الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 10، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ينقل المقطع قول الإمام الطبري بأن القرآن كلام الله تعالى كيفما كان مكتوباً أو مسموعاً أو محفوظاً، وأن من جحد ذلك فهو كافر حلال الدم. كما يبين استدلاله بالآيات على أن القرآن من أمر الله لا من خلقه، ودفاعه عن نفسه ممن نسبوا إليه أقوالاً باطلة في العقيدة.
يبيّن المقطع التباساً في نسبة رواية إلى الإمام الطبري، ثم يسوق آثاراً صحيحة عن جعفر بن محمد وسفيان بن عيينة وعمر بن دينار تؤكد أن القرآن كلام الله غير مخلوق. ويرد الحجة القائلة بأنه إما خالق أو مخلوق، مقرراً أنه صفة ذاتية لله تعالى.
ينقل النص إجماع أكثر من سبعين صحابياً على أن القرآن كلام الله ومن قال بخلقه فهو كافر، ويوضح أن البخاري تجنب الخوض في مسألة "لفظي بالقرآن" مكتفياً بالقول "أفعالنا مخلوقة". محذراً من أن القول بخلق القرآن يؤدي إلى كونه كلام بشر وهو قول المشركين الذي توعد الله أهله بالنار.
يذكر المقطع قول المعتزلة بأن الله خلق القرآن في الهواء أو الشجر، ويبين بطلان هذا القول وسقوطهم في محذور أعظم مما فروا منه. ويختتم المتحدث بالاكتفاء بهذا القدر على أن يكمل في الدرس القادم.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. بعد: ذكر الإمام محمد بن جرير الطبري رحمه الله مسألة القرآن، وأنه كلام الله مهما تصرف أو تحول، سواء كان في ورق أو في حجر أو في ألواح الصبيان الكتاتيب أو غير ذلك، فهو كتاب الله وهو كلام الله، نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا. وقال: فمن اعتقد غير ذلك بقلبه واضمره في نفسه، أو قاله بلسانه دائناً به، معنى جعله ديناً، فهو بالله كافر، حلال الدم، بريء من الله والله منه بريء. ومسألة التكفير هذه قد جاءت عن جماعة من السلف، أي تكفير من لم يقر بأن القرآن كلام الله، وسيذكر المؤلف شيئاً من ذلك. قال: والله منه بريء، بقول الله جل وعز: ﴿ بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ ﴾. وقال: واستدل أيضاً لمحمد على المشركين، أو على الجهمية بالأخص، استدل لهم بقول الله جل وعلا: ﴿ وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ ﴾. ووجه الشاهد: لما قال «روحاً من أمرنا»، فالقرآن من أمر الله وليس من خلق الله، وقد غاير الله عز وجل بين الأمر والخلق، فقال: ﴿ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ﴾، فغاير بين الخلق والأمر، فالقرآن من أمر الله وليس من خلقه. قال رحمه الله: فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد صلى الله عليه وسلم مسموع، وهو قرآن واحد، من محمد صلى الله عليه وسلم مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ: ﴿ بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ ﴾، وبألسن الشيوخ والشباب مكتوب، كل ذلك كتاب الله. قال أبو جعفر -أي محمد بن جرير الطبري-: فمن روى عنا، أو حكى عنا، أو قال علينا، فادعى أننا قلنا غير ذلك، فعليه لعنة الله وغضبه، ولعنة اللاعنين والملائكة والناس أجمعين، لا قبل الله له صرفاً ولا عدلاً، صرفاً أي فريضة، ولا عدلاً أي سنة، قالوا: هتك سترته وفضحه على رؤوس الأشهاد، يوم لا ينفع الظالمين معذرتهم، ولهم اللعنة، ولهم سوء الدار. وهذا يدل على توجع هذا الإمام من ناس يفترون عليه الكذب، ولبسوا أنه ليس على عقيدة أهل السنة، فنسبوا إليه أشياء هو بريء منها. وقد يكون أيضاً حتى من بعض المتأخرين ممن نسب إلى ابن جرير بعض العقائد الباطلة. والأصل أنه ليس محمد بن جرير الطبري هذا الإمام، وإنما كما قد ذكرنا قبل: رجل رافضي اسمه محمد بن جرير بن رستم، وهو طبري أيضاً، لكنه من الروافض، فقد يكون بعضهم أخذ شيئاً عن هذا الرجل، أو ذكر شيئاً في الكتب، فظنه محمد بن جرير الإمام. قال: حدثنا موسى بن سهل الرملي، وهو ثقة، قال: حدثنا موسى بن داود، قال: حدثنا معبد أبو عبد الرحمن. ومعبد قد روى عنه الإمام أحمد وأثنى عليه خيراً، وضعفه ابن معين، لكن قد توبع في هذا الأثر، قد تابعه ثلاثة في هذا الأثر عن معاوية بن عمار الدهني. قال: عن معاوية بن عمار الدهني، قال: قلت لجعفر بن محمد رضي الله عنه: إنهم يسألون عن القرآن، مخلوق أو خالق؟ فقال: إنه ليس بخالق ولا مخلوق، ولكنه كلام الله عز وجل. وهذا جاء عن جعفر بن محمد، وقد أيضاً ذكره بعضهم عن عمر بن دينار عن جعفر بن محمد، وبعضهم ذكره عن ابن عيينة عن عمر بن دينار. وجاء أيضاً بإسناد صحيح عند العُقَيْلي عن ابن عيينة، قال: أدركت الناس منذ سبعين سنة، أدركت الناس منذ سبعين سنة وهم يقولون: أن كل شيء الله خالق، وكل شيء مخلوق، والقرآن كلام الله، أي أنه صفة من صفاته، فليس هو من المخلوقات. فالقول بأنه خالق باطل، لأن هؤلاء البدع يقولون: الأمر إما أن يكون خالق أو مخلوق، فإن قلتم أن القرآن ليس بمخلوق بمعنى أنه خالق، وهذا كلام باطل، لأنه لا يلزم أن يكون الشيء ليس مخلوقاً أن يكون خالقاً. فهذه صفة من صفات الله جل وعلا، فهي صفة ذاته سبحانه وتعالى، وصفة فعله، فهو صفة فيه سبحانه وتعالى، وهو الخالق جل وعلا، وهو الخالق سبحانه وتعالى. وأهل السنة لا يقولون أن الصفة تخلق، وإنما الصفة هي من الله سبحانه وتعالى. قال: وحدثني محمد بن منصور الآملي، قال: حدثني الحكم بن محمد الآملي أبو مروان. والحكم بن محمد لم يذكر بجرح ولا تعديل، ذكره البخاري وكذلك أبو حاتم وسكتوا عنه، فهو في حكم المجهول، لكن قد توبع في هذا الأثر أيضاً. قال: حدثنا ابن عيينة، قال: سمعت عمر بن دينار يقول: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وهذا أعلى من ذكر عنه، وهو عمر بن دينار، يقول: أدركت مشايخنا منذ سبعين سنة وهم يقولون: القرآن كلام الله، منه بدأ وإليه يعود. وجاء في بعض الروايات، ذكره الدارمي في كتابه «النقد»، وعنه البيهقي في «الأسماء والصفات» بإسناد لا بأس به، أن عمر بن دينار قال: أدركت أكثر من سبعين صحابياً، كلهم يقولون: أن القرآن كلام الله، كلهم يقولون: أن القرآن كلام الله، من قال غير ذلك فهو كافر. فتبين من ذلك أن القرآن كلام الله، وهذه عقيدة السلف. وقد ألف الإمام البخاري كتاب «أفعال العباد»، وذكر هذه المسألة ضمناً، لأنها عند الجهمية، فذكروا أنهم قالوا بأنه مخلوق، وذكر رحمه الله عن جهلهم، وعن السلف أنهم قالوا: كلام الله. وهذا يدلنا أيضاً على أنه لم يثبت عن البخاري أنه قال: لفظي بالقرآن مخلوق، أبداً. ولهذا كان يقول رحمه الله: من قال عني من أهل نيسابور أني قلت أن لفظي بالقرآن مخلوق فهو كاذب، فهو كاذب، إن يكذب عليه الذي يقول عني قلت ذلك. والبخاري لم يقل ذلك، لما سأله ذلك الرجل: أتقول بأن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة؟ قال: أقول... لم يجب عليه، وإنما قال: أقول: أفعالنا مخلوقة. قال: أقول: أفعالنا مخلوقة. وهذا جواب صحيح. والبخاري رحمه الله أراد أن يفر من مسألة، وهي مسألة لم يخض فيها السلف ولم يتكلم فيها السلف، ولهذا لم يستحب أن يقول: لفظي بالقرآن مخلوقة، ولا غير مخلوقة، بل قال: أفعالنا مخلوقة. وهذا هو عقيدة أهل السنة، أهل السنة لما يقولون: لا ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ولا غير مخلوقة. ولهذا كان الإمام أحمد يقول: من قال لفظي بالقرآن مخلوقة فهو جهمي، ومن قال غير مخلوقة فهو مبتدع. فلهذا كان البخاري يتجنبها، فكان يقول: أفعالنا مخلوقة. فخلاصة هذه المسألة التي جاءت عن السلف، والتي أيضاً حصل فيها ابتلاء عظيم لأهل السنة، وهي مسألة القرآن: هل هو كلام الله أم أنه مخلوق؟ وقد جاء عن كثير من السلف أنه كلام الله، ومن قال غير ذلك فهو كافر. بالقرآن لأنه لم يقل أحد بأن القرآن مخلوق وأنه من قول البشر إلا أهل الكفر، وتوعد الله عز وجل من قال أنه قول البشر، قال: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ ﴾. وهؤلاء الآن يقولون أنه قول البشر، ما في فرق بين قول الجهمية والماتريدية والأشاعرة، فهم يقولون أنهم كلهم متفقون على أنه ليس كلام الله. وإذا قلنا أنه ليس كلام الله، معنى ذلك أنه كلام البشر، أو كلام المخلوق. إذا لم يكن كلام الله فمعنى ذلك أنه كلام المخلوق، وهذا نفس كلام أهل الشرك، نفس كلام المشركين الذين كفرهم الله وتوعدهم بالنار، فقال: ﴿ سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَا أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لَا تُبْقِي وَلَا تَذَرُ ﴾. فهذا فهؤلاء قالوا بقولهم، أما أنهم يقولون: لا نحن ما قلنا أن بشراً قاله، وإنما قلنا أن الله خلقه، مثلاً هؤلاء الشعرة، المعتزلة والمعتزلة يقولون: أن الله خلقه في الهواء فجرى به الهواء، ومنهم من يقول: خلقه في شجرة، أو خلقه في كذا، وكل هذا باطل. وأرادوا أن يفروا من شيء فوقعوا فيما هو أعظم منه. فهذه المسألة التي ذكرها هنا، إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في الدرس اللاحق، والحمد لله رب العالمين.