صفات المنافقين في تعاملهم مع مجتمعات المسلمين

الخطبة بعنوان صفات المنافقين في تعاملهم مع مجتمعات المسلمين، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 28 صفر 1439هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

صفات المنافقين وخطورة النفاق

يتناول هذا الفصل صفات المنافقين وخطورة النفاق في مجتمعات المسلمين، خاصة في أزمان الفتن والأزمات. يُحذر من التحلي بصفات المنافقين ويُشدد على أهمية معرفة هذه الصفات لتجنبها.

تعامل المنافقين مع المسلمين وتأثيرهم

يتميز المنافقون بعدة صفات في تعاملهم مع المسلمين، منها الفرح بمصائبهم والسعي لتفريق صفوفهم. هذه الصفات تظهر في سلوكهم ومواقفهم، مثل الشماتة في مصائب المسلمين وبذل المال للتفرقة بينهم.

خطورة الإشاعات ونشر الكذب

يُناقش هذا الفصل خطورة الإشاعات والأخبار الكاذبة التي يبثها المنافقون في المجتمع، ويحذر من تصديقها ونشرها. هذه الصفة كانت موجودة منذ ظهور المنافقين في صدر الإسلام.

ختام الدعاء والصلاة

يختم الخطيب كلامه بتوجيه الشكر للناس ويطلب من الله أن ينفع بما قيل. ثم يدعو الله لمغفرة المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات ويأمر الحضور بالقيام إلى الصلاة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون، يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً، واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام، إن الله كان عليكم رقيبًا، يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولًا سديدًا يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم، ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزًا عظيمًا. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمدٍ صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، اعلموا رعاكم الله أن ظاهرة النفاق لهي من أخطر الظواهر ضررًا بأصحابها وفتكًا بمجتمعاتها، ولعظيم خطرها وضررها فقد جاءت في حقها الآيات الكثيرة والأحاديث الوفيرة المشعرة بهلاك أصحابها وبكل من اتصف بها أي بظاهرة النفاق في الدنيا والآخرة. بل إن عذابهم ليس كعذاب أحد من البشر، قال ربنا جل وعلا ﴿إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار﴾. واعلموا عباد الله أن من رحمة الله جل وعلا بهذه الأمة المحمدية قد أبان ربنا عن حال المنافقين وذاك بفضحهم وبهتك سترهم وبكشف أسرارهم وبذكر صفاتهم وأوصافهم. من هنا كان لزامًا على كل مسلم ومسلمة أن يكون على دراية ومعرفة بملامح النفاق وأهله، وذاك لأمرين اثنين، أولهما أنك بمعرفتك لصفة المنافقين تتوخى حذرًا منهم فتأمن من شرهم ومن مكرهم، كما قال ربنا جل وعلا ﴿هم العدو فاحذرهم قاتلهم الله أنى يؤفكون﴾. والأمر الثاني أنك بمعرفتك لصفاتهم تنأى بنفسك أن لا تتشبه بهم، فلا تتصف بصفاتهم ولا تفعل أفعالهم. عباد الله، إن هذا المقام لا يسعه إلا حصر صفات المنافقين، فهي كثيرة، لكن حسبنا في هذا المقام الإشارة إلى أهم صفات المنافقين في تعاملهم مع المسلمين وفي مجتمعاتهم وفي بلدانهم، وخاصة في أزمان الفتن والأزمات. فإن ظاهرة النفاق إنما يشرئب علقها ويرتفع صوتها وينشط أصحابها ويقوم سوقها في أزمان الفتن والمحن وفي أزمان المشكلات والمعضلات والأزمات. يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: "قال وهذا حال كثير من المسلمين أو أكثرهم إذا ابتلوا بالمحن التي يتضعضع بها أهل الإيمان ينقص إيمانهم كثيرًا وينافق كثير منهم أو أكثرهم". تظهر ظاهرة النفاق في زمن الفتن والمحن والأزمات، فمن أعظم صفات المنافقين في مجتمعات المسلمين أنه لا يبذل أي شيء في سبيل خدمة أهله ووطنه ومجتمعه وفي خدمة الإسلام والمسلمين في وقت الناس بحاجة إليه وإلى العون والمساعدة. قال ربنا جل في علاه مبينًا هذه الصفة ﴿أشحة على الخير أولئك لم يؤمنوا فأحبط الله أعمالهم وكان ذلك على الله يسيرًا﴾. أشحة على الخير، فالمنافق لربما يأتيه الخطاب الشرعي بضرورة بذل نفسه أو ماله أو جاهه أو علمه، بضرورة ذلك، لكنه لا يرفع بخطاب الشرع رأسًا، وإنما يستحفظ ذلك لنفسه وكراهة في مجتمعه. قال إمام السعدي رحمه الله تعالى شارحًا هذه الآية قائلًا: "قال وهذا شر ما يكون في الإنسان أن يكون شحيحًا بكل ما أمر به، شحيحًا بماله فلينفقه في وجهه، شحيحًا ببدنه فلا يجاهد أعداء الدين ولا يدعو في سبيل الله، شحيحًا بجاهه، شحيحًا بعلمه وبنصيحته ورأيه". فاحذر يا عبد الله أن تكون فيك تلكم الخصلة، أن الله عز وجل أوجب عليك ما يكون فيه منفعة للإسلام والمسلمين ولخدمة مجتمعك وأنت تقدر عليه، لكنك لا ترفع بذلك رأسًا، فإن ذلك شر ما يكون في الإنسان لأنه يكون من أهل النفاق. ومن صفات المنافقين عباد الله الفرح بما يصاب به أهل الإسلام وما يحل في مجتمعاتهم من مصائب وهزائم وإزهاق للأرواح وسفك للدماء، بالمقابل تجد أن المنافق في الوقت نفسه يضيق ذرعًا ويموت كمدًا متى ما رأى الأمن والأمان والاستقرار والازدهار قد حل في مجتمعه. يقول الله جل في علاه مبينًا هذه الصفة ﴿وإن تصبك حسنة تسؤهم وإن تصبك سيئة يقولوا قد أخذنا أمرنا من قبل ويتولوا وهم فرحون﴾. تولوا وهم فرحون، يغشاهم الفرح أهل النفاق يغشاهم الفرح والسرور متى ما ابتلي أهل الإسلام والمسلمين بالمصائب والمعضلات والمشاكل والأزمات، لربما ظهر ذلك على صفحات وجوههم أو في ثنائهم وعبارات كلماتهم. يفرحون، ونحن في هذه الأزمان كم نسمع من بعض الناس وهم من أهل النفاق عندما تأتيهم الأنباء بتلكم المجازر بتلكم المقاتل التي ذهبت فيها الأرواح وأزهقت فيها الأنفس، أن بعضهم لربما يشمت فيقول "هل من مزيد؟". قاتلهم الله أن يؤفكون، ما يفرح أحد بمصاب أهل الإسلام إلا من كان فيه النفاق. ومن صفات المنافقين التي تظهر عليهم في تعاملهم مع مجتمعات المسلمين السعي إلى الفتنة وإلى إفساد ذات البين، لربما يأتي أهل النفاق على مجتمع كلمتهم كلمة واحدة ومعالم التعاون واللحمة بينهم ظاهرة بادية، فيسعى أهل النفاق بكل وسيلة وطريقة إلى زرع بذور الفتنة والفرقة بين أهل الإسلام. في تعكير ودهم وفي تفريق صفهم، ولو أداهم ذلك إلى أن ينفقوا الأموال الكثيرة الطائلة، وما مسجد ضرار عنا ببعيد، قام المنافقون ببناء مسجد لكن ليس المراد منه أداء العبادة ولكن المراد من هذا المسجد زرع العداوة والتفرق بين المسلمين. قال ربنا جل في علاه ﴿والذين اتخذوا مسجدًا ضرارًا وكفرًا وتفريقًا بين المؤمنين﴾. فتجد أن أهل النفاق لربما تستروا بالمشاريع الخيرية وبالأعمال الخدماتية على حد زعمهم لتوفير الخير والإمكانيات لأفراد المجتمع، لكن والله ما أراد بذلك إلا التغلغل والتسلسل في مجتمعات المسلمين، ثم بعد ذلك يفعلون فعلهم بتعكير وبد المجتمعات بتفريق الصفوف وبزرع الشحناء والبغضاء والعداوة بين المسلمين. ومن صفات المنافقين أيضًا الميل لكل عدو لهذا الدين، فأهل النفاق هم من بني جلدتنا ويتكلمون بألسنتنا، ولربما تظاهروا بفعل بعض تعاليم ديننا، لكن قلوبهم وأفئدتهم ليست عندنا بل عند غيرنا عند اليهود وعند النصارى. فالمنافق دائمًا ما تجد هواه عند أهل الكفر، يتمنى أن يحكموا بينهم فيفتخر بهم ويعتز بحكمهم، بل يتمنى أن يكون تحت ولايتهم وتحت سلطتهم. أن تسمعنا من يقول "إني لأرضى أن يحكمني اليهود والنصارى ولا يحكمني هؤلاء" ويشير إلى بلاد التوحيد. قال ربنا جل وعلا ﴿بشر المنافقين بأن لهم عذابًا أليمًا الذين يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين أيبتغون عندهم العزة فإن العزة لله جميعًا﴾. أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وصحبه. أما بعد، فلنستعرض وإياكم أهم الصفات التي اتصف بها أهل النفاق كما جاء ذلك مبينًا في كتاب الله وفي سنة رسوله عليه الصلاة والسلام. وكان الغرض من ذكر صفاتهم هو أن نحذر منهم وأن نتقي شرهم، وأيضًا نستفيد من التعرف على صفاتهم أن لا نتشبه بهم شعرنا بذلك أو لم نشعر. تعلمت الشر لا للشر ولكن لتوقيه، ومن لم يعرف الخير من الشر يقع فيه، فاحذر يا عبد الله من صفات أهل النفاق حتى لا تقع فيه وأنت لا تشعر. وكان من أعظم صفات المنافقين التي يتصفون بها في تعاملهم مع المسلمين وفي مجتمعاتهم وبلدانهم وأوطانهم ما مضى ذكره من ذلك أنهم ما يقوموا أبدًا بخدمة أهل الإسلام ولا بخدمة مجتمعاتهم ولو أن ذلك من الفروض الشرعية. وكان الأمر الثاني أن من صفاتهم الفرح بما يصاب به أهل الإسلام من مصائب ونكبات، والأمر الثالث ما يكون من سعيهم في التفرق بين صفوف المسلمين بزرع العداوة والبغضاء ولو أنفقوا بذلك الأموال الطائلة في سبيل التفرق بين الشعوب. والأمر الرابع من أعظم صفاتهم الميل والهوى لكل عدو لهذا الدين. وهكذا عباد الله من صفات المنافقين في تعاملهم مع مجتمعات المسلمين القيام بالأراجيف والإشاعات والأكاذيب، فإن ذلك من أعظم صفاتهم، إذ أن أهل النفاق مما يقوم به أنهم يكيدون لهذه المجتمعات ببث الأخبار والإشاعات والتي يكون من مقاصدها ومؤداها نزع الثقة بين المجتمع الواحد أو قطع العلاقة بين الراعي والرعية أو تهييج الشعوب على حكامهم وحكوماتهم أو بزرع الخوف والذعر وتثبيط أهل الإيمان أو بتضخيم جهود الخصوم والأعداء. عباد الله، إن هذه الصفة الزميمة التي يقوم بها أهل النفاق ما هي وليدة اليوم وإنما كانوا يفعلونها منذ ظهورهم في الصدر الأول. قال ربنا جل في علاه ﴿لئن لم ينته المنافقون والذين في قلوبهم مرض والمرجفون في المدينة لنغرينك بهم ثم لا يجاورونك فيها إلا قليلًا﴾. قال الإمام القرطبي رحمه الله تعالى: "قال أهل التفسير فهذه الصفات لشيء واحد، أي لموصوف واحد وهم المنافقون". والإرجاف كما قال العلماء هو الكذب والباطل الذي يراد منه الإغتمام، كذب وباطل يراد منه أن يصاب سامعه بالهم والغم. وقد قام المنافقون ببث أعظم إشاعة في المدينة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث تمال أهل النفاق فيما بينهم على نشر ذاك الخبر والذي فيه الطعن والرمي في عرض أم المؤمنين الطاهرة المطهرة عائشة رضي الله تعالى عنها وأرضاها برميها بالإفك. حيث قاموا بإشاعة الخبر وارتجت له أرجاء المدينة كما جاء ذلك موضحًا في كتب التفاسير وفي دواوين السنة. ونحن في هذه الأزمان وفي هذه البلاد تأتينا الأخبار وتأتي الإشاعات تحت عناوين مختلفة، تارة تحت عنوان خبر عاجل أو خبر سري أو بيان صادر من جهة حكومية أو دينية أو ببث بعض التقارير والتحاليل التي تكون مختومة بأسماء مجهولة أو بأسماء لشخصيات وأعيان منتخلة. وبعد ذلك مثل هذه المقالات توزع وتنشر عبر برامج التواصل الاجتماعي فيتلقفها من يتلقفها من السذج، وحينها يقر عظم البلاء وحينها يعم الفساد في مجتمعات المسلمين، إذ يقوم السذج بتصديقها وبترويجها. عباد الله، كن يا عبد الله على حيطة من أمرك، فإن أعداء الدين من المنافقين والمرجفين ما فتأوا في نشر الأباطيل والأكاذيب تحت غطاء الأخبار والأنباء. فليس كل خبر وليس كل نبأ يا عبد الله يسوغ لك تصديقه فضلًا عن القيام بنشره وبثه. ﴿وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به ولو ردوه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلًا﴾. فاحذر يا عبد الله من هذا الأسلوب الماكر الذي عمّ وطم عند كثير من المسلمين وهم في غفلة منه. عباد الله، وأخيرًا أقول إن هذه الأزمات وهذه الفتن والمعضلات التي ابتلينا بها كما أنها أنشأت لنا ظاهرة النفاق والمنافقين فإنها كذلك أظهرت لنا طوائف من الناس من هذا المجتمع قد أخلصوا دينهم لله وأخلصوا في أعمالهم وفي خدمة مجتمعاتهم. فمع قلة الإمكانيات وقلة الموارد فقد قام أناس في مجتمعاتنا بأن تفانوا في البذل والعطاء والتضحية في سبيل أن ينعم المجتمع بما يستطيعون أن ينعموا فيه، على خلاف أهل النفاق ممن كانوا سدًّا مانعًا من أن ينعم الناس بالخدمات. فقام الأوفياء وقام الشرفاء من أبناء هذه البلاد وغيرها من التفاني في البذل والعطاء في أن ينعم المجتمع بما يمكن أن ينعم به. فإلى هؤلاء شكرنا يصل إليهم، إلى المخلصين وإذا إلى الشرفاء والأوفياء، سواء من كان منهم في سلك الصحة والتعليم أو من كان في سلك الكهرباء والماء أو كان في سلك النقل والمواصلات أو من باتوا يسهرون على أمن المواطن وأمنه فباتوا أعينًا ساهرين. فإلى هؤلاء وإلى غيرهم من شرائح المجتمع ممن هم في القطاع الخاص ومن كان من أرباب الأموال فساهموا في سد حاجيات الناس بتوفير السلع وتوفير المشتقات وأيضًا بتوفير السيولة حتى ينعموا الناس بما يمكن أن ينعموا به. فأمثال هؤلاء وغيرهم من الجنود المجهولين الذين هم خلف الكواليس لا أحد يعلم بهم، الله يعلم بأعمالهم ويعلم بسهرهم ويعلم بتعبهم. ومع ذلك ما نرى من الناس في حقهم إلا الجحود والنكران، لا يا عبد الله، قال عليه الصلاة والسلام "لا يشكر الله من لا يشكر الناس". فهؤلاء منا كل تقدير واحترام وشكر وعرفان. فأسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأل سبحانه أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه. الله، مغفرة المسلمين والمسلمات والمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات، يا مجيب الدعوات. وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله. وصلى الله عن نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.