التأني والأناة

الدرس في التأني والأناة، خطبة بعنوان التأني والأناة لأبي هاشم الشحري بدار الحديث بالشحر 22 رجب 1429هـ ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل الأناة والتأني في العبادات

التأني والأناة من الأخلاق المحبوبة عند الله، خاصة في العبادات مثل الصلاة والدعاء. يجب على المؤمن التحلي بالسكينة عند أداء الطاعات.

التأني في العبادات وإطلاق الأحكام

ينبغي على المسلم التأنّي وعدم الاستعجال في العبادات وإطلاق الأحكام، لأن الاستعجال قد يؤدي إلى الحرمان أو الذنوب. النبي صلى الله عليه وسلم حذّر من الاستعجال.

التثبت في نقل الأخبار وتأثير الإشاعات

يجب التثبت في نقل الأخبار والتأكد من صحتها قبل نشرها، لأن الإشاعات قد تسبب فرقة وتؤدي إلى هتك الأعراض. الله تعالى أمر بالتثبت في قوله: ﴿إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا﴾.

أثر التأدب في التعامل مع الإشاعات

التأدب في التعامل مع الناس والإشاعات يمنع الخصومات والشحناء، وعدم التأدب يؤدي إلى نتائج عكسية. التوفيق من الله عز وجل.

التفريغ النصي الكامل

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن لا إله إلا الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، أشهد أن محمدًا رسول الله، حي على الصلاة، حي على الصلاة، حي على الفلاح، حي على الفلاح، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله. حي على الصلاة! إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليًا مرشدًا، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام الله جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وإن شر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، إن أمر الأخلاق من أهم أمور ديننا، بل هو من أصول شريعتنا، ومن حُرِمَ الخير فقد حُرِمَ الخير كله. بل إن الله عز وجل ما أنزل الكتب وما أرسل الرسل إلا لهذا المقام، لكي يتعلم الناس الأخلاق الفاضلة من الأخلاق الرذيلة. وقد ثبت في مسند الإمام أحمد من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: «إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق». ففي هذا الحديث بيان للمقام الأسمى الذي يتحلى به الأخلاق في شرع الله عز وجل. وإننا عباد الله في هذا المقام بصدد الكلام عن خُلُقٍ، وهو يُعتبر من الأخلاق الضائعة التي ضيَّعها الكثير من الناس. هذا الخُلُق هو الأناة والتأني، نعم عباد الله، هذا الخُلُق والذي عندما فُقد في الأمة فَرَّقَ بين أفرادها وبين أوساطها الكثير والكثير من المفاسد والمظالم والأضرار، جزاءً وفاقًا. أما معنى الأناة والتأني كما يقول العلماء في كُتُبِهم: بأن الأناة تأتي بمعنى التثبُّت والتبين وعدم العجلة، فهذه هي معنى الأناة، وهذا أُسُّها وأساسها. ثم اعلموا عباد الله أن هذا الخُلُق قد بلَغ في دين الله عز وجل منزلةً عظيمة. فمن فضائل هذا الخُلُق أن الله عز وجل قد أحبَّه وأحبَّ من يتخلَّق به. فقد ثبت في مسلم من حديث عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنه قال: قال نبينا صلى الله عليه وسلم للأشج ابن عبد القيس رضي الله تعالى عنه: «إن فيك خصلتين يُحبُّهُما الله: الحلم والأناة». فالأناة يا عباد الله من الأخلاق المحبوبة عند الله عز وجل. ويُؤيُّد هذا المعنى ما رواه البيهقي في سننه في مُصنَّفه من حديث أنس قال عليه الصلاة والسلام: «التأني من الله، والعجلة من الشيطان». بل أخبر عليه الصلاة والسلام أن هذا الخلق، خلق الأناة والتأني، يُعتبر من أخلاق الرسل، بل هو من علامات النبوة. فقد ثبت عند الترمذي قال عليه الصلاة والسلام: «السمت الحسن والتؤدة والاقتصاد جزءٌ من أربعٍ وعشرين جزءًا من النبوة». فهنيئًا هنيئًا عباد الله لمن اتصف بهذا الخلق، والذي قد اتصف به الأنبياء والمرسلون. ﴿وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾. واعلموا عباد الله أن هذا الخلق قليل من العباد من استطاع أن يتخلق به، وذلك لأن الإنسان من طبيعته قد جُبل على العجلة. قال سبحانه: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا﴾، وقال سبحانه: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾، فهذه طبيعة الإنسان وهذه فطرته. فهذا الخلق، خُلُق الأناة والتأني، يُعارض هذه الطبيعة وهذه السجية، ولهذا سَقُلَ على كثير من الخلق أن يتحملوا هذا الخلق العظيم. ثم اعلموا عباد الله أيضًا أن خُلُق الأناة والتأني له صور وله مضامين. فمن أعظم المقامات التي ينبغي أن يتسلح المؤمن بها بالتأني وعدم العجلة في مقام العبادات وفي باب الطاعات. إن المؤمن يا عباد الله متى ما توجه إلى ربه سبحانه وتعالى بفعل طاعة أو عبادةٍ أو قُربة، عليه أن يتحلى بالتؤدة ويتحلى بالأناة والتأني، وأن لا يؤديها بعجلة أو بخبب، وهذا ليس من الأدب مع الله عز وجل. ولهذا جاءت الشريعة في بيان هذا الخُلُق في كثيرٍ من العبادات. فمن ذلك ما أرشد إليه الشرع بأن تحلى بخُلُق الأناة والتأني عند الذهاب إلى بيوت الله سبحانه وتعالى. فقد ثبت في الصحيحين قال عليه الصلاة والسلام: «إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وأنتم تمشون، وعليكم السكينة». فهذه من الأبواب التي يجب فيها التأني والأناة، بأن الواحد منا متى ما قدم أو قدم على بيوت الله ليؤدي شعائر الله، فعليه بالسكينة وعليه بالأناة والتأني. وهكذا أرشد الشرع إلى وجوب الأناة والتأني عند إقامة الصلاة. ولهذا أمر نبينا صلوات ربي وسلام عليه ذاك المصلي عندما لم يراعي هذا الخُلُق عندما أدَّى الصلاة على خببٍ وعلى عجلة، أمره نبينا صلوات ربي وسلام عليه بأن يعيد الصلاة. فقال له: «ارجع فصل فإنك لم تصلي». ثم أمره نبينا بوجوب السكينة والتبين والأناة في الصلاة، فقال عليه الصلاة والسلام: «وإذا ركعت فاطمئن راكعًا، ثم ارفع حتى تعتدل قائمًا، ثم اسجد حتى تطمئن ساجدًا، وافعل ذلك في صلاتك كلها». وهكذا عباد الله من العبادات التي أرشد نبينا عليه الصلاة والسلام بالتأني فيها عند الدعاء. فالواحد منا متى ما دعا الله سبحانه وتعالى، عليه يا عبد الله أن لا يستعجل. ومن العجلة في الدعاء أنك تستعجل في الإجابة. ثبت في البخاري من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي، يقول: دعوت فلم يستجب، يا عبد الله، إياك والعجلة، فإن الله عز وجل لربما قد ادخر عنده ما هو أفضل لك من هذا الدعاء. وهكذا عباد الله من العبادات التي أمرنا أن نتثبت فيها وأن نتبين فيها وأن لا نستعجل فيها، وذلك بعدم الاستعجال لمجيء نصر الله عز وجل. إن الكثير من الناس، ومن الجماعات والدعوات، والتي على حد ذعمها همها إصلاح هذه المجتمعات، لكنها لما رأت الناس قد خالفت الجادة ورأت هذه المجتمعات قد رضت بالانحراف، فهي قد استبشرت النصر. فحينها غيرت من منهاجها أو قل غيرت من منهاج نبينا عليه الصلاة والسلام، فاستحدثت وابتكرت مناهج عديدة دخيلة على هذه الأمة، من اغتيالات ومن انقلابات ومن تفجيرات وغير ذلك. وكل ذلك منهم استعجالًا لنصر الله عز وجل. وقد جاء في الصحيح أن خبابًا رضي الله تعالى عنه أتى لنبينا عليه الصلاة والسلام شاكيًا له قائلًا له: «يا رسول الله، ألا تدعو الله لنا؟ ألا تستنصر الله لنا؟ فانصر الله لنا». فقام نبينا صلى الله عليه وسلم وذكر خبابًا بأناس قد مضوا من قبل، كيف أنهم ثبتوا وكيف أنهم صبروا على دين الله سبحانه وتعالى. ثم قال عليه الصلاة والسلام: «فوالله ليثمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون». فيا عباد الله، فلا ينبغي أن نستعجل نصر الله، فإنه من استعجل الشيء قبل أوانه عوقب بحرمانه. وهكذا عباد الله من المقامات التي ينبغي أن نتسلح بها بالتبين والأناة والتثبت عند إطلاق الأحكام على أهل الإسلام. فإلأسف كم نرى من كثير من المسلمين من يتعجل هذا الأمر فيسارع في إطلاق الأحكام الشرعية على عموم المسلمين، كأن يرميهم بالكفر أو يرميهم بالفسوق أو يرميهم بالبدعة. وهذا لا يجوز عباد الله، فإنه يجب على كل مسلم أن يحفظ هذا الباب وأن لا يتعجل في إطلاق الأحكام على أهل الإسلام، فإن ذلك من الاستطالة على أعراض المسلمين، بل هو من التألي على الله عز وجل. وثبت في الصحيحين في قصة ذاك الرجل الذي أدرك أحد المشركين، فقال ذلك المشرك حينما علم أنه مدرك لا محالة: «أشهد أن لا إله إلا الله». لكن هذا الصحابي لم يتثبت من هذا الرجل وظنه قد قالها تعوذًا من السيف، فطعنه برمحه فقتله. فبلغ ذلك لنبينا عليه الصلاة والسلام، فغضب صلوات ربي وسلام عليه من هذا الفعل، وقال لهذا الصحابي: «أقتلته بعدما قال: لا إله إلا الله؟». فما زال نبينا يكررها عليه. نعم عباد الله، فما ينبغي أن نستعجل في أعراض المسلمين أو أن نستعجل في جماعتهم. فيا عباد الله، ما نحن بأوصياء على عباد الله نقدح في ذا أو نذم ذا. فاتق الله يا عبد الله، فرب كلمة منك تخرج من فيك في عرض المرء المسلم من غير بينة، لربما أوقعتك على أم رأسك في نار جهنم سبعين خريفًا. فعبد الله، أمسك عليك لسانك، وليتعظ بيته، ولتبكي على خطيئتك. وهكذا عباد الله من الأبواب التي أمرنا أن نتثبت فيها وأن نتخلق بخلق الأناة والتأني عند نقل الأخبار. وهذا الموطن من أعظم الأبواب ومن أخطرها. فكم هي الأخبار التي انتشرت بين المسلمين فكانت تبًا في طعنهم بعضهم لبعض، وفي هجر بعضهم لبعض، وفي ظهور الأحقاد والأحقاد وبظهور العداوة والبغضاء بين مجتمعات المسلمين. وإلى رأي الآخرين بتهم هم منها براء. ثم بعد ذلك يتضح أن هذا النبأ أو أن هذا الخبر ليس على حقيقته، فهو إما كذب ومحض افتراء وبهتان ومحض افتراء ومما لا أصل له من الأكاذيب المختلقة المصنوعة. وإما أن يكون هذا النبأ قد زيد عليه ونقص منه، وقام الناقلون بتهويله وتعظيمه حتى أخرجوه عن حجمه الحقيقي دون دراية ودون تعقل لتلكم الزيادات التي أحدثوها. وما تجنيه على أمة محمد عليه الصلاة والسلام من الفتن والقلاقل. عباد الله، إن الله عز وجل قد توعد بالعذاب الشديد لكل من رضي بظهور الفحشاء بين المسلمين، إما بإثارة الشهوات وإما بإثارة الفتن والقلاقل. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾. وكذلك الناس عباد الله، لربما متى ما سمعوا خبرًا، سرعان ما نشروه، سرعان ما بثوه دون نظر، أهو خير أو شر؟ إنما همه أن يتناقل الأخبار في الدكاكين وفي البيوت وفي المجالس، وهمه في ذلك أنه يشتهر بين الناس بأنه ملم بالأخبار ومطلع بالأحوال. وما علم هذا المسكين أن هذا الخلق من نشر الكلام وبثه، أن ذلك من الذنوب العظيمة. ثبت في مسلم من حديث أبي هريرة قال عليه الصلاة والسلام: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع». وفي رواية: «كفى بالمرء إثمًا أن يحدث بكل ما سمع». أقول قولي هذا واستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه أما بعد. فمما مضى عباد الله، علمنا عظم هذا الخلق، خُلُق الأناة والتأني، وكيف أن الله عز وجل قد أحبه وأحب من يتخلق به، وأنه من صفات الأنبياء والرسل. وبيَّن عباد الله أن هذا الخلق له مضامين وله صور ينبغي أن نتخلق بها. فإن خُلُق الأناة ينبغي أن نتخلق به عند العبادات والطاعات. فيا عبد الله، تأدب مع ربك عز وجل عندما تؤدي تلكم العبادة أو تلكم الطاعة، بأن يعلوك السكينة ويعلوك الأناة. وهكذا من صور الأناة التي يجب أن نتخلق بها، وذلك عند إطلاق الأحكام على أهل المسلمين، على أهل الإسلام. فما ينبغي أن نجعل أنفسنا تتفلت يمينًا ويسارًا في ذم ذا وفي طعن ذا في دينه وعرضه. وهكذا من الصورة الثالثة من صور الأناة والتأني، أن نتأنى في نقل الأخبار. وهذا كما قلنا عباد الله من أعظم الأبواب التي يجب علينا جميعًا أن نتخلق بها بخلق الأناة والتأني والتؤدة والتثبت. فكم من أسر قد تقطعت، وكم من أرحام قد انفصلت، وكم من أعراض قد هتكت، وكم من روابط كانت قائمة على المحبة في الله إن قضت وانهدت. وماذا إلا بسبب تلك الأخبار التي تنتشر يمينًا ويسارًا، وهي التي تسمى بالإشاعات. يا عباد الله، فلعظم هذا الباب كان علينا جميعًا أن نقف عند هذا الأمر، في بيان ما هو الموقف الصحيح وما هو الموقف الشرعي من إذاعة تلكم الأخبار التي من ورائها الطعن في أعراض المسلمين أو القدح في ذواتهم وفي أشخاصهم. اعلموا رعاكم الله، إن أعظم الأبواب التي ينبغي جميعًا أن نتسلح بها عند السماع بشيء من هذه الأخبار في أعراض المسلمين، أن نتسلح بالتثبت. أين عباد الله أن نتثبت من كل خبر يأتينا. ولو أن أهل الإسلام تخلقوا بهذا الخلق، فوالله والله ما رأينا وما وجدنا للإشاعات في مجتمعنا محلا أو مدخلا. وقد أمرنا ربنا عز وجل بالتأدب بهذا الأدب. قال جل في علاه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾. وفي قراءة أخرى: ﴿فَتَثَبَّتُوا﴾. علينا عباد الله أن نربي أنفسنا على هذا الخلق وعلى هذا السلوك، وأن نتثبت. ومن أعظم صور التثبت أنك يا عبد الله تتثبت من صاحب الخبر، وتثبت ممن يعنيه الأمر. وانظروا عباد الله إلى فعل هذا الصحابي الجليل، عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه، كما جاء في الصحيحين، عندما جاء ذاك الرجل وأخبره بحدوث خبر عظيم، فقال عمر: «أدخل علينا الروم». فقال هذا الرجل: «لا، بل إن رسول الله قد طلق أزواجه». انظروا عباد الله إلى هذا الخبر، وانظروا إلى هذا النبأ، وكان هذا الصحابي رضي الله تعالى عنه مستيقنًا بصحته، لكن عمر رضي الله تعالى عنه لم يسارع في أخذه وفي بثه. وإنما أخذ متاعه ولبس ثيابه حتى ذهب إلى مسجد رسول الله عليه الصلاة والسلام. فلما دخل المسجد رأى الناس أو رأى رحطًا من الناس وهم حول المنبر، ويعلوهم الهم والحزن، بل منهم من لربما بكى، وذلك كله من أجل هذا الخبر وشدته على صحته على نفس نبينا عليه الصلاة والسلام. ومع ذلك كله، فإن عمر رضي الله تعالى عنه لم يرتض هذا الموقف، وإنما استأذن على نبينا عليه الصلاة والسلام ليستيقن منه صحة هذا الخبر وهذا النبأ. فلما أذن له، قام عمر رضي الله تعالى عنه ووقف عند نبينا عليه الصلاة والسلام، وهو صاحب النبأ وصاحب الخبر. قال: «يا رسول الله، أطلقت أزواجك؟» فقال نبينا عليه الصلاة والسلام: «لا». فخرج عمر واتكبر وقال: «الله أكبر». انظروا يا عباد الله، انظروا إلى هذا الخلق الذي تخلق به عمر رضي الله تعالى عنه. فما أحوجنا عباد الله أن نتخلق جميعًا بهذا الباب وبهذا الأدب، أننا متى ما سمعنا قال عن فلان وفلان، أن نأتي عندهم وأن نتثبت من أخبارهم. وهكذا عباد الله من الأمور التي ينبغي أن نفعلها إزاء الأخبار التي تنتشر في مجتمعاتنا، ومن ورائها الطعن في الأعراض، أي في أعراض المسلمين، ذلك أن نحسن الظن بأهل الإسلام، وأن نحسن الظن بمن تأتي عنهم الأخبار. فيا عبد الله، إن بلغك أن فلان جارك أو أن فلان زميلك أو أن فلان أخوك قد فعل كذا وكذا وفعل كيت وكيت من أفعال المشينة أو من الأخلاق الرذيلة. فيا عبد الله، على ما تستعجل بتصديق هذا الخبر؟ وعلى ما يا عبد الله تبني على هذا النبأ موقفًا فتنفر من صاحبه وتهجر أخاه. فيا عبد الله، فلو أنك تأدبت بأدب القرآن، وذلك بأن تحسن الظن بمن تأتيك عنهم الأخبار، فترد هذا الناقل قائلًا له: «لا والله، ما أظن أن فلانًا وفلانًا يفعل كذا أو يعمل كذا، أنا ما أظن أنهم يصدر منهم هذه الأفعال، صاحبي على دين، أخي على خلق». وهكذا حالك يا عبد الله، تعامل الناس بحسن الأخلاق وتحسن بهم الظن. انظروا عباد الله إلى تلكم الحادثة العظيمة، حادثة الإفك، تلكم الحادثة والتي تعتبر من أقوى الحوادث تأثيرًا على نبينا عليه الصلاة والسلام. عندما بث المنافقون في أسخاص الصحابة أن إحدى زوجات الرسول عليها الصلاة والسلام قد وقعت في سوء، برأها الله مما يقول أهل النفاق. فصدق هذا الخبر بعض الناس، فأنزل ربنا عز وجل آيات عظيمة. من تأملها ومن نظر فيها يعلم أن الله عز وجل قد جعلها منهاجًا وجعلها سلوكًا لجيل الصحابة ولغيرهم من أجيال فيمن يأتي من بعدهم، بأن يتعاملوا مع الشائعات بهذا الأمر. قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ * لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ مُبِينٌ﴾ إلى قول سبحانه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَذَا سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ * يُعِظُكُمُ اللَّهُ أَنْ تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَدًا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾. نعم عباد الله، أما ربنا عز وجل أمر المسلمين أنهم يعاملوا الناس بما يرضون بأنفسهم. كما أنك يا عبد الله لا ترضى أن ينقل عنك سوء أو تنقل عنك مذمة أو منقصة، فعليك كذلك يا عبد الله أن تعامل إخوانك، فلا تظن بإخوانك سوءًا. قال سبحانه: ﴿لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْرًا﴾، أي بإخوانهم خيرًا. وقالوا: «هذا إفك مبين». عباد الله، هذه الأخلاق التي أجبنا بها ربنا عز وجل. فقولوا لي بربكم عباد الله، لو أن الواحد منا تعامل الناس وتعامل مع الأخبار ومع الإشاعات بهذا المبدأ، فوالله والله ما ظهرت خصومات ولا ظهرت شحناء ولا بغضاء. لكننا عندما لم نتأدب بهذا الأدب، كان هذا من جزاء أعمالنا. فأسأل ربنا عز وجل أن يوفقنا فيما يحب ويرضى. أقول قولي هذا، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. والله تعالى أعلم.