كتاب الحج 5

كتاب الحج 5

الدرس في كتاب الحج 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة

باب الفدية في الحج: تعريفها وسبب النزول وحديث كعب بن عجرة

يتناول هذا المحور مفهوم الفدية في الحج كبدل عما نقص من المناسك أو فداء للنفس عن العقوبة، ويوضح سبب نزول آية الفدية في سورة البقرة أثناء غزوة الحديبية. كما يورد حديث كعب بن عجرة رضي الله عنه الذي نزل فيه آية الفدية الخاصة بحلق الرأس، مبيناً خيارات الفدية: صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين، أو ذبح شاة.

فدية حلق الرأس في الإحرام وحكم إزالة الشعر والأظافر

يشرح المحور حكم من حلق رأسه أثناء الإحرام لعذر المرض، موضحاً أن الفدية مخيرة بين صيام ثلاثة أيام، أو إطعام ستة مساكين لكل منهم نصف صاع، أو ذبح شاة، مستنداً إلى آية البقرة وحديث كعب بن عجرة. ويناقش خلاف العلماء فيمن حلق لغير عذر وفي إزالة شعر غير الرأس وتقليم الأظافر، مرجحاً قول الجمهور بإلحاقها بشعر الرأس في وجوب الفدية.

حرمة مكة وفضل الصلاة في المسجد الحرام وقصة أبي شريح مع عمر بن سعيد

يسلط هذا المحور الضوء على حرمة مكة المستمدة من وجود البيت الحرام، ويذكر فضائل الصلاة في المسجد الحرام والمسجد النبوي والأقصى. ثم يسرد قصة أبي شريح الخزاعي حين نصح الأمير الأموي عمر بن سعيد بن العاص باحترام حرمة مكة ومنع سفك الدم فيها، فرفض الأمير النصيحة وتكبر عليها، ويختتم بالصلاة على النبي والحمد لله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء وإمام المرسلين نبينا محمد، وعلى آله وأصحابه وأزواجه وأتباعه، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، قال الإمام أبو محمد عبد الغني بن عبد الواحد بن علي بن سرور المقدسي رحمه الله تعالى في كتابه "عمدة الأحكام"، في كتاب الحج منه: قال رحمه الله تعالى: "باب الفدية". باب الفدية، والمقصود بالفدية ما يجب بسبب ترك واجب في الحج، ما يجب على المحرم إذا ترك واجباً في الحج، أو إذا فعل محظوراً من محظورات الإحرام، أو فعل محظوراً من محظورات الإحرام، فهي كما قال العلماء: بمعنى البدل عما نقص من المناسك، تعتبر بذلاً عما نقص من المناسك، وسميت فدية؛ قالوا: لأنها فداء للنفس عن العقوبة. سميت فدية لأنها فداء للنفس عن العقوبة. وربنا تبارك وتعالى يقول في كتابه العزيز: ﴿ وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ﴾. ﴿ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ ﴾ يعني: حصل ما يمنعكم من الاستمرار في النسك، في الحج أو في العمرة. قال: ﴿ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾. هكذا يقول الله عز وجل. وهذه الآية نزلت في غزوة الحديبية، لما منع المشركون النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من أداء مناسك العمرة، من أداء مناسك العمرة. وأورد رحمه الله تعالى في هذا الباب حديثاً واحداً، أورد حديثاً واحداً. قال رحمه الله تعالى: قال: عن عبد الله بن معقل قال: جلست إلى كعب بن عجرة، فسألته عن الفدية، فقال: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة. قال: حملت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، والقمل يتناثر على وجهي. "يتناثر" أي: يتساقط على وجهي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أرى الوجع بلغ بك إلى ما أرى، بلغ بك إلى ما أرى، أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك إلى ما أرى. أتجد شاة؟» لماذا الشاة؟ لكي يحلق شعره ويذبح هذه الشاة فدية. قال له: «أتجد شاة؟» يعني: تذبحها. قال: فقلت: لا. فقال: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، لكل مسكين نصف صاع». قال: وفي رواية: «فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقاً بين ستة، أو يصوم ثلاثة أيام، أو يصوم ثلاثة أيام». وهذا الحديث الذي ذكره المصنف رحمه الله تعالى يتعلق بفدية من حلق رأسه، فدية من حلق رأسه وهو محرم، وهو محرم. وهنا ذكر رحمه الله تعالى حديث عبد الله بن معقل، حديث عبد الله بن معقل، وفي بعضها: عبد الله بن مغفل، وهذا خطأ. وهذا خطأ. وعبد الله بن معقل رحمه الله تعالى يعتبر تابعياً، عبد الله بن معقل هو أحد التابعين، وليس له صحبة، وليس له صحبة. ووهم بعضهم فجعله عبد الله بن مغفل الصحابي الذي مر معنا بعض أحاديثه، بعض أحاديثه. وهكذا أيضاً... وهكذا أيضاً. صاحب الحديث هو الصحابي الجليل كعب بن عجرة. وكعب بن عجرة هو أبو محمد الأنصاري، قيل: أبو محمد الأنصاري، ويقال فيه: أبو عبد الله، وقيل: أبو إسحاق، وهو من بني سلمة بن عوف، وقيل: من بني سلمة بن... بلا حليف بني الخزرج. وكان رضي الله تعالى عنه من أصحاب بيعة الرضوان، من أصحاب بيعة الرضوان. يقول عبد الله بن معقل: قال: جلست إلى كعب بن عجرة. جاء في بعض الروايات أنه كان في مسجد الكوفة، في مسجد الكوفة. قال: فسألته عن الفدية، فسألته عن الفدية. فقال كعب بن عجرة: نزلت فيَّ خاصة، وهي لكم عامة. أي: سبب نزولها كان في حادثة وواقعة وقعت لي خاصة، لكن الحكم ليس يتعلق بخصوص السبب، وإنما هو بعموم اللفظ، كما هي القاعدة المعروفة عند أهل العلم. ثم ذكر رضي الله تعالى عنه أنه حمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم. من الذي قام بحمله؟ أهله قاموا بحمله. وهذا يدل على أنه كان وجعاً ويشتكي مرضاً شديداً، شديداً. فحمل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان ذلك في غزوة الحديبية، كان ذلك في غزوة الحديبية، والنبي صلى الله عليه وسلم في الحديبية خرج محرماً، وخرج معه أصحابه كذلك محرمين، محرمين بماذا؟ بحج أو عمرة؟ يا أبا العباس: محرمين بحج أو عمرة في غزوة الحديبية؟ محرمين بالحج أو العمرة؟ بالحج؟ أحسنت. طيب. نعم، عندك يا أبا وسامة: بالعمرة. كانوا محرمين بالعمرة. لم يخرج النبي صلى الله عليه وسلم حاجاً بعد أن هاجر إلى المدينة إلا مرة واحدة، وهي حجة الوداع، وهي حجة الوداع. وسبب هذه الغزوة هو أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى، ورؤية الأنبياء حق، رأى أنه هو وأصحابه يطوفون حول الكعبة، فأخبر أصحابه بذلك، وأخبرهم أنه سيخرج معتمراً. فلما بلغ الحديبية، هنا بركت ناقته القصواء، فقال الصحابة: خلأت القصواء، يعني: تعبت. فقال عليه الصلاة والسلام: «ما خلأت القصواء، وما ذاك لها بخلق، ولكن حبسها حابس الفيل». فمن حابس الفيل؟ عند أصحاب... نعم، حبسها الله عز وجل. ﴿ أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحَابِ الْفِيلِ ﴾، بأصحاب الفيل. فحبسها حابس الفيل. ثم عسكر النبي صلى الله عليه وسلم هو وأصحابه بالحديبية، وكان ما كان مما ذكره الله عز وجل في أمر الحديبية، وهكذا أيضاً ما جاء في الأحاديث النبوية الصحيحة. قال: قال: «والقمل يتناثر على وجهي». والقمل يتناثر على وجهي. وقوله رحمه الله تعالى: "والقمل يتناثر"، قلنا: أن يتساقط. والقمل معروف: حشرة صغيرة مؤذية، وهي تنتشر في البدن بسبب ماذا؟ متى ينتشر القمل في البدن بسبب ماذا؟ أحسنت. نعم، بسبب قلة النظافة، بسبب كثرة الأوساخ. فتجد أن القمل ينتشر في البدن، ليس في الشعر فقط، وإنما تجده في أجزاء في البدن، تجده في الثياب، تجده في الثياب، ويؤلم، وهكذا أيضاً يؤذي. قال: يتناثر على وجهي. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما كنت أرى». وقوله: "أرى"، أي: أظن. أن الوجع، أو الوجع بلغ بك إلى ما أرى. والوجع يعني: المرض والألم. بلغ: أي انتهى بك إلى ما أرى، أي إلى ما أشاهد، إلى ما أشاهد. وقال: «أو ما كنت أرى الجهد بلغ بك إلى ما أرى». ثم النبي صلى الله عليه وسلم سأل كعب بن عجرة سؤالاً، فقال له: «أتجد شاة؟» قال: فقلت: لا. أي: لا أجد شاة أذبحها وأوزع لحمها. فقال النبي صلى الله عليه وسلم له: «صم ثلاثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، لكل مسكين نصف صاع». والصاع كما مر معنا عبارة عن أربعة أمداد، ونصف صاع عبارة عن مدين، عبارة عن مدين. يُعطى ذلك كل مسكين، كل مسكين. فإذا كان لكل مسكين نصف صاع، فستة مساكين كم يحتاجون؟ يا خان، يا خان إبراهيم: ستة مساكين كم يحتاجون؟ نعم، لكل مسكين نصف صاع. نعم، نعم، ثلاثة أصع. ثلاثة أصع. ماذا يحتاجها في هذه الفدية؟ في هذه الفدية؟ قال: لكل مسكين نصف صاع. قال: وفي رواية: «فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يطعم فرقاً بين ستة». فرقاً: مكيال يبلغ ثلاثة أصع. ماذا يفعل به؟ يقسمه بين ستة مساكين. قال: «أو...» وماذا تفيد "أو"؟ ماذا تفيد "أو"؟ يا أبا الحسن: التخير. أحسنت، تفيد التخير. إذن هو مخير بين أن يطعم ستة مساكين، لكل مسكين نصف صاع، أو أنه يذبح شاة ويوزع لحمها على فقراء مكة، أو أنه يصوم... أما ذا... ثلاثة أيام، أو أنه يصوم ثلاثة أيام. فهو مخير... أما ذا... بين هذه الأمور الثلاثة. ونبه بعض أهل العلم أن صنيع المقدسي رحمه الله تعالى يشير إلى أن الرواية الثانية هي كذلك أيضاً من طريق عبد الله بن معقل عن كعب بن عجرة، وليس الأمر كذلك، فالرواية الثانية هي من طريق عبد الرحمن بن أبي ليلى عن كعب بن عجرة، وإنما أتى بها المؤلف رحمه الله تعالى لأنها صريحة في التخيير، صريحة في تخيير المحرم إذا وجبت عليه الفدية أنه يخير بين هذه الأمور الثلاثة، أنه يخير بين هذه الأمور الثلاثة الثلاثة. وهذا الحديث فيه بيان حكم من حلق رأسه أثناء الإحرام، أثناء الإحرام. وقد أجمع أهل العلم على أن المحرم إذا حلق رأسه، إذا حلق رأسه رأسه، فإنه عليه فدية، إذا كان الحلق بسبب... إله... بسبب وجع، بسبب جروح في رأسه، إلى غير ذلك، كما وقع لكعب بن عجرة رضي الله تعالى عنه. وقد نقل الإجماع الإمام ابن المنذر رحمه الله تعالى، وهكذا أيضاً نقله غيره من أهل العلم. وقال ربنا عز وجل: ﴿ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ﴾، أي: إذا أكملتم النسك وحان وقت الحلق، وحان وقت الحلق. قال: ﴿ فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ﴾. وهكذا أيضاً حديث الباب يدل على هذا الحكم، يدل على هذا الحكم. وقد مر معنا في الدرس الماضي أن مما يمنع منه المحرم إزالة الشعر، وهكذا إزالة الظفر، حال الإحرام، حال الإحرام. وأن من حلق شعره لعلة ومرض وعذر، فلا خلاف بين أهل العلم أنه يحلق، وأنه يفتدي، وأنه يفتدي، كما في الآية السابقة، وكذا أيضاً في حديث كعب بن عجرة الذي هو حديث الباب. وأما من حلق شعره لغير عذر ولغير علة، فكذلك أيضاً الذي عليه الكثير من أهل العلم هو أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وبين غير المعذور، أنه لا فرق في ذلك بين المعذور وبين غير المعذور. وهذا مذهب الإمام مالك والشافعي وغيره من أهل العلم، وغيرهما من أهل العلم. الإمام أحمد رحمه الله تعالى ذهب إلى أنه إذا حلق شعره من غير عذر، قال: عليه دم. عليه دم. إيش معنى "عليه دم"؟ يعني: يذبح شاة ويوزعها على فقراء الحرم، وليس مخيراً بين هذه الأشياء الثلاثة، وليس مخيراً بين هذه الأشياء الثلاثة. ومذهب جمهور من سبق من أهل العلم لا يفرقون بين من كان معذوراً أو كان غير معذور في إزالة شعر الرأس. قال العلماء: لا فرق بين من حلق، يعني: بموسى مثلاً، أو قص بمقص، أو نتف بيده، أو أزال الشعر بغير ذلك من المزيلات، كالبعض المساحيق، كالنورة وغيرها مما يزال به الشعر. لا فرق في ذلك بين من أزال الشعر بأي وسيلة من هذه الوسائل. قال ابن قدامة: لا نعلم فيه خلافاً. والخلاف جاء عن الإمام ابن حزم، فأخرج من أزال شعره بأن نتف، بأن نتف، قال: هذا... ماذا؟ ليس عليه فدية، ليس عليه فدية. وهنا مسألة أخرى تتعلق بإزالة الشعر للمحرم، وهي: ما إذا أزال غير شعر الرأس، مثلاً: أزال شعر الشارب، أو حلق لحيته، أو نتف إبطه، أو حلق عانته. فهل يجوز ذلك؟ وإذا قلنا لا يجوز، فهل حكمه كحكم إزالة شعر الرأس، أنه يكون فيه فدية؟ هناك خلاف بين أهل العلم. فأكثر العلماء على إلحاقه بشعر الرأس، قالوا: يلحق شعر الشارب واللحية والإبط والعانة وغيرها بشعر الرأس، لاجتماع العلة، وهو الترفه، وهو الترفه: يعني حصول الرفاهية وحصول الراحة عند الحلق وإزالة هذا الشعر. ولهذا يقولون: يجب عليه فدية. وخالف في هذا داود الظاهري، وهكذا ابن حزم وأصحابهما، فقالوا: المحرم يحرم عليه أن يزيل شعر الرأس فقط، كما دل على ذلك الآية والحديث، كما دل على ذلك الآية والحديث. ومال إلى هذا العلامة العثيمين، وهكذا أيضاً شيخنا الوادعي، رحم الله الجميع. والذي يظهر يا إخوان أن قول الجماهير من أهل العلم: أن المحرم ممنوع من إزالة غير ذلك من الشعور، وأنه إذا أزال شيئاً منها فعليه فدية، كالفدية التي هي على من حلق شعر رأسه، من حلق شعر رأسه. هذا هو الصحيح، والله تعالى أعلم. أما بالنسبة للأظفار، فأذكر كلام العلامة العثيمين رحمه الله تعالى، إذ يقول: قال: "وتقليم الأظفار لم يرد فيه نص قرآني، لم يرد فيه نص قرآني، ولا نبوي، ولا نبوي. قال: لكنهم قاسوه على حلق الشعر بجامع الترفه، بجامع الترفه. قال: وإذا كان داود في حلق بقية الشعر الذي بالجسم في إلحاقه بالرأس، يعني: يخالف، قال: فهذا من باب أولى". إلى آخر كلامه رحمه الله تعالى. وهذا فيه إشارة إلى أنه يقول بأنه لا يمنع المحرم من ذلك، لا يمنع المحرم من ذلك. والأحوط يا إخوان في هذا الباب أنه... ماذا؟ أنه لا يأخذ شيئاً من أظفاره إلا إذا تحلل، إلا إذا تحلل. قال رحمه الله تعالى: قال: "باب حرمة مكة". قال: باب حرمة مكة. وحرمة مكة يا إخوان هي مستمدة من هذا البيت الذي جعله الله عز وجل بها، فبسبب وجود البيت الحرام فإن الله تبارك وتعالى حرم مكة. حرمة مكة. والبيت الحرام هو أول بيت وضع للناس، كما أخبر ربنا عز وجل بذلك: ﴿ إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ ﴾، وهدى للعالمين. ورفع قواعده الخليل إبراهيم عليه الصلاة والسلام، ومعه ابنه إسماعيل، كما قالت: ﴿ وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، إنك أنت السميع العليم. وهذا البيت مكرماً ومعظماً ومحجوجاً إلى أن يفسد الزمان، ويقرب قيام الساعة، ويقرب قيام الساعة. فعندها يهدم البيت، وتهدم الكعبة. من يهدمها؟ من يهدمها؟ نعم، عندك... يعني ما زلنا في الحبشة... عانك الله يا أبا محمد... الليلة طيب. يهدمها ذو السويقتين، ذو السويقتين من ماذا؟ من الحبشة، من الحبشة. وأما قبل ذلك، فإن الله تبارك وتعالى يحميها، وهكذا يدفع عنها، كما فعل ربنا عز وجل بأصحاب الفيل، كما فعل ربنا عز وجل بأصحاب الفيل. والصلاة في البيت الحرام تعدل ماذا؟ الصلاة في البيت الحرام تعدل ماذا؟ الذي بجانبك يا أبا عبد الرحمن: الصلاة في البيت الحرام في مكة تعدل ماذا؟ كم؟ عشر آلاف صلاة فيما عداه من المساجد؟ في زيادة، ولا بس عشر آلاف؟ فضل الله واسع. في المدينة... في مكة كم؟ مئة ألف. أحسنت. وقلت في المدينة كم؟ في المسجد النبوي ألف. أحسنت. في المسجد النبوي ألف. وفي مسجد بيت المقدس، وفي مسجد بيت المقدس... نعم، في المسجد الحرام بمئة ألف صلاة فيما عداه من المساجد، وفي المسجد النبوي بألف صلاة إلا المسجد الحرام. طيب، في مسجد بيت المقدس، المسجد الأقصى؟ أحسنت. نعم، شكري عندك في مسجد الأقصى بكم صلاة؟ بي... بلغوا عن شكري كم يقول يا أبا زهير؟ خمسمائة أو خمسة... خمسة... خمسمائة. طيب، أحسنت. هكذا قيل. والصواب يا إخوان: الصواب أنه يعدل مئتين وخمسين صلاة، لأن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن الصلاة في المسجد النبوي تعدل ماذا؟ تعدل أربع صلوات في مسجد بيت المقدس. فذهب جماعة من أهل العلم إلى أن الصلاة في مسجد بيت المقدس تعدل مئتين وخمسين صلاة. قال رحمه الله تعالى: قال: "باب حرمة مكة". قال: عن أبي شريح خويلد بن عمرو الخزاعي العدوي رضي الله عنه أنه قال لعمر بن سعيد بن العاص، وهو يبعث البعوث إلى مكة: «ائذن لي أيها الأمير أن أحدثك قولاً قام به رسول الله صلى الله عليه وسلم الغد من يوم الفتح». قال: «فسمعته بأذني، ووعاه قلبي، وأبصرته بعيني حين تكلم به». وهذا كله لمزيد الضبط وقوة الحفظ. قال: «أنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: إن مكة حرمها الله تعالى، ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً، ولا يعضد بها شجرة. فإن أحد ترخص بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقولوا: إن الله قد أذن لرسوله، ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس. فليبلغ الشاهد الغائب». يعني: من شهد معي يبلغ من كان غائباً، لأن الغائب قد يستدل بقتال رسول الله صلى الله عليه وسلم في يوم الفتح. «أي: قولوا لهم: إن حرمتها باقية، وإنما أحلت للنبي صلى الله عليه وسلم ساعة، ثم عادت حرمتها كما كانت، كما كانت». قال: فقيل لأبي شريح: ما قال لك؟ يعني: ماذا قال لك هذا الأمير؟ قال: «أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح». ظالم يا إخوان، ما قبل من الصحابي الجليل ما حدثه به النبي صلى الله عليه وسلم. وهذا عمر بن سعيد بن العاص الأموي ليس بصحابي، وإنما عده بعضهم في التابعين، عده بعضهم في التابعين، وكان أميراً لعبد الملك بن مروان على المدينة، على المدينة. وأرسل عبد الملك بن مروان... ماذا أو ماذا؟ أرسل يزيد بن معاوية بن أبي سفيان إلى عامله... إلى عامله ب... إلى عامله بالمدينة أن يجهز جيشاً لكي يقاتل ابن الزبير، بسبب أنه لم يبايع، بسبب أنه لم يبايع. فقام هذا عمر بن سعيد بن العاص الأموي يجهز الجيوش بالمدينة لكي يقاتل في مكة. فقام أبو شريح الخزاعي ودخل على هذا الأمير، وتلطف معه في القول لكي يقبل النصيحة ويقبل الحديث. فما كان من ذلكم الأمير الأموي الذي يلقب بي الأشدق إلا أن تكبر وتجبر، ولم يستجب لهذه النصيحة، لم يستجب لهذه النصيحة. عندما أبلغه أبو شريح الحديث، ولهذا قيل لأبي شريح: ما قال لك؟ بماذا أجابك؟ قال: «أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح». يعني: أنت ما تعرف شيئاً، أنا أعرف منك. «إن الحرم لا يعيد عاصياً، ولا فاراً بذم، ولا فاراً بخربة». هذا من كلام عمر بن سعيد بن العاص الأموي الأشدق. قال رحمه الله تعالى: "الخربة" بالخاء المعجمة والراء المهملة، قال: وهي الخيانة، وقيل: البلية، وقيل: التهمة. قال: وأصلها من سرقة الإبل. قال الشاعر: "والخارب... والخارب اللصة، يحب الخارب... يحب الخارب". وهذا الحديث العظيم الذي أورده رحمه الله تعالى فيه بيان لحرمة مكة، وعظيم هذا الأمر، وعظيم هذا الأمر. وهناك مجموعة من المسائل التي تتعلق بهذا الباب نؤخرها إلى الدرس القادم إن شاء الله عز وجل، مع حديث ابن عباس، وهكذا مع الباب الذي يليه إن شاء الله عز وجل. طيب، نكتفي بهذا. نكتفي بهذا. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله، والحمد لله رب العالمين، والله تعالى أعلم.