الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 7، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يبرز المقطع مكانة العلماء كأمناء على الوحي في التعرف على الفتن عند إقبالها وهداية الناس إلى سبيل النجاة منها مستندين إلى الكتاب والسنة. كما يحذر من خطورة اقتحام الجاهلين للفتن وانجرافهم خلفها، مشبهاً إياها بالحرب التي تزين في أولها ثم تعقبها الندامة والدمار.
يوضح المقطع النهي النبوي عن التطلع للفتن والأمر باللجوء إلى الله وشرعه، ومن أعظم ذلك الرجوع لأهل العلم والاختصاص في النوازل. ويبين أن القضايا المستجدة تُبنى على أدلة عامة وقواعد فقهية كبرى يفصلها العلماء، وقد يختلفون في تنزيل الواقعة وفق اجتهادهم مع اتفاقهم على أصل الحكم المستند إلى الوحي.
يستعرض المقطع اعتماد العلماء على آراء الخبراء الموثوقين كالأطباء في تقرير أحكام الأشياء من حيث النفع والضرر، مستشهداً بتحريم التدخين لضرره المحقق. ثم ينتقل لبيان انحراف بعض الفرق كاليزيدية من التصوف إلى عبادة الشيطان، ويذكر اختلاف الصحابة في السقيفة وانعقاد الإجماع على خلافة أبي بكر الصديق.
يختتم المتحدث الدرس الأول بالحديث عن بدء مرض ووفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، معلناً استكمال التفاصيل في الدرس القادم. ويشير في الختام إلى أن الترجمة المعروضة من إعداد نانسي قنقر.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فذكر المؤلف -رحمه الله تعالى- أيضًا في فضائل أهل العلم وثوابهم، وكذلك حمايتهم لدين الله. ثم قال رحمه الله: «ثم إنه لم يزل من بعد مضي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسبيله عليه الصلاة والسلام» -أي لما توفي النبي عليه الصلاة والسلام- قال: «ثم إنه لم يزل من بعد مضي رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم لسبيله حوادث في كل دهر تحدث، ونوازل في كل عصر تنزل، يفزع فيها الجاهل إلى العالم، فيكشف فيها العالم سدف الظلام عن الجاهل بالعلم الذي أتاه الله». وهذا أيضًا ميزة عظيمة ميز بها الرب جل وعلا أهل العلم. وقد ذكرنا ذلك: أن أهل العلم يعرفون الفتن في إقبالها، ويعرفون الحل الذي يستخدم في هذه الفتن، فيرجع الناس إليهم. كما قال الله عز وجل: ﴿وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ ۖ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَىٰ أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ ۗ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلًا﴾ [النساء: 83]. فمن لم يرجع إلى أهل العلم فيتخطفه الشيطان. ولهذا هؤلاء الجهلة من أهل البدع وغيرهم من أهل الأهواء تتخطفهم الشياطين فتضلهم عن سبيل الله، لأنهم ما يريدون أن يرجعون إلى أهل العلم وأهل الفضل الذين يعرفون مثل هذه الأمور. فلهذا ستأتي الفتنة، كما قال الحسن رحمه الله: «الفتنة أول ما تأتي يعرفها أهل العلم». أنا أول إقبالها يعرفها أهل العلم، فإذا أدبرت عرفها الناس. أن الناس ما يعرفون الفتن إلا إذا أدبرت، وإلا في وقتها يتشرفون لها، يتشرفون لهذه الفتن، ويدخلون فيها، ويتزعمونها، حتى إذا اشتعلت هذه الفتن تجد أنهم يتندمون، خاصة في القتل وغير ذلك. فلهذا، كما قال سفيان بن عيينة: «كان السلف يتمثلون بقول امرئ القيس: الحرب أول ما تكون فتية، فتية يسعى لها كل جهول، حتى إذا اشتعلت وشد ضرامها، ولت عجوزًا غير ذات حليل». يقول رحمه الله: يقول هذا الشاعر امرؤ القيس: أن الحرب أول ما تكون تكون فتية شابة، أنا كلهم يتأهب لها ويتقولها، لكن إذا وجدوا خسارتها وضررها، واشتد ضرامها، ولت عجوزًا غير ذات حليل، شمطاء، ينكر لونها، وتغيرت، مكروهة للشم والتقبيل. على تكون مثل العجوز التي ذات زوج أو ليست لها زوج، ولا معنى، لا يقبلها الإنسان شهوة. فتجد أنها قال: ينكر لونها وتغيرت، مكروهة للشم والتقبيل. فهكذا الفتن: أول ما تكون يسعون لها، ويستشرفون لها. ولهذا النبي عليه الصلاة والسلام حذر من الاستشراف للفتن، فقال: «ألا إنها ستكون فتنا». فقال النبي عليه الصلاة والسلام، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم أن يستشرف لها: «القاعد فيها خير من القائم، والقائم فيها خير من الماشي، والماشي فيها خير من الساعي. من تشرف لها تستشرفه، من تشرف لها تستشرفه، من دخل فيها وأراد أن يسعى فإنها تدخله هذه الفتنة. من تشرف لها تستشرفه، فمن وجد ملجأ أو معاذًا فليعد به، من وجد ملجأ أو معاذًا من هذه الفتن فليعد به». وأعظم المعاذ والملجأ هو الله سبحانه وتعالى، وما شرعه الله عز وجل، ومن ذلك الرجوع إلى أهل العلم، الرجوع إلى أهل الاختصاص. وهذا الذي أراده المؤلف رحمه الله. قال: «ونوازل في كل عصر تنزل على أشياء جديدة تنزل على الناس، وفتن وشهوات وغيرها». من الذي يبينها؟ يبينها أهل العلم بالأدلة العامة. فسبحانه بحمد الله أن ديننا فيه أدلة عامة وقواعد عامة، فصلها أهل العلم، يدخل فيها هذه الحوادث العصرية، فيفعل علماء بما عندهم من ذلك العلم، إلا أنهم أحيانًا يختلفون في تنزيل الواقعة. أحيانًا تجد حتى أهل العلم يختلفون في تنزيل الواقعة: هل هي تشبه هذه أو هذه؟ هل هي داخلة في هذه القاعدة أو في هذه القاعدة؟ وهذا بحسب اجتهاد العالم ومعرفته للأدلة. وإلا، بحمد الله، ما من مسألة إلا وقد تكلم عليها العلم، ما من مسألة تنزل ونازلة تنزل إلا وعند أهل العلم فيها كلام، يستدلون بالأدلة العامة والقواعد الأصولية على تنزيل هذه المسائل. قال رحمه الله: «يفزع فيها الجاهل للعالم، فيكشف فيها العالم سدف الظلام عن الجاهل بالعلم الذي آتاه الله وفضله به على غيره». إما من أثر، الأثر هنا المقصود: ما جاء عن النبي عليه الصلاة والسلام، وما جاء في شرع الله، وعن الصحابة، وعن التابعين. قال: «إما من أثر، وإما من نظر». والنظر هو تنزيله على القواعد. إما من أثر: أي نص في الكتاب والسنة، أو ما جاء عن الصحابة. أو يكون هذا من النظر: النظر معنى النظر إلى الأدلة، النظر إلى أدلة الكتاب والسنة العامة، وهي ما يسميها العلماء القواعد، إما قواعد أصولية أو قواعد فقهية. وهذا هو من النظر: أن يقيس الإنسان أو يدخل العالم هذه المسألة في قاعدة من القواعد، فبعد ذلك يحكم بحكم هذه القاعدة. مثلا على سبيل المثال: «كل طيب حلال، كل خبيث حرام»، هذه قاعدة. فإذا جاءنا شيء خبيث وفيه ضرر، ندخله في القاعدة العامة: «الضرر يزال»، أو «لا ضرر ولا ضرار». وهذه القاعدة: «كل طيب حلال، كل خبيث حرام»، تدخل في هذه القاعدة: «لا ضرر ولا ضرار»، والقاعدة الفقهية الكبرى: «الضرر يزال». فلهذا إذا وجدنا الضرر أدخل في هذه القاعدة. على كم من أشياء يذكر العلماء فيها أضرارها، وقد يسألون المختصين بذلك. مثلا: حيانا من ناحية الطب، فيسأل الأطباء الموثوقون في دينهم، خاصة الذين يبحثون عن هذه المسائل أو عن هذه الأشياء الطبية، فيأتون بأضرارها، مثلا، أو يأتون بمنافعها. فإذا علمت منافعها علم أنها حلال، وإذا صارت أضرارها حقيقة أدخلت في المحرمات. مثلا هذه الأشياء المعاصرة: مثل القاتل، السجائر، الشمة، وغيرها من هذه الأشياء. هذه الأشياء قال كثير من العلم بتحريمها لضررها، لأن الضرر محقق فيها. فلهذا قال العلماء بتحريمها. فلهذا: إما من أثر، وإما من نظر. فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم: في الحوادث التي تنازعت فيها أمته. أنا هناك أشياء تنازع فيها الأمة، تنازعت فيها، وسيذكر هذه الأشياء: في القدر، في الإيمان، في القرآن، في غيرها. تنازعت الأمة، فمنهم من سلك مسلك الصحابة الذين هم أعرف الناس بدين الله، ومنهم من سلك مسلك هواه، وأتى بأشياء باطلة. فجاءت هذه الفرق: الجهمية، والمعتزلة، وكذلك المرجئة، وأيضا الخوارج، وكذلك أضرهم الرافضة، خزاهم الله. فهؤلاء الفرق التي ظهرت في أول الإسلام. ثم بعد ذلك توالت الفرق، بل بعضها صارت من زنادقة، ممن صاروا زنادقة، مرتدين بالأفكار التي تطورت عندهم. انظر إلى هؤلاء: عبدت الشيطان الآن، اليزيدية، فرقة اليزيدية يعبدون الشيطان، ويعظمون الشيطان. أن هذا شيء مذهل، مع أن هذه الفرقة أصلها... أصل هذه الفرقة هي صوفية، ممن من الفرق الصوفية التي كانت تعظم بعض علماء الصوفية الذين كانوا على اعتدال، وهو أمية أو عدي بن مسافر. فعدي الأموي كان رجلًا من أهل التصوف، ومن كبار أهل التصوف، وجاء هؤلاء وعظموه، مع أنه كان يذكره شيخ الإسلام أنه كان على اعتدال وعلى مذهب السنة. لكن عظمه هؤلاء، ثم تطور مذهبهم حتى صار على مذهب هؤلاء اليزيدية: أنهم يعظمون الشيطان. كانوا يعظمون عدي بن مسافر، فصاروا في آخرهم يعظمون الشيطان، يسمونه الطاووس الأكبر، ويظنون أن الشيطان هو عدي بن مسافر، العياذ بالله. فصاروا من هذا القبيل. فلهذا، كما قال المؤلف: أن الأمة تنازعت على أشياء اختلفوا فيها. قال رحمه الله: «فكان من قديم الحادثة بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، في الحوادث التي تنازعت فيها أمته، واختلافها في أفضلهم بعده صلى الله عليه وآله وسلم، وحقهم بالإمامة». هذه من الأشياء أيضًا التي حدثت بعد رسول الله: اختلفوا في سقيفة بني ساعدة، الصحابة: من الذي يتولى الإمامة؟ ثم اتفقوا على أبي بكر رضي الله عنه، ولم يعارض أحد، لما قال عمر: «اختروا أبا بكر، فإنه صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في الهجرة، وصديقه في الغار»، وذكر أشياء، وأمر بإمامته بعده. فاستدل بهذا عمر على أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد أن يتولى الخلافة الصديق رضي الله تعالى عنهم. فاتفقوا على ذلك. قال: «وحق بالإمامة، وأولاهم بالخلافة». يعني حصل اختلاف في بداية الأمة بهذا. بداية أول ما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا، ونكمل في درس قادم. رزقكم الله خير. ترجمة نانسي قنقر.