أعمال أهل الإيمان في شعبان

الخطبة بعنوان أعمال أهل الإيمان في شعبان، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 13 شعبان 1440هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

فضل شهر شعبان ورفع الأعمال

شهر شعبان ترفع فيه الأعمال إلى الله، وكان السلف الصالح يهتمون به بطاعة الله. كان النبي يكثر من صيامه لقضاء النوافل وتزيين صحيفة أعماله.

أحكام صيام شعبان واستقبال رمضان

يُشرع صيام شعبان كله عدا تقديم رمضان بيوم أو يومين، وينبغي استقبال رمضان بالفرح والعزم على الطاعة. يجب الحذر من سلوك أهل النفاق وتخصيص ليلة النصف بعبادات دون دليل.

دعاء وتوجيه للصلاة في ختام الحديث

المقطع يتضمن دعاء للمسلمين بالمغفرة ويختم بالصلاة على النبي وصحبه، ويتوجّه إلى المصلين للقيام إلى صلاتهم. هذا يدل على أهمية الدعاء والصلاة في ختام المناسبات الدينية.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. أما بعد، فإن خير الكلام كلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، روى النسائي في سننه من حديث أسامة بن زيد رضي الله عنه قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم من شعبان؟ فقال عليه الصلاة والسلام: «ذاك شهر يغفل عنه الناس بين رجب ورمضان، وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين». ففي هذا الحديث يبين ويوضح مدى عظمة هذا الشهر، والذي ميزه الله عن باقي الشهور بالخير والبركة، فهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى الله جل وعلا. واعلم يا عبد الله أن رفع الأعمال إلى الله له حالات، ويكون على فترات، فهناك الرفع اليومي، الذي ترفع به الأعمال إلى الله في اليوم مرتين، وذلك عند تعاقب ملائكة الليل وملائكة النهار. وهناك الرفع الأسبوعي، ترفع الأعمال في خلال الأسبوع في يومين اثنين، في يوم الاثنين والخميس، قال عليه الصلاة والسلام: «تعرض أعمال الناس إلى الله يوم الاثنين ويوم الخميس». وهناك الرفع السنوي، ولا يكون ذلك إلا مرة واحدة، وهو في شعبان، في هذا الشهر الذي نحن نستظل في ظله، ونتقلب بين أيامه ولياليه، ففي هذا الشهر ترفع فيه الأعمال كما قال عليه الصلاة والسلام: «وهو شهر ترفع فيه الأعمال إلى رب العالمين». فكان ينبغي على كل مسلم ومسلمة أن يحرص، وخاصة في هذه الفترات، في فترات رفع الأعمال، أن يكون متلبسًا بالأعمال الصالحة. فالله الله يا عبد الله، باغتنام هذه الأيام بالتقرب إلى الرحمن بصالح الأعمال، فهذا شهر يغفل عنه الكثير من الأنام. فمن الناس من هو في شعبان منشغل بالشركيات، من شد الرحال إلى المزارات، فيتقرب لها بالقربات، فيذبح القرابين، ويستنجد بالأموات. ومن الناس من هو في شعبان منشغل بالبدع والمحدثات، من أذكار وطقوس، ما أنزل الله بها من سلطان. ومن الناس من هو في شعبان منشغل بفعل السيئات، بارتكاب الذنوب والمعاصي والموبقات، والإقبال والإنكباب على الملذات والشهوات. فأكثر الخلق لم يعطوا لشعبان حقه وقدره من الإعظام، فلم يرفعوا له رأسًا، ولم يلقوا له بالًا. وقد كان من شأن سلفنا الصالح الاهتمام بمثل هذه الأيام، بطاعة الرحمن جل وعلا، بالإقبال على الطاعات والعبادات، من أداء الفرائض والواجبات، والإقبال على النوافل والسنن والمستحبات. وكان عمر بن قيس الملائي رحمه الله إذا دخل شعبان أقفل حانوته، وأقبل وتفرغ لعبادة ربه، وكان يقول: «طوبى لمن أصلح نفسه في شعبان». وكان سلمة بن كهيل رحمه الله تعالى يقول: «شعبان هو شهر القراء». فكان ينبغي علينا عباد الله جميعًا، أن نبذل ما نستطيع من فعل طاعات وعبادات، سواء أكانت لازمة أو متعدية لغيرنا. ومن أعظم الطاعات التي ينبغي أن يحرص عليها المسلمون، وخاصة في هذا الشهر، ما كان عليه هديه عليه الصلاة والسلام، وذلك من الحرص على كثرة الصيام. فكان أسامة بن زيد يتعجب فيقول: «يا رسول الله، لم أرك تصوم من الشهور ما تصوم في شعبان». وثبت في الصحيح من حديث عائشة أنها قالت: «ما رأيته أكثر صيامًا منه في شعبان». وجاء في رواية أنها قالت: «كان يصوم شعبان إلا قليلًا». وإن العلماء إذا نظر إلى هذه الأحاديث الوفيرة، الدالة على ما كان من كثرة صيام عليه الصلاة والسلام في هذا الشهر، أن حرصوا على معرفة الأسباب. فكان مما ذكره من العلل، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تكون عليه نوافل من صيام، فلا يستطيع أن يؤديها في وقتها، فيؤخرها فيقضيها في شعبان. وفي هذا تنبيه لنا إلى أن من كان عليه أيام من رمضان، فهو أولى وأجدر وأحرى أن يبادر إلى قضائها في هذه الأيام. فكم من رجال، وأكثر ما يكون عند النساء، من أيام عليهن من رمضان، فيتقاصرن في فعلها، فعليهن المبادرة قبل دخول رمضان التالي. وذكر العلماء أيضًا من أسباب كثرة صيامه في شعبان، أنه شهر ترفع فيه الأعمال، فيحب نبينا صلى الله عليه وسلم أن تكون صحيفة أعماله ترفع إلى ربه وهي مزيَّنة بالصيام، وهي من أعظم العبادات وأجلها. ومن الاحتمالات المذكورة التي ذكرها العلماء في سبب كثرة صيامه في شعبان، أن النبي صلى الله عليه وسلم أراد من أمته التمرن على الصيام. فالله الله يا عبد الله، الحرص على صيام أيام من شعبان، تأسيًا برسولنا عليه الصلاة والسلام. واعلموا عباد الله أن ما جاء من حديث: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا»، أن هذا الحديث قد صرح الكثير من الحفاظ والنقاد على إعلاله، وعلى التصريح بضعفه، وأنه ليس صالحًا للحجية. بل إن منهم من صرح بنكارته، ومن الأئمة الذين أعلوه من كبار أئمة الحديث، كالإمام أحمد، وأبي زرعة، وعبد الرحمن بن مهدي، وابن معين، وجماعات كثر من أئمة الحديث، على تضعيف الحديث وتوهينه. فلا يصح قوله صلى الله عليه وسلم: «إذا انتصف شعبان فلا تصوموا». وبهذا نعلم عباد الله أن شعبان متاح لك صيام من أوله إلى آخره، إلا أنك لا تقدم رمضان بصوم يوم أو يومين. ومما يجر التنبيه إليه، ما يتداوله بعض الناس من ذكر فضائل لشعبان، وذلك كتخصيص بعض العبادات، وبالأخص في ليلة النصف من شعبان، كمن يحدث للناس أذكارًا وأورادًا، أو قراءة سور معينة. أو من يخص ليلة النصف من شعبان بقيام، من دور سائر الليالي والأيام، أو أنه يقوم بفتح المساجد لاستقبال روادها، أو ممن ينشئ للناس صلوات مخترعة، كالصلاة الألفية، وغيرها من البدع والمحدثات. فإن هذا مما يستشنع على صاحبه، وكل عمل ليس عليه سنة صلى الله عليه وسلم فهو مردود على صاحبه، فلا بدع ولا محدثات في شعبان. وإنما أكثر ما يذكر، كما اجتهد فيه جماعة من العلماء، واستظهروه، مما يحكى في ليلة النصف من شعبان، ما جاء في بعض الطرق السنية، ما جاء عند النماجة من حديث أبي موسى الأشعري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا كانت ليلة النصف من شعبان، إن الله ليطلع على العباد، فيغفر لكل عبد لا يشرك بالله شيئًا، ولا لمتشاحن». وهذا الحديث حسنه جماعة من العلماء، كالهيثمي، وهكذا العلامة الألباني. ففي هذا الحديث: «إن الله ليطلع في ليلة النصف من شعبان، فيغفر لجميع خلقه، إلا لمشرك أو متشاحن». فهذان الصنفان لا يغفر الله لهما، من كان على كفر وردة، ومن كان على شحناء وبغضاء، كالعاق لوالديه، أو قاطع لرحمه، أو مهاجرًا لقرابته، أو متخاصمًا مع جيرانه، أو متشاحنًا مع أحد من المسلمين، لا لشيء، وإنما لدنيه ودناءة. فهؤلاء خرجوا من مغفرة الله، والتي ستشمل جميع خلقه، إلا من كان مشاحنًا. فلازلنا عباد الله في هذا المقام، في ذكر ما ينبغي على كل مسلم ومسلمة الحرص عليه، وذلك بالإقبال على الطاعات والعبادات، اغتنامًا لهذا الشهر المفضل، والذي فيه ترفع الأعمال. وأيضًا مما ينبغي أن نحرص عليه في هذا الشهر، هو إعداد العدة باستقبال رمضان، هذا الضيف العزيز الذي دنى وصوله، وقرب أجله. فلله الحمد من قبل ومن بعد، وإن إعداد العدة واستقبال رمضان، ليس أعني به ما عليه الكثير من الخلق، من المسارعة إلى شراء الطعام، وإلى تكديس المواد، وشراء ما لذ وطاب من المأكولات والمشروبات. وإن كان هذا كله من الأمور الجائزة المباحة، إلا أني أعني باستقبال رمضان، بما جاء في شرعنا، وما دلت عليه الأدلة. فمن أعظم ما يستقبل به رمضان، الفرح بقدومه، والاستبشار بدنوه، ويظهر هذا الفرح أول ما يظهر في صميم قلوبنا، ومن ثم يظهر ذلك في تقاسيم وجهنا، وفي عبارات ألسنتنا. قال سبحانه: ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ﴾. فسَّر المفسرون الرحمة هنا بدينه وشرعه، ﴿قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ﴾ أي بدينه، وما أنزل الله جل وعلا من أركان وشرائع. فإن من العبادات العظيمة والمقامات الحميدة، التي ينبغي أن يتصف بها المسلمون جميعًا، الفرح بكل ما أوجبه الله جل وعلا علينا من دين وشريعة. ومن هنا استحب كثير من العلماء التهنئة بقدوم رمضان، وأن ذلك من الأعمال المشروعة، لما فيها من الفرحة والبهجة بقدوم هذا الشهر المفضل. وإن هذا المقام مقام الفرح بشرع الله، ليعتبر من الفاصل بين أهل الإيمان وبين أهل الشقاق والنفاق. قال سبحانه حاكيًا عن المنافقين: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ﴾. فأهل النفاق هم الذين يستثقلون العبادات، وهم الذين يتضايقون منها، ويضيقون منها ذرعًا. فاحذر يا عبد الله، وإياك أن يعتريك هذا السلوك، بأن تشعر بانقباض، وأن تشعر بأسى وحزن كلما قرب رمضان، فما هذا إلا سلوك أهل النفاق والعياذ بالله. وأيضًا مما ينبغي أن تتخذ به العدة في استقبال رمضان، من الآن العزم الأكيد، على أنك يا عبد الله متى ما يسر الله لك الحضور لهذا الشهر العظيم، بأن تغتنم أيامه، وأن تستقبل لياليه بعبادات جليلة، وطاعات عظيمة، وبأخلاق فاضلة، وآداب سديدة. حدث نفسك من الآن، إذ أن النية أبلغ من العمل، كما قال العلماء، وقبل ذلك قوله عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». فما يدريك لعل المنية تأتيك وأنت في هذه الأيام، فاجعل روحك تخبض، وقلبك ممتلئًا بهذه النية العظيمة، فلعل هذا ينفعك عند الله جل وعلا، فيؤجرك على ما كان في نيتك، وإن لم تعمل. واعلم يا عبد الله أن صيام رمضان يعتبر من أعظم أعظم أركان أهل الإسلام، ومن مبانيه العظام. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. ولا عذر لأحد منا في ترك صيام رمضان، إلا بما جاءت به الأدلة الشرعية. فمن كان منكم مريضًا أو على سفر، فعدة من أيام أخر. ومن لم يكن له عذر شرعي، فليعلم أن إفطاره في رمضان من أعظم الموبقات. قال العلامة الذهبي رحمه الله: «من أفطر أياما من رمضان، فهو شر من الزاني، ومن مدمن الخمر». فاحرص يا عبد الله على أن تنوي، وبالعزم الأكيد على صيام رمضان. وأخيرًا عباد الله، ومن أعظم ما ينبغي أن نعد به العدة من الآن، ونحن في شهر شعبان، استقبالًا لرمضان، المسارعة إلى إزالة كل مانع يمنعنا من استيفاء أجر الصيام، من أقوال وأعمال وأحوال. فكم من رجل لربما يدخل عليه رمضان، إلا أن أعماله من صيام وقيام، ومن صلة وقراءة للقرآن، لربما تكون مردودة على وجهه، لا يقبل الله منه صرفًا ولا عدلًا. حالهم كحال من قال ربنا عنهم: ﴿وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا﴾. تفقه يا عبد الله في دينك، واعلم ما هي الأعمال والأحوال التي تمنعك من الاستفادة من أجرك وثوابك. فإن ذلك من المسائل العظيمة التي من الآن يبحث كل منا في نفسه، ويبحث في دينه، في معرفتها، والمسارعة إلى إزالتها. فعلى سبيل المثال، ترك الصلاة، ترك الصلاة يدخل رمضان على أحدنا وهو مصر على ترك الصلاة. وقد قال نبيك صلى الله عليه وسلم: «من ترك صلاة العصر، فقد حبط عمله». فما بالك بالذي يترك كل الصلاة، أو أغلب الصلاة؟ فبالله عليك، أي عمل سترجوه من صيامك ومن قيامك، وأنت تارك للصلاة المفروضة؟ فينبغي عباد الله التفقه العظيم في هذا الباب، الذي غفل عنه الكثير من الناس. أسأل المولى جل وعلا أن يجعلنا ممن يستمعون القول، فيتبعون أحسنه. اللهم اغفر للمسلمين والمسلمات، والمؤمنين والمؤمنات، الأحياء منهم والأموات. يا مجيب الدعوات، وصلى الله على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم. وقوموا إلى صلاتكم، رعاكم الله.