شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 6

الدرس في شرح قصيدة في عزة طالب العلم للجرجاني 6، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

عزة طالب العلم واستغناؤه عن أبواب الملوك

يصف الناظم نفسه بالنفس الأبية التي لا تطمع في مكانة العظماء ولا تقبل المنّة من أحد، مؤكداً وجوب تحلي طالب العلم بالrzانة والحصافة وترك الخفة والذل في طلب الرزق. ويشير إلى أن العزة والاستغناء عن أبواب الملوك يحفظان كرامة العلم وقيمته.

عزة العالم واستغناؤه عن أبواب السلاطين والأمراء

يؤكد المقطع على وجوب تحلي العالم بالكرامة وعزة النفس وتجنبه التردد على أبواب السلاطين والأمراء والتجار طلباً للعطايا، لأن ذلك يذهب هيبته ويضعف قيمة العلم. ويضرب المثل بالضحاك بن مخلد الشيباني الذي لم يخرج لينظر الفيل مع الطلاب في حلقة الإمام مالك، فلقب بالنبيل لرزانته واستغنائه.

إمام مالك وكرامة العلم أمام السلطة

يروي الشافعي موقفاً لإمام مالك حين رفض الحضور لوالي مكة وأصر على أن يُرحل إليه العلم لا العكس، فغضب مالك عندما حاول الوالي الوساطة، ثم قبل قراءة الشافعي للموطأ عليه فأعجب به وأكمله في سبعة أيام. يبرز هذا الموقف احترام العلم وكرامته أمام السلطة.

الختام بالدعاء والصلاة على النبي

يختتم المتحدث كلامه بالدعاء بالتوفيق لطاعة الله والهداية، ويصلي ويسلم على النبي محمد وعلى آله وصحبه. يشكل هذا الختام دعاءً جامعاً لخير الدنيا والآخرة.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. يقول الناظم رحمه الله تعالى أبو الحسن علي بن عبد العزيز الجرجاني في هذه القصيدة العصماء التي هي في إباء العالم وعزة طالب العلم: «ما كل برق لا حلي يستفزني، ولا كل من لاقيت أرضاه منعم». وهذه استعارة؛ حسن البرق إذا ضرب في كبد الغيوم أصدر ضوءًا لامعًا، ضوءًا يخطف إليه الأبصار، وهذا حال العظيم من الناس الجليل في الناس؛ فإن الناس إذا جاء عظيم القدر التفتوا إليه بأبصارهم، وأقبلوا عليه بقلوبهم طمعًا، ونحو ذلك كما يجري في الملوك العظام والسلاطين والأثرياء والوجهاء والعلماء الأجلاء، وغير ذلك. فهو يذكر في هذا الباب ما ينبغي أن يكون عليه طالب العلم من أن يكون فيه الرزانة، وترك الخفة التي يكون عليها بعض الناس. ينبغي لطالب العلم أن يكون حصيفًا حسن التصرف في الأمور، وقديما قيل: «من راقب العواقب سلم»، «والدفع أسهل من الندم». فهو يصف نفسه الأبية: «وما كل برق لا حلي يستفزني»، والمراد بالبرق -كما تقدم- الشخص العظيم. هذه استعارة جميلة؛ يعني الناس يمشون فيضرب البرق، فالكل يلتفت إلى السماء ينظر إليها، هذه عادة الله. «وما كل برق لا حلي يستفزني»؛ أنا رزين حصيف متأنٍ، هذا معنى. والمراد ليس البرق الذي يضرب في كبد الغيوم، ولكن المراد أهل الغنى واليسار والملوك ونحوهم، فهو لا يستخفه أحد، فتراه ملازما لبيت فلان يطلب دراهم معدودة، أو يكون يرجو نوالًا أو نحو ذاته، فهو دائم الفكر في طريقة الدخول إلى فلان من الملوك أو الأمراء أو الوجهاء أو نحوهم: كيف أصل إليه؟ كيف أدخل عليه؟ كيف أتزين له؟ كيف أظهر له عظم منزلته حتى أنال منه ما أنال من الجدى والمال ونحوه؟ لكنه يصف نفسه فيقول: «وما كل برق لا حلي يستفزني»، بل أنا عزيز نفسي لا أطرق أبوابًا، ولا أتحيل بحيل من أجل لعاعة من لعاعات الذل. هكذا يصف نفسه الأبية: «وما كل برق لا حلي يستفزني، ولا كل من لاقيت أرضاه منعم»؛ أي إذا جاءني شخص يريد أن يتصدق علي فأنا لا أقبل من كل أحد، وإن كنت معدما وفقيرا ومعوزا وذا حاجة، لا آخذ من كل أحد، ولا أرضى لأحد أن يكون، ولا أرضى لكل أحد أن يكون له علي منة. هذا يدل على شهامة ونفس أبية، هذا يدل على شهامة كما يقول علماء الأدب: على شهامة عربية ونفس أبية. «وما كل برق لا حلي يستفزني، ولا كل من لاقيت أرضاه منعم». من العيب بأهل العلم: «أين الشيخ فلان؟ والله عند السلطان فلان. أين الشيخ فلان عند الأمير فلان؟ أين طالب العلم فلان عند التاجر فلان؟ أين حافظ القرآن والله عزه عند فلان؟» سبحان الله! هذا مما يذهب هيبة العالم، ويضعف قيمة العلم، ويجعل أهل العلم مبتذلين، ويجعلهم مستحقرين، وهم في صدورهم ما هو أغنى من هذه الحفنة اليسيرة، وهذه الدراهم المعدودة. ما هو أغنى لهذا، يصف هذا العالم كبرياءه وعلو نفسه: «وما كل برق لا حلي يستفزني». وصل المسؤول الفلاني: «خلونا نروح إليه، يلا نمشي إليه» باعتبار وجهاء البلد، عظماء... ما أدري إيش. العالم الرزين لا يفعل هذا، يتنزه، يتهرب عن مثل هذا، يتعزز عن مثل هذا، لو صح التعبير، يتكبر عن مثل هذا اللقاء، لو صح التعبير. «وما كل برق لا حلي يستفزني»؛ لست ممن هو خفيف، خفيف الأطوار، فإذا رأى البرق التفت وينظر، لا. حتى لو ضرب البرق بصوت عالٍ، كأني ما سمعته، ولا كأني رأيته. في حلقة الإمام مالك رحمه الله كان هناك طالب علم يقال له: الضحاك بن مخلد الشيباني، في حلقة الإمام مالك، في حلقة ابن جريج، في حلقة عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج. فدخل تلك البلد فيل، فيل، فصاح أهل المسجد: «إن في السوق وفي الشارع فيلا»، يقول للإمام. فخرج الطلاب جميعا ينظرون الفيل، وبقي الضحاك بن مخلد الشيباني كأنه لم يسمع شيئا. فقال الشيخ له: «قم واذهب وانظر الفيل، شوف الفيل مع الناس». قال: «ما جئت لهذا». نظر لرزانته، فلقبه بالنبيل، فلا يقال إلا: «حدثنا أبو عاصم النبيل». لماذا لقب أبو عاصم بالنبيل؟ لهذا الموقف، لهذا الموقف العظيم. «وما كل برق لا حلي يستفزني، ولا كل من لاقيت أرضاه منعم». فهذا يدل على كبرياء ينبغي أن يكون عليها أهل العلم. كلماتكم فيما مضى في شرح القصيدة السابقة في لقاء الإمام الشافعي بمالك، لا أدري لعله فيه درس آخر، وكيف أن الشافعي يوم أن جاء بالورقة التي هي شفاعة من والي مكة إلى والي المدينة أن يستوصوا خيرا في محمد بن إدريس الشافعي، فلما قرأها الوالي -والي المدينة- أخذه الهم، قال: «والله لو طلبت مني أن أمشي من بيتي إلى مكة كان أهون علي من أن أذهب إلى بيت مالك، إنه لا يرى لأحد قدرا». قال: «ولكن قد جاء الأمر من الوالي لا بد»، فذهب إلى بيت الإمام مالك، فضرب الباب، فخرجت خادمته، قالت: «نعم». قال: «قولي له: إن الوالي يطلب مالك». ما قال: «أرسل رسالة لمالك بن أنس يجينا البيت أو يجينا القصر». مالك لن يأتي، لن يأتي. ولهذا لما طلب هارون الرشيد من الإمام مالك رحمه الله أن يقرأ الموطأ على أبنائه، أبي جعفر والمنصور، قال: «لا أفعل، ولا تسن سنة سيئة فتهين العلم، إنما يرحل إلى العلم، ولا يرحل العلم إلى أحد». هذه من كبرياء العالم. يحضرون مثل سائر الأبناء المسلمين، ليس عندنا تميز بين أن يكون ابن سلطان أو ابن فلان أو فلان من الناس، هكذا كانوا رحمه الله. فخرج الإمام مالك... قال: «لم يخرج الإمام مالك»، قال للجارية: «قولي للوالي: إن كان عنده سؤال فإن لنا مجلسا في المسجد يوم كذا تعرض فيه الأسئلة، فليرفع سؤاله مع الناس». قال الوالي: «قولي له: إنه جاء في حاجة خاصة». فخرج الإمام مالك. قال الشافعي: «هذا... هذا يصف الإمام الشافعي منظر ذلك المنظر في دخول الإمام مالك رحمه الله». قال: «فوضع له كرسي على الباب، والوالي واقف، فجلس على الكرسي، فقال: هاي، ماذا؟ قال: إن والي مكة أرسل مع هذا الشاب بهذه الوصية». فأخذ مالك الكتاب، ثم غضب. قال الشافعي: «وكان رجلا مهابا»، كان مالك رحمه الله رجلا مهابا حتى قيل فيه: «يأبى الجواب فلا يراجع * هيبة، والسائلون نواكس الأذقان * أدب الوقار وعز سلطان التقى * فهو المطاع وليس ذا سلطان». هكذا قيل في الإمام مالك رحمه الله. قال: فغضب وألقى الكتاب، وكان رجلا مهابا لا يمكن أن يراجع لهيبته العظيم. يقول الشافعي رحمه الله: «فتلطفت معه في الكلام، وقلت: إني طالب علم». قال: «فلا تلي قبل ذلك». غضب الإمام مالك رحمه الله، ثم قال: «متى كان العلم يكون بالوسائط ونحو ذلك؟» متى كان العلم كذلك؟ ثم غضب ورمى الورق. ثم قال الشافعي: «فتلطفت معه، فقال لي: تعال لي يوم كذا، والتمس قارئا». قلت: «أنا أقرأ». قال: «تحسن تقرأ؟» قلت: «نعم». قال: «فاقرأ». فقرأت عليه، فكانت تعجبه قراءتي، كلما أردت أن أقف يقول: «هيه، أكمل»، حتى أكملت الموطأ في سبعة أيام. فكان أهل العلم على مثل هذا الحال. فأسأل الله عز وجل أن يوفقنا لطاعته وهداه، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.