الدرس في شرح كتاب التوحيد 219، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يناقش أهمية تحديث الناس بما يمكنهم فهمه وتقبله لتجنب تكذيب الله ورسوله، ويشير إلى ضرورة مراعاة مستوى فهم المخاطبين عند إيصال العلم لهم. يُبرز دور العلماء في تبسيط العلوم وتوضيحها.
يشرح أهمية فهم الأحاديث بشكل صحيح وتوضيح معانيها للناس، ويبين أن الإيمان بالإجماليات في العقيدة كافٍ للإيمان الصحيح، ويحذر من سوء الفهم الذي قد يدعم البدع والمعاصي.
ينصح بعدم الخوض في تفاصيل الأحاديث المتعلقة بالأسماء والصفات إذا كانت ستسبب لبسًا لدى العامة، ويؤكد على أهمية انتقاء ما يُقال من علم وفقًا لفهم الناس وقدرتهم على استيعابه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: وفي صحيح البخاري، قال علي: «حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله». أورد المؤلف رحمه الله تعالى هذا الأثر عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وهو تحت هذا التبويب الذي بوّب عليه المؤلف رحمه الله تعالى بقوله: باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات. وهذا الأثر يقول فيه علي: «حدث الناس بما يعرفون»، أي بما يمكن معرفته، وبما يمكن أن يتقبلوه، هكذا يحدث الناس؛ لأنه على بساطة الطرح لهذا التحديث قد تنبني عليه مسألة أخرى، وهي مسألة القبول. فلربما رد العلم، رد الحديث، لا لشيء، فقط لطريقة طرحه، طرح العلم إذا أخطأ فيه صاحبه، لربما أودى إلى ترك هذا العلم، وهذا الحديث الذي أُدلي به. وهذا الأثر الذي روي عن علي: «حدث الناس بما تعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» قيل: إن مناسبة أن عليًا كان الناس في خلافته كثر فيهم القصاصون والروائيون والأخباريون ممن يكثرون القصص والحكايات والروايات، ولربما استرسل بعضهم فأورد بعض الأحاديث الغريبة أو التي ما سمعوا بها، فكانت من غرابتها أنها لاقت ردًا ورفضًا من الناس، فكان هذا الرفض وهذا الرد سببًا لتكذيب الله ورسوله؛ لأن هذا الحديث قد يكون لفظه صحيحًا، أو له شواهد تدل على معناه، أو معنى الحديث صحيح، لكن لغرابته وطريقة طرحه كان سببًا في أن الناس ردوا هذا الحديث وما تضمنه من مسائل وأحكام. لماذا؟ لأن صاحبه ما أحسن طريقة طرحه. ولهذا علي رضي الله تعالى عنه أمر هؤلاء بالتحديث فقال: «حدث الناس بما يعرفون»، إن كنت ستحدث، حدثهم بما يعرفونه من دينهم، ولا تأتي بالشيء المستحدث المبتكر، أو بالأحاديث التي لا يعرفها كثير من الناس. وقد أشار الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى في وضع ضابط لهذه المسألة، وهي أن هذا يحمل على الأحاديث التي ظاهرها قد يقوي البدعة، مع أن ظاهرها ليس كذلك، لكن أحيانًا تجد أن من الناس من عنده من سوء نية أو سوء طوية أو قلة فهم، فينظر إلى بعض الأحاديث على ظاهرها أنها تقوي ما هو عليه من بدعة أو من معصية، كما يفعل من كان من أمراض القلوب من الفرق العلمانية واللادينية، فلا يزالون يستدلون ببعض الأحاديث على ما هم عليه من مرض، وذلك على ظاهر بعض النصوص، مع أن ظاهرها ليس مرادًا. فالشاهد أن الحديث إذا رأيت يا عبد الله أن ظاهره يمكن أن يستدل به على تقوية بدعة أو مخالفة، أو يفهم على غير فهمه الصحيح، فلا تحدث بهذا الحديث، ولك عوض بأن تحدث بغيره من الأحاديث. هذا هو المراد من فهم علي رضي الله تعالى عنه حين قال: «حدث الناس بما يعرفون، أتريدون أن يكذب الله ورسوله؟» تأتي مسألة أخرى، وهي مهمة، ألا وهي ما المراد من إيراد هذا الأثر تحت هذا الباب؟ قلنا: الجواب قد كفر هنا، استدل المؤلف رحمه الله تعالى ببعض الأدلة، وذكر هذا الأثر: «حدث الناس بما يعرفون»، ما العلاقة؟ لماذا المؤلف رحمه الله وضع هذا الأثر تحت هذا الباب؟ قال العلماء: أراد المؤلف رحمه الله تعالى أن يبين أن من أسباب جحد الناس لباب الأسماء والصفات أنهم أحيانًا قد يحدثون بما لا يعرفونه، فلما حدثوا ببعض هذه الأشياء كان ذلك سببًا لديهم في أن ينكروا وأن يجحدوا الكثير من الأسماء والصفات. فناسب أن يبين المؤلف رحمه الله تعالى لهذه المسألة أن هذه من العوامل التي أودت بالناس إلى جحد وإلى ترك وإلى نكران شيء من أسماء الله وصفاته. قد يقول قائل: إذا كان كذلك، فما معنى أن لا نحدث؟ لا يا عبد الله، قال العلماء: إن المسلم لو اعتقد هذه العقيدة الإجمالية العامة التي مضمونها أنني أؤمن بباب الأسماء والصفات، وهو أني أثبت كل ما لله من اسم وصفة، وأنفي عن الله كل ما نفاه الله عن نفسه، ونبينا عن ربه، وأني أثبت الأسماء من غير تكييف ولا تعطيل ولا تحريف، هذه العقيدة الإجمالية كافية في أن تكون يا عبد الله مؤمنًا موقنًا مذعنًا موحدًا للأسماء والصفات. وما بعد ذلك من التفاصيل هنا يكمن الإشكال. فإذا رأيت يا عبد الله أن الدخول في التفاصيل والتفريعات التي تتفرع من هذا الباب أنها لربما لاقت من عند الناس استذكارًا، قف لا تحدث بها، وقد جرى هذا عن بعض السلف، كما كان إمام مالك رحمه الله تعالى يمنع من التحديث بحديث الصورة، وطلاب العلم يعرفون هذا الحديث، يمنع من هذا؛ لهذه المسألة، سيقع اللبس عند بعض الناس في فهم هذه الأحاديث. إذن أوقف، لا تحدث بها، يكفيك يا عبد الله أن تؤمن بباب الأسماء والصفات إجمالًا، بأنك تثبت لله الصفات العلى والأسماء الحسنى، وأن تثبت لله ما أثبته لنفسه من غير تكييف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تحريف، يكفيك. وفيه كذلك بيان لمسألة أنه ليس كل ما يُعلم يُقال، ليس كل ما يُعلم يُقال. لا تذهب يا عبد الله وقد مكنك الله من التوجيه، وقد مكنك الله من التعليم والتدريس، أعطاك الله حلقة علم، أعطاك الله منبرًا، أعطاك الله مدرسة، أعطاك الله وجاهة، ثم إذ بك ما تقرأ في الكتب وما تسمعه تأتي على عواهنه وتلقي به، لا ليس كل ذلك يُقال، ليس كل علم يُقال، كما قال علي: «حدث الناس بما يعرفون». إن أردت أن تحدث، سمعت العلم، سمعت الخير عند التحديث، انتبه لهذه المرحلة، هو علم، لكن ليس كل علم يُحدث به؛ لأن من العلم ما لا تستطيع الناس فهمه. وقد ثبت في صحيح مسلم من كلام عبد الله بن مسعود أنه قال: «إنك ما أنت بمحدث قوم حديثًا لا تدركه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة». هذا الواقع، إنك ما أنت بمحدث قومًا حديثًا تحدثهم بحديث، لكن لا تدركه عقولهم، كان لبعضهم فتنة، يفتتن الناس بمثل هذه الأحاديث. ولهذا على القاعدة التي يذكرها العلماء: ليس كل علم يُقال أو يُبث أو يُنشر. وفيه كذلك مسألة أنه على الإنسان إذا أراد أن يتكلم ينبغي أن يؤمر لمن هم أمامه، فيختار الخطاب المناسب. فمن كان في مجلس علم وهم الأكثر والسواد الأعظم، حين ينبغي أن يتكلم معهم بخطاب العلم، بعبارات رصينة، بمصطلحات علمية، بمسائل فيها التفصيل والتبيين والتدليل. وإذا كان في مجلس آخر وأكثر من يحضره من العوام، حين يختلف الخطاب، تتنزل إلى مستوى عقولهم، فلا تأتي بذلك الكلام الذي تذكره عند العلماء وطلاب العلم، فتأتي به عند عامة الناس الذي لربما جل ما تذكره ما سيفهمونه لا من العبارات ولا من المصطلحات، حينها أترك ذلك وتنازل إلى مستوى تكلم، حتى كان من بعض علمائنا من لربما أتى ببعض الألفاظ العامية في كلماته رجاء تفهم منه، كل ذلك في سبيل إلقاء العلم وبث العلم، وأن الناس يستفيدوا من هذا العلم، وأن لا يكون فتنة. أسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.