كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 50

كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 50

الدرس في كتاب فضائل القرآن من صحيح البخاري 50، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

أهمية التفرغ للعلم وملازمة المشايخ

يبرز المقطع فضيلة التفرغ التام لطلب العلم وملازمة العلماء سنوات طويلة، محذراً من إضاعة الأوقات فيما لا ينفع. ويستشهد بقول الإمام الزهري: «العلم إن أعطيتك كلك أعطاك بعضه» لتأكيد أن العلم لا يعطى بعضه إلا لمن أعطاه كله.

خطر الاكتفاء باليسير من العلم بعد طول الطلب

يحذر النص من مغبة طلب العلم مدة طويلة مع تحصيل يسير فقط، إذ يورث صاحبه غروراً وظناً بالوصول فيتبنى آراء شاذة ويسميه العلماء «صاحب الشبر». ويسرد إسناداً روائياً يربط آل النخع بعلم عبد الله بن مسعود رضي الله عنه.

حديث ابن مسعود في قراءة سورة النساء وقول النبي حسبك

يروي الإسناد عن إبراهيم النخعي عن عبيدة السلماني عن عبد الله بن مسعود أن النبي صلى الله عليه وسلم طلب منه القراءة، فقرأ سورة النساء حتى آية الشهادة، فقال له النبي «حسبك» ودمعت عيناه. يستدل بهذا الحديث على مشروعية قول المقرئ للقارئ «حسبك» للدلالة على الاكتفاء.

آداب المقرئ مع القارئ عند الانتهاء من القراءة

يستعرض المقطع الألفاظ الشرعية التي يقولها المقرئ للقارئ عند إتقانه الأداء وانتهائه، مثل «حسبك» و«أحسنت» و«يكفيك». ويؤكد أن هذه الآداب مستفادة من فعل النبي صلى الله عليه وسلم مع ابن مسعود، مع الاكتفاء بما سبق بيانه من فوائد الحديث.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال الإمام البخاري رحمه الله تعالى: «باب قول المقرئ للقارئ: حسبك». المقرئ هو المستمع. قال: حدثنا محمد بن يوسف. محمد بن يوسف هو الفريابي الحمصي، صاحب سفيان الثوري، لزم سفيان الثوري أكثر من عشرين سنة. وكان السلف رحمهم الله لعلمهم بأهمية العلم وأخذه عن المشايخ، فتجدهم يجلس الرجل السنوات الكثيرة عند الشيخ ينهل من علمه حتى يتضلع في العلم كثيراً. ومن نعمة الله عز وجل على العبد وعلى طالب العلم أن يتفرغ للعلم، فيجد وقتاً كثيراً يطلب فيه علماً. فمن عدم الشكر لهذه النعمة أن يضيع طالب العلم هذه الأوقات سدى، تذهب عليه وكأنه ليس بطالب علم، يفرغ هذه الأوقات ويقضيها فيما لا ينفعه وفيما لا يعود عليه بطلب للعلم، وهو يحتاج إلى هذا العلم. العلم إن أعطيتك كلك أعطاك بعضه، كما قال الزهري، فكيف بمن فرط في هذا العلم؟ فإنه ما سيتحصل إلا على الشيء اليسير، وهذا الشيء اليسير غالباً يضره ولا ينفعه. أن الذي يطلب العلم سنوات ثم يتحصل على شيء يسير، فإنه يضره غالباً، يضره لأنه يظن نفسه أنه قد بلغ شيئاً في العلم وهو لم يتسلح بذاك العلم، فتجده بعد ذلك يأخذ الآراء الشاذة أو يتبنى أشياء ليست صحيحة، ويظن نفسه أنه على شيء. وهذا الذي كان يسميه العلماء: صاحب الشبر، فيأخذ شبراً من العلم ويظن أنه قد بلغ شيئاً كثيراً. وهذا كله من التفريط، هذا كله من التفريط في العلم، فيقضي الأوقات الكثيرة والسنوات الكثيرة وهو لا يستفيد من هذا العلم إلا شيئاً يسيراً، يسيراً. قال: حدثنا محمد بن يوسف، قال: حدثنا سفيان. من سفيان هنا؟ سفيان الثوري، لأنه كما قلنا: محمد بن يوسف لزم سفيان الثوري. قال: عن الأعمش، وسليمان بن مهران، عن إبراهيم. إبراهيم بن يزيد النخعي، من النخع الذين كانوا في الكوفة. وهذا بيت علم، من تأمل أو من نظر في أهل هذا البيت يجد أنه بيت مملوء بالعلم: علقمة، وأيضاً الأسود، وهما إخوة، الأسود وعلقمة، علقمة بن قيس النخعي والأسود بن قيس النخعي، وكذلك عبد الرحمن بن قيس، وعبد الرحمن بن علقمة، وابن الأسود، وعبد الرحمن بن يزيد النخعي، وكذلك بعدهم إبراهيم وغيره، فكلهم كانوا من أصحاب عبد الله بن مسعود، وأيضاً من أهل بيت علم. وإبراهيم لم يدرك عبد الله بن مسعود، لكن أدرك عمومته وأخواله: علقمة والأسود أخوال إبراهيم، وعبد الرحمن يعتبر ابن خال، عبد الرحمن بن الأسود، وعبد الرحمن بن يزيد عمه أو ابن عمه. قال: عن إبراهيم، عن عبيدة، وهو السلماني، عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه، قال: قال لي النبي عليه الصلاة والسلام: «اقرأ علي». قال: قلت: يا رسول الله، أقرأ عليك وعليك أنزل؟ قال: «نعم». قال: فقرأت سورة النساء حتى أتيت على هذه الآية: ﴿فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَىٰ هَٰؤُلَاءِ شَهِيدًا﴾ [النساء: 41]، قال: «حسبك الآن». قال: فالتفتُّ إليه، فإذا عيناه تدرِفان. في هذا الحديث: أن قوله «حسبك» سنة، ولا بأس أيضاً أن يستعمل كلمة أخرى، فيقال له: أحسنت، أو جزاك الله خيراً، أو شيئاً من هذه الكلمات التي تدل على أن المقرئ الذي يقرأ الناس مثلاً يحاول أن يعطيهم مثلاً قدراً معيناً، فيقول: اقرأ أنت من آية كذا، ثم يقول له: حسبك مثلاً، إما امتحان وإما عرض وإما غيره. فيقال له: حسبك، أو أحسنت، أو يكفيك، أو غيرها من الكلمات التي تدل على أنه قد أتى بالمطلوب، أو قد أتى بما أراده المقرئ من القارئ. فهذا مما يستفاد من هذا الحديث. وقد تقدم بعض فوائد الحديث فيما قبل أو فيما ذكرنا قبل، فنكتفي بهذا، والله تعالى أعلم.