجد إلا في بعض الأماكن. قال: "ينتفع به من أراد الله والدار الآخرة، سميته كتاب تجريد التوحيد المفيد، والله أسأل العون على العمل به ومنه". قال: "أعلم أن الله سبحانه رب كل شيء ومالكه وإلهه". فهذه مقدمة في كلام في التوحيد؛ لأن التوحيد يتكلم به في باب الربوبية والألوهية والأسماء والصفات. فلذلك ذكر معالم هذا الشيء أو هذه التقاسيم الثلاثة، فقال: "رب كل شيء ومالكه وإلهه". فصفة الربوبية بالرب جل وعلا، أو توحيد الربوبية بالرب جل وعلا، وأنه رب كل شيء ومالكه، أيضًا كذلك يدخل في توحيد الربوبية، وأن له الملك، فهو أيضًا توحيد الأسماء والصفات. ولا شك أن الربوبية والأسماء والصفات تعلقهما واحد. ولهذا الإمام ابن القيم رحمه الله جعله قسمًا واحدًا، وهو توحيد المعرفة والإثبات. سماه الإمام ابن القيم في "مدارج السالكين"، وذكره أيضًا عنه الإمام ابن أبي العز في كتابه "شرح الطحاوية"، ولم يذكر اسمه، لكن ذكر التقسيم على أن هذا التوحيد يسمى توحيد المعرفة والإثبات: توحيد المعرفة والإثبات، وتوحيد الألوهية، توحيد الطلب. قال: "فالرب: مصدر رب يرب ربًا، فهو راب. ومعنى قول تعالى: ﴿رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ أي: راب العالمين. فإن الرب سبحانه تعالى هو الخالق الموجد لعباده". معنى "راب" هنا على زنة "فاعل"، أي: أنه مربوب على اسم المفعول، أي: مربوب. والصفة منه الربوبية. فهو راب، أي: مربوب، يرب عباده، رباهم على خلقهم ورزقهم وتسخيره لكل شيء لهم. فهو الموجد لعباده، القائم بتربيتهم وإصلاحهم، المتكمل بصلاحهم من خلق ورزق وعافية وإصلاح دين ودنيا. فهذا هو الرب جل وعلا. ولهذا عرف العلماء أن الرب هو المالك الخالق، أو بعضهم يقول: هو توحيد الله عز وجل بأفعاله، أفعال الله عز وجل من الخلق والرزق والتدبير والملك وغيرها، فتدخل تحت هذه الربوبية. رباهم جل وعلا بأفعاله سبحانه وتعالى ربًا، خلقه بأفعاله فهم مربوبون عنده جل وعلا. قالوا: "الإلهية: كون العباد اتخذونه سبحانه محبوبًا مألوها، ويفردونه بالحب والخوف والرجاء والإخبات والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل، ونحو هذه الأشياء". فإن التوحيد حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله تعالى رؤية تقطع الالتفات، الالتفاتك إلى الأسباب والوسائط. هذا توحيد الألوهية، هو توحيد العبادة، أن تخلص العبادة لله جل وعلا. وذكر أنواع العبادة هنا، أو من أنواع العبادة: الرجاء والإخبات والخضوع والخشوع، كما قال جل وعلا: ﴿وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾. قال: "والتوبة والنذر والطاعة والطلب والتوكل". الطلب هنا: سؤال، معنى الطلب: السؤال أو الدعاء. فهذه عبادات ذكر أمثال معنا، الأفعال العبادات التي تفعل لله جل وعلا. وتوحيد الألوهية كما هو معلوم: هو أنه لا معبود بحق إلا الله سبحانه وتعالى، فيعبد الله جل وعلا وحده، وهو مستحق للعبادة. والألوهية من "أله" الشيء إذا عبد، أو "عبد" فهو من العبادة. فالأُلوهية هي العبادة. إلهية: بمعنى عبادة، كما ذكر أهل اللغة. فلذلك فالمراد بالإلهية هي العبودية لله جل وعلا. فتوحيد الألوهية هو إخلاص العبادة لله. ثم قال: "فإن التوحيد حقيقته أن ترى الأمور كلها من الله رؤية تقطع تفاتك إلى الأسباب والوسائط". وهذا إن شاء الله تعالى التعريف، يريد المؤلف رحمه الله أن يجعله تعريفًا شاملًا. إن شاء الله نشرح هذا التعريف الذي ذكره المؤلف في الدرس اللاحق. فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم. شكرًا، شكرًا.