الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 9، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يقرر الإمام الطبري أن القرآن كلام الله غير مخلوق، موجود في اللوح المحفوظ ومسموع من النبي صلى الله عليه وسلم ومحفوظ في الصدور ومكتوب في المصاحف، ومن خالف ذلك فهو كافر. ويبين أن القرآن من صفات الله الدالة على توحيده، معجز في أسلوبه وإعجازه، لا تناقض فيه، وهو آية من آيات الله أنزلها على رسوله الكريم.
يؤكد المقطع أن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، ومن قال إنه قول البشر أو مخلوق فهو كافر مستحق للنار، مستدلاً بآيات سورة المدثر. وينقل إجماع الأئمة كابن جرير والإمام أحمد وابن خزيمة على تكفير القائلين بخلق القرآن، مبيناً أن القرآن كلام الله سواء كان في اللوح المحفوظ، أو مكتوباً في المصاحف، أو محفوظاً في الصدور، أو مقروءاً في أي موضع.
يبيّن المقطع أن القرآن هو ما نُقش في الحجر، أو خُط في الورق، أو حُفظ في الصدور، أو تُلي بالألسن، ويرفض إطلاق "لفظي بالقرآن مخلوق أو غير مخلوق". كما يكفر الروافض لادعائهم "قرآن فاطمة" غير القرآن المتواتر، ويكفر من اعتقد أن في القرآن زيادة أو نقصاناً أو أن سورة منه ليست منه، مع التفريق بين الاعتقاد الجازم والخواطر العابرة.
يختم المتحدث الدرس بالإشارة إلى أنه سيذكر في الدرس القادم أدلة وآثار السلف القائلين بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، مكتفياً بما ذُكر في هذا المقطع.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال العلامة محمد بن جرير الطبري رحمه الله: "قال: القول في القرآن وأنه كلام الله. قال: فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك، أي: من هذه المسائل التي اختلف فيها. قال: فأول ما نبدأ بالقول فيه من ذلك عندنا: القرآن كلام الله وتنزيله، إذ كان من معاني توحيده. والصواب من القول في ذلك عندنا: أنه كلام الله غير مخلوق. كيف كتب، حيث تلي، وفي أي موضع قرأ: في السماء يوجد، وفي الأرض حيث حفظ في اللوح المحفوظ كان مكتوباً، وفي ألواح الصبيان الكتاتيب مرسوماً، في حجر نقش، أو في ورق خط، أو في القلب حفظ، وبلسان اللفظ. فمن قال غير ذلك، أو ادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه، أو قاله بلسانه دائناً به، فهو بالله كافر، حلال الدم، بريء من الله والله منه بريء". بقوله عز وجل: ﴿بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ * فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ﴾ [البروج: 21-22]. وقال: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: 6]. فأخبر جل ثناؤه أنه في اللوح المحفوظ مكتوب، وأنه من لسان محمد صلى الله عليه وسلم مسموع، وهو قرآن واحد: من محمد صلى الله عليه وسلم مسموع، في اللوح المحفوظ مكتوب، وكذلك هو في الصدور محفوظ، وبألسن الشيوخ والشباب متلو. طيب، هذا الذي ذكره المؤلف رحمه الله في القرآن واعتقاد أهل السنة في القرآن. فقال رحمه الله: إن القرآن هو من معاني توحيده، لأنه من صفات الله، من صفات الله جل وعلا. فلهذا فليس هناك قرآن وكلام ككلام الله جل وعلا، فليس فيه إلا الصدق، ولا يحتمل إلا الصدق، وليس فيه تناقض، بل يصدق بعضه بعضاً، وأيضاً يشبه بعضه بعضاً في الأسلوب، وفي الإعجاز، وفي غيره. فكلام الله عز وجل هو كلامه سبحانه وتعالى، وهو آية من آيات الله أرسلها على رسوله الكريم عليه الصلاة والسلام. حتى قال النبي عليه الصلاة والسلام كما في حديث أبي هريرة في مسلم: "ما من نبي إلا وقد آتاه الله ما مثله آمن عليه البشر، وإن الذي أوتيته قرآناً يتلى". فهذا القرآن العظيم الذي استخف به كثير من الناس على طرفين: فمنهم من قال إنه ليس بكلام الله، وهم الكفار من قريش وغيرهم. فما ذكره الله عز وجل في سورة المدثر، فقال جل وعلا: ﴿ثُمَّ قَدَّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ قُتِلَ كَيْفَ قَدَّرَ * ثُمَّ نَظَرَ * ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَذَا إِلَّا قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾ [المدثر: 18-26]. فأي هذا الذي قال أن القرآن قول البشر، قال الله عز وجل عنه: ﴿سَأُصْلِيهِ سَقَرَ﴾. فمن قال أن هذا القرآن ليس كلام الله فهو من أهل جهنم، العياذ بالله، وهو كافر كما صرح الأئمة بذلك. ومنهم الحافظ هنا ابن جرير رحمة الله عليه، فقال: كلام الله غير مخلوق. وسيذكر رحمه الله ما جاء عن السلف في هذا الباب. قال: "كلام الله غير مخلوق، كيف كتب، وحيث تلي، وفي أي موضع قرأ". لأن هناك من الناس من يقول: أن ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، ألفاظنا بالقرآن مخلوقة، وما في الكتاب مخلوق، يريد: الكتاب والكتابة والمداد، وكذا. فهذا كله باطل لأنه يؤدي إلى القول بخلق القرآن. ولهذا أنكره الأئمة، وأول من أنكره الإمام أحمد رحمه الله، أنكر هذه المقالة. ويقال أن أول من قالها هو الحسين بن علي الكرابيسي، وكذلك أبو ثور. فأما أبو ثور فراجع وتاب إلى الله، وأما الحسين بن علي فأصر عليها، وأخذها منه بعض أهل خراسان أصحاب ابن خزيمة، وانتشرت هذه المقالة في الناس، وحذر منها الأئمة. وكان من أئمة الأئمة ابن خزيمة يقول: "أي رجل يقول بهذا القول فلا يجلس مجلسي، ولا يجلس في حلقتي". فقال: "كيف كتب، وحيث تلي، وفي أي موضع قرأ". أي: فهو كلام الله، في السماء يوجد، وفي الأرض حيث حفظ. أنا في أي مكان الحفظ، سوى كان في مصحف، أو في جلد، في كتاب، أو في خرق، أو في ورق، كل ذلك فهو من كلام الله جل وعلا. قال: "في اللوح المحفوظ كان مكتوباً"، ﴿إِنَّهُ لَقُرْآنٌ كَرِيمٌ * فِي كِتَابٍ مَكْنُونٍ﴾ [الواقعة: 77-78]. "وفي ألواح الصبيان الكتاتيب مرسومة"، أي: أنه قرآن. قالوا: "في حجر نقش"، أنه إذا نقشت آية في حجر فهي قرآن، "أو في ورق خط، أو في القلب حفظ"، ﴿بَلْ هُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ﴾ [العنكبوت: 49]. قالوا: "بلسان لفظ"، أي: لسان تلفظ بكتاب الله فهي فهو أيضاً قرآن. قال: "فمن قال غير ذلك، وادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن الذي نتلوه...". الصوت صوت القارئ، لكن اللفظ هو قرآن. فلهذا فخطأ يقال: "لفظي بالقرآن غير مخلوق"، أو "لفظي بالقرآن مخلوق"، وكل ذلك باطل. قال: "فمن قال غير ذلك، وادعى أن قرآناً في الأرض أو في السماء سوى القرآن"، مثل ما تدعي الروافض، يقولون: عندنا قرآن يسمى "قرآن فاطمة"، يقولون: هو أكثر بثلاثة أضعاف من قرآن. وهذا يدل على كذب من قال أن الروافض عندهم قرآن مثل قرآن أهل السنة. فالروافض، فالروافض يقولون: عندهم قرآن غير قرآن. فلهذا فليس كتابنا واحد، بل ولا نبينا واحد، بل حتى ربهم يقولون أنه ليس رب أبي بكر وعمر، بل بعضهم يتبرأ ويقول: "إن كان ربنا الذي نعبده عنده أبو بكر وعمر مؤمنين فنحن لا نعبد هذا الرب". هكذا يتبجحون ويتجرؤون على مثل هذا الكلام. وأيضاً كذلك يدعون أن لهم قرآناً آخر، فهم يخرجون أنفسهم من الإسلام. وتجد بعض الناس يدخلهم في الإسلام. قالوا: "في السماء سوى القرآن الذي نتلوه بألسنتنا ونكتبه في مصاحفنا، أو اعتقد غير ذلك بقلبه، أو أضمره في نفسه". أنا الآن هذا إشكال: كيف "أو أضمره في نفسه"؟ هل يحاسب الإنسان على ما في نفسه؟ نعم، إذا كان ذلك اعتقاداً، هو أن يقبض ما يعتقد الإنسان في قلبه. وهذا الاعتقاد يعتبر ديناً، وليس هو من قول النبي عليه الصلاة والسلام: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم". وإنما هذا اعتقاد. فإذا اعتقد أن هناك من القرآن، أو مما كتب من القرآن، غير، أو ليس من القرآن، أو أن القرآن كتبه، أو بعضه ليس من القرآن، كما تقول الخطابية، فرقة من فرق تقول: أن سورة يوسف ليست من القرآن، فهذا أيضاً يعتبر كافراً بالله. وقاله بلسانه دائناً به، فهو بالله كافر، حلال الدم، بريء من الله والله منه بريء. ثم ذكر بعض الأدلة، وإن شاء الله تعالى سيأتي ويذكر بعض الآثار عن السلف الذين قالوا بأن القرآن غير مخلوق، بل هو القرآن، هو كلام الله جل وعلا. فنكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم، حق الله زاكم الله خير.