الخطبة بعنوان رسائل لمن يعنيهم أمر وباء كورونا، وكانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر 5 ذو القعدة 1441هـ ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يوجّه الخطيب المسؤولين إلى ضرورة التقوى وتوفير سبل الوقاية والحماية للمواطنين، ويشدد على أهمية الرفق في التعامل معهم. كما يحثهم على إنكار المنكرات وتعطيل الحرمات والمحرمات.
الخطاب يوجه رسائل مهمة للكوادر الطبية بضرورة بذل قصارى جهدهم في علاج المرضى، وللإعلاميين بضرورة التحري في مصداقية الأخبار وتجنب نشر الإشاعات الكاذبة. الرسالة تؤكد على أهمية دور كل فريق في التعامل مع الأزمة الصحية.
يوصي الخطيب أرباب الأموال والتجار بإنفاق أموالهم في أبواب الخير ومساعدة المحتاجين والمتعسرين. يشير إلى أن فعل المعروف يدفع البلاء ويقي من مصارع السوء، ويحث على التيسير على المدينين والمعسرين.
ينهى عن التباهي والتفاخر ويحث على التعبد لله والذكر والشكر. يشير إلى الآية الكريمة التي تبين أن الشكر يؤدي إلى المزيد من النعم، ويختتم بدعاء لله بأن ينفع المستمعين.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله. ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا * يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا﴾. فكلام المولى جل وعلا، وخير الهدي هدي محمد صلى الله عليه وسلم، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار. عباد الله، لا يزال وباء كورونا يلقي بظلاله وآثاره على الدول والبلدان، وعلى الأفراد والمجتمعات، فلا يزال هو هاجسهم الأعظم ومصدر قلقهم الأول، بل هي آية من آيات ربنا الأكرم، جعلها ربنا جل وعلا لكل معتبر ومتأمل. عباد الله، وإنني في هذا المقام لأبعث بنصائح وتوجيهات ورسائل وإرشادات لفئات وفئام من الناس ممن يعنيهم أمر الوباء بالدرجة الأولى. وأولى هذه الرسائل أبعثها لكل مسؤول ممن ولاه ربنا جل وعلا مسؤولية صغيرة كانت أو كبيرة، وذلك بأن يتق الله في من هم تحت يده، وذلك بأن يوفر لهم طرق الوقاية وسبل الحماية، بسلامة كل فرد من أفرادها، وذلك على قدر الاستطاعة. قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته». وإن أهل المسؤوليات إزاء تطبيقهم وتوفيرهم لمثل هذه الطرق والسبل، فلا بد أن يتحلوا باللين والرفق. قال عليه الصلاة والسلام: «ما كان الرفق في شيء إلا زانه، ولا نزع من شيء إلا شانه». وكان من خُلقِه عليه الصلاة والسلام لكل أهل المسؤوليات أنه قال: «اللهم من ولي من أمر أمتي شيئًا فشق عليهم فاشقق عليه، ومن ولي من أمر أمتي شيئًا فرفق بهم فارفق به». وإن مما ينبغي كذلك على جميع المسؤولين المسارعة، ونحن في هذا الزمن خاصة، المسارعة إلى إنكار المنكرات، وإلى تعطيل الحرمات والمحرمات، إذ أن لهم من الصلاحية ما ليس لغيرهم. «من رأى منكم منكرًا فليغيره بيده». فإن المعاصي هي أساس كل البلاء، وهي السبب في حالة الضعف والذل والوهن والشقاء، وما أمر الوباء إلا من هذا الباب. وكما قيل: «ما نزل بلاء إلا بذنب، وما رفع إلا بتوبة». ومن أعظم المنكرات على الإطلاق الإشراك بالله، بأن يتخذ مع الله جل وعلا أندادًا من أصنام وأحجار، أو من قبور وأشجار، فإن هذه تزال في الحال، فإن من أعظم ما يستجلب علينا سخط الرب جل في علاه. وأما الرسالة الثانية، فإني أبعثها لأهل الصحة من الكوادر الطبية واللجان الصحية، على كافة مستوياتهم، بأن يعلموا عظيم ما أتمنهم الله عليه، إذ أن الله أمنهم على حياة الناس وأرواحهم، فهي موضوع بين أيديهم. فعليهم أن يبذلوا قصار جهدهم في علاجهم ومداواتهم، وفي دفع الضر عنهم بكل ما أوتوا من قدرة. قال سبحانه: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾، فكفى بهذا شرفًا لهم، وكفى بهذا فخرًا لمهنتهم إحياء الناس والمبادرة إلى علاجها ودفع الضر عنها. ألا وليعلموا أن في خضم هذا الأمر لابد أن يراعوا حالة الناس، إذ أصابهم من الخوف والذعر والقلق من كثرة ما يسمعونه عن الوباء هنا وهنا، فهم بأمس الحاجة إلى من يطمئن قلوبهم ويشرح صدورهم قبل أن يتولى بعلاج أبدانهم وأجسادهم. وهذا ظن بهم، وما أجمل أن يكون رجل الصحة ملما ببعض الأحكام الشرعية، إذ أن حكمه المهني ليفتقر إلى معرفة الحكم الشرعي، إذا كان الأمر متعلقًا بأبواب الدين. وأن يكون رجل الصحة أيضًا مطلعًا على بعض التحصينات الشرعية والأذكار والأوراد النبوية، فإن أثرها عظيم جدًا في وقاية الأفراد من الأوبئة والأمراض. وأما الرسالة الثالثة، فإني أبعثها إلى الإعلاميين وإلى الصحفيين وإلى كل من حمل على عاتقه رسالة نقل الخبر، فإن الناس بأحرج ما يكون إلى من يوصل لهم الأخبار ويرصد لهم الأنباء، وخاصة وأن بلادنا تعج بالمتغيرات الكثيرة والتطورات العديدة من أمنية وسياسية ومن صحية وعسكرية ومن اقتصادية واجتماعية. وإنه لا سبيل لأي فرد منا أن يكون على اطلاع ومعرفة بها، بخلاف الإعلام فإنه قد فرغ وقته وجند نفسه لأداء هذه المهمة. ولكن ليعلموا أن مهمتهم لا تقتصر فقط على إيصال الخبر، بل إن هناك ما هو أعظم من ذلك، ألا وهو التحري في مصداقية الأخبار. وللأسف كم رأينا وسمعنا في هذه الأزمان من أناس قد انتحلوا نحلة الكذب والتدليس، واتخذوا مسلك الغش والتلبيس وبث الإشاعات ونشر الإرجافات بين الأفراد والمجتمعات، وبين المسلمين والمسلمات، تارة تحت أسماء مستعارة، أو يكتبون في منصات وهمية، وأعظم من ذلك أن يتقمص شخصيات غيره، والعياذ بالله. وقد أخبرنا عليه الصلاة والسلام عن عذاب شديد لكل من كذب الكذبة حتى بلغت الآفاق. نسأل الله العفو والعافية والسلامة من غضب الله ومن مقته. أقول قولي هذا وأستغفر الله، إنه هو الغفور الرحيم. الحمد لله على إحسانه، والحمد لله على توفيقه وامتنانه، وأشهد أن لا إله إلا الله تعظيمًا لشأنه، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله الداعي لرضوانه، صلى الله عليه وعلى آله وأزواجه وأصحابه. وإن من الفئات المهمة التي نبعث لها برسالة هم أرباب الأموال من أهل التجارات والأعمال، وذلك بأن يصرفوا ما أنعم الله عليهم من أرزاق بأن ينفقوها في أبواب الخير، وخاصة في إعانة المحتاجين ومساعدة الفقراء والمساكين، فإنه لا يخفى على أحد عظيم ما ألم بالناس من ضيق وشدة. وقد قال عليه الصلاة والسلام: «من كان عنده فضل زاد فليعد به على من لا زاد له». وقال عليه الصلاة والسلام: «ما نقص مال من صدقة». وإن صنائع المعروف يا عبد الله لهي من أعظم الأسباب التي تدفع عنا البلاء والوباء. قال عليه الصلاة والسلام: «صنائع المعروف تقي مصارع السوء والآفات والمهلكات». وإن أهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة. وإن من هذا الباب ما يكون من حال الناس ممن تراكمت عليهم الديون وتكاثرت عليهم الإيجارات، إذ أن الناس بسبب ما كان من الإجراءات الاحترازية فإن الكثير منهم قد قلت ذات أيديهم، فما استطاعوا أن يوفروا الأموال في سداد ديونهم أو في دفع أقساطهم أو في سداد إيجاراتهم. فيا عبد الله، يا من آتاك الله مالًا أو تجارة أو عقارًا، إن أحببت أن الله يتجاوز عنك فتجاوز أنت عن عباده، وإن أردت أن الله جل وعلا ينفس عنك من كربات الدنيا والآخرة فنفس أنت عن خلقه، فإن الله جل وعلا كما جاء في الصحيح لما علم بعبد من عباده كان يتجاوز عن أصحاب الديون، قال الله لملائكته: «تجاوزوا عنه، نحن أولى بالتجاوز منه». فإن الله جل وعلا يعامل العباد كما يعامل العباد بعضهم بعضًا. ولأقل يا عبد الله، إن لم تستطع التجاوز، فلا أقل يا عبد الله أن تؤخر دفع الأقساط، وإن كان ذو عسرة فنظره إلى ميسرة، وأن تصدقوا خير لكم إن كنتم تعلمون. عباد الله، والرسالة الأخيرة هي لكل فرد منا، أن نستشعر بعظيم ما أنعم الله علينا، نعم مرت علينا أيام عجاف، لكن من قارن هذه الأيام التي ضاقت بها أحوالنا بأحوال غيرنا لعلمنا أننا في عافية، ولله الحمد والمنة. بل هذا الوباء كورونا أصبح الكثير منا في شك من حصوله، وفي شك من ثبوته، لأننا ما وجدنا أعراضه وما وجدنا آثاره، قد يكون موجودًا بيننا لكن الله بنعمته أبعد عنا شره وأضعف عنا قوته. سل يا عبد الله عن الإحصائيات، عن الوفيات، عن الإصابات، بل سل عن حالات العدوى، لا تكاد تذكر، إنه فضل من ربنا جل في علاه، إن لم يقع فينا ولم يحصل في بلادنا فهي نعمة، وأما إن وجد فينا ولم يؤثر علينا كتأثير غيرنا فهي آية من آيات الله، جعلها الله لأهل هذه البلاد. فلا سبيل يا عبد الله للتباهي والتفاخر، بل إن هذا مدعاة إلى حسن التعبد لربنا جل وعلا، وأن نكثر من ذكره، وأن نكثر من حمده وشكره. قال جل في علاه: ﴿وَلَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ﴾. أسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، ونسأله سبحانه وتعالى أن يجعلنا ممن يستمعون القول فيتبعون أحسنه، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، وقوموا إلى صلاتكم رعاكم الله.