الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 13، وفيه من قوله ( إحداهما:قوم اعتقدوا معاني ثم أرادوا حمل ألفاظ القرآن عليها ... وهذا كما أنه وقع في تفسير القرآن فإنه وقع أيضاً في تفسير الحديث ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يشرح الشيخ معنى الريب وفرقه عن الشك، مستدلاً بآيات قرآنية وأحاديث نبوية. يبين أن الريب يتضمن اضطرابًا بينما الشك قد لا يصل إلى هذا الحد.
يفسر المقطع معاني الألفاظ الواردة في الأحاديث والقرآن، مثل "الريب" و"الكتاب". يبين أن هناك فروق دقيقة بين الألفاظ وأن الجمع بين عبارات السلف نافع لفهم المعاني.
يشرح الشيخ أن أمور الدين معلومة بالضرورة عند عامة المسلمين، وأن وجود خلاف في التفاصيل لا يوجب ريبًا. يبين أن هناك راجحًا ومرجوحًا في مسائل الخلاف وأن العلماء يميزون بينهما.
يخلص المقطع إلى أن الاستلاف ينقسم إلى نوعين: يتعلق أحدهما بالدليل والآخر بالفهم. يعد بأن يأتي الفصل التالي بأمثلة على ذلك.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. قال رحمه الله تعالى: ومن قال «لا ريب»؛ «لا شك»، فهذا تقريب، وإلا فالريب فيه اضطراب وحركة، كما قال ﴿دَعْ مَا يَرِيبُكَ إِلَى مَا لَا يَرِيبُكَ﴾، وفي الحديث أنه مر بضبي حاقف، فقال: «لا يريبه أحد». فكما أن اليقين: هم من السكون، طمأنينة؛ فالريب ضده: هم من الاضطراب والحركة. قال: «رفض الشك» وإن كان يستلزم هذا المعنى، لكن لفظه لا يدل عليه. وكذلك إذا قال: «فيه ذلك الكتاب»، أي: هذا القرآن؛ فهذا تقريب؛ لأن المشاردين وإن كان واحدًا، فالإشارة بجهة الحضور غير الإشارة بجهة البعد والغيبة. ورفض الكتاب يتضمن من كونه مكتوبًا مكنونًا ما لا يتضمنه لفظ القرآن من كونه مقروءًا مظهرًا باديا. فهذه الفروق موجودة في القرآن. فإذا قال أحدهم: «أن تبسل»، أي: أن تحبس، وقال الآخر: «ترتهن»، ونحو ذلك؛ لم يكن من استلاف الطِّبَاع، وإن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا، وقد لا يكون؛ إذ هذا تقريب للمعنى كما تقدم. وهذا الفصل أو هذه العبارة والجمل جعلها رحمه الله تعالى كذلك في الكلام على مبحث آخر من مباحث الاستهلالات المنقول عن من يتكلم في التفسير من السلف ومن بعدهم. فيقول رحمه الله: وضرب بهذا ثلاثة أمثلة. المثال الأول في تفسير الريب بأن منهم من فسره بالشك، ومع ذلك فهو تقريب للمعنى. وهو يريد أن يبين أن هذا الاستلاف ليس من استلاف الطِّباع، بل هو من استلاف التنوع؛ إذ بعضهم يعبر ببعض الكلمات التي تقرب المعنى، وإلا فالقاعدة عند الأهل -أهل العربية- كما سبق: أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فما دام أن مبنى الريب غير مبنى الشك؛ فلابد أن يكون هناك فرق بين الريب وبين الشك. ولهذا قال رحمه الله: إن الريب ليس هو عين الشك، بل الريب فيه اضطراب وحركة؛ فيه اضطراب وحركة؛ يعني: شكل مع اضطراب وحركة، وترجف؛ فيه نوع من الترجف مع شيء من الاضطراب والحركة؛ اضطراب وحركة حسية، والاضطراب وحركة معنوية؛ المعنوية من التردد وزيادة الشك، والحسية بما يظهر على حال هذا الإنسان من أقوال وأفعال ومواقف تدل على أنه ليس عنده يقين؛ ليس عنده يقين. ولهذا قد يكون الريب أحيانًا أعلى من الشك؛ فصاحبه أحسن حالًا من الشاك؛ لأن الشاك ربما لا يجزم بموقف؛ الشاك ربما لا يجزم بموقف؛ يبقى محتارًا لا يختار أحد الموقفين. وأما الذي عنده ريب؛ قد يختار أحد الموقفين، لكنه على غير يقين؛ فيه على غير يقين؛ بل مع اتخاذ هذا الموقف عنده شيء من الريب؛ فهو متردد فيه. ولهذا وصف أهل الإيمان باليقين: ﴿هُدًى لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾ إلى آخر الآيات؛ فنفي الريب عن أهل الإيمان؛ فأهم الإيمان: اليقين. فإذا الريب ضد اليقين؛ الريب ضد اليقين. ثم ضرب رحمه الله بحديثين لإثبات هذا المعنى، وهو: الحديث الأول حديث الحسن: مشهور، وهو حديث حسن؛ رواه الترمذي وغيره: «دع ما يريبك إلى ما لا يريبك». وهذا لفظ الحديث. الثاني: فمعنى «دع ما تشك فيه إلى ما لا تشك فيه». وهل هذا هو عين الشك؟ لا، هذا تقريب للمعنى؛ فالمراد بالريب ها هنا هو معنى فيه زيادة حركة واضطراب. قالوا: في الحديث -يعني: الحديث الآخر- فهو كذلك يحسنه بعض أهل العلم؛ أحمد وغيره: من حديث زيد بن أرقم «أنه مر بضب حاقف، فقال: لا يريبه أحد». أي: قال: «إيش؟»؛ معنى «لا يشغله» أو «لا يدخل عليه الاضطراب»؛ «ولا يقيه». فصار الريب فيه معنى الاضطراب والحركة والخوف؛ فهذا من معاني الريب. وأصل الحديث فيه قصة في أمر خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأحد أسفاره؛ فإنه مر بضبي رمي بسهم، وقد استظل في غار. وفي رواية النسائي: «أنه كان تحت صخرة». أو رواية أحمد: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ما قال. ومعنى «حاقف»: كما علق عندنا المعلق؛ قال: «أي: نائم قد انحنى بنومه». وهذا تدلي؛ التقريب للمعنى؛ وإلا: «الحاقف» هو نوع خاص من النوم؛ ليس نومًا؛ بل نوع خاص من السكون؛ نوع خاص من السكون. ولهذا قال السنبي رحمه الله في شرح هذا الحديث -في شرحه للنسائي-: «قيل: معناه منحني رأسه؛ منحني رأسه بين يديه إلى رجليه». قال: «وقيل: لصق به حقفه». وهو من «عقف». ويؤيد هذا رواية لإمام أحمد: «أنه وجد تحت صخرة». فهذه المعاني الثلاثة كلها مجتمعة؛ يعني: أنه منحني، ورأسه بين رجليه؛ بين يديه إلى رجليه. وكذلك لصق به حقفه؛ إلى مكان منحني. فهذه المعاني الثلاثة تشملها لفظة «حاقف». ثم ذكر المثال الثاني: وهو معنى «الكتاب». فبين رحمه الله: بأن الكتاب المراد به بالجملة القرآن؛ لكن هناك فرق بين القرآن والكتاب؛ فإن معنى الكتاب يتضمن معنى الكتابة، ومعنى القرآن يتضمن معنى القراءة والإظهار والإبداء. وهذه معاني أو نقول: فروق دقيقة لمن تأمل معاني الألفاظ وما تستعمل فيه. وبالجملة: قد يعبر بهذا عن هذا، وهذا عن هذا؛ فهذا من تقريب المعنى؛ وليس هو من الاختلاف. وكذلك المثال الثالث: «أن تبسل نفس»، قال: «أي: أن تحبس». وفسّر: «أن ترتهن». وهذا فذلك من تقريب المعنى؛ وإلا: «تبسل» ليس هو «تحبس»، وليس هو «ترتهن»؛ بل هذا تقريب للمعنى؛ فـ«تبسل» هو نوع من الحبس والارتهان الخاص؛ نوع من الحبس والارتهان الخاص. وقوله رحمه الله: «إن كان المحبوس قد يكون مرتهنًا، وقد لا يكون»؛ يعني: معلق بشيء؛ وقد لا يكون؛ فهذا كذلك من التقريب للمعنى؛ وإلا فليس هو تحبس؛ وليس هو ترتهن؛ لأن «تبسل» لفظ اختلف مبناه؛ فدل على أن معناه كذلك مختلف؛ فهو نوع من الحبس والارتهان؛ لكن على صفة مخصوصة؛ على صفة مخصوصة. قال رحمه الله: وجمع عبارات السلف في مثل هذا نافع جدًا؛ لأن مجموع عباراتهم أدل على المقصود من عبارة أو عبارتين. ومع هذا؛ فلا بد من استلاف محقق بينهم؛ كما يوجد مثل ذلك في الأحكام. يقول رحمه الله: إذا علمت ذلك؛ فإذا ما ينقل من استلاف عن السلف في تفسير بعض الآيات؛ هو مفيد. ووجه الفائدة فيه: أنه من استلاف التنوع؛ ليس من استلاف الطِّباع؛ فإذا كان من استلاف التنوع؛ فأنت تستفيد بتفاسير السلف هذه المختلفة إلى معاني ربما ما تخطر بذهنك؛ إلى معاني ربما لا تخطر بذهنك؛ لكن بمثل هذا التفسير تتنبه لمثل هذه المعاني؛ هذا مراده رحمه الله. ثم نبه كذلك: أنه عند التحقيق في هذا الخلاف الذي قد يرد؛ لابد أن يكون فيه راجح ومرجوح بالغالب؛ حتى ولو كان من باب تقريب المعنى؛ حتى ولو كان من باب المباحث اللغوية؛ فهو كغير من الأحكام؛ يوجد معنى أقرب من آخر. فقد تجمع من الأقوال كلها أولًا، ثالثًا؛ مثل الآن ما مر: معنى «تبسل» فسر بأنه «تحبس»، وفسر بأنه «ترتهن». ونحن لا نشك أن معنى «تحبس» غير معنى «ترتهن»، ومعنى «تبسل» غير معنى «تحبس»، وغير معنى «ترتهن»؛ إذن: استخرجنا من القولين قول ثالث هو وسط بين هذين القولين؛ وهو أن هناك معنى زائد عن الحبس والارتهان؛ وهو ماذا؟ هذا من اللفظ. قال رحمه الله: ونحن نعلم أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاستهلالات معلوم؛ بل متواثر عند العامة والخاصة؛ كما في عدد الصلوات، ومقادير ركوعها، ومواقيتها، وفروض الزكاة، ونصابها، وتعيين شهر رمضان، والطواف، والوقوف، ورمي الجمار، والمواقيت، وغير ذلك. يقول: وبعد هذا التنبيه الذي سبق؛ نحن على علم -يعني: على علم يقين- أن عامة ما يضطر إليه عموم الناس من الاستهلالات؛ ربما يكون متواثر عند العامة؛ فهناك أشياء معلومة من الدين بالجملة؛ ليس فيها اختلاف؛ وهناك أشياء وتفاصيل فيها اختلاف. وهذا استلاف الذي ورد فيه راجح ومرجوح؛ فيه راجح ومرجوح. ويريد بهذا أن يبين: أن ما كان معلومًا عند العامة، وهو يقين؛ وعند عموم المسلمين، وهو يقين؛ فمثله في مسائل الاستهلاف؛ يوجد ما هو يقين في معرفة الراجح والمرجوح؛ لأن بعض هذه المسائل تخفى على بعض العامة. مثلًا: عدد الصلوات؛ ليس كل الناس يعلمها بالجملة؛ كل مسلم يعلمها؛ لكن بالتفسير ربما يخفى ذلك على بعض المسلمين؛ إما لحداثة عهد بإسلام؛ وإما لشدة جهل وبعد. ولو علم بعضها؛ ما علم البعض الآخر؛ تخفى مثلًا صلاة الخسوف؛ وصفتها وكيفيتها؛ فإنها قد تخفى على بعض الناس؛ وهكذا. فإذا كان هناك راجح ومرجوح في بعض ما هو معلوم من الدين بالضرورة؛ فكذلك في المسائل الأخرى الخفية؛ فإنه لابد أن يكون فيها راجح ومرجوح؛ ويكون العلم بها عند أهل التحقيق من العلماء؛ واضح وظاهر؛ كظهور هذه المسائل عند عامة المسلمين؛ هذا مراده رحمه الله من التنبيه. قال: ثم اختلاف الصحابة بالجد والإخوة، وفي المشركة، ونحو ذلك؛ لا يوجب ريبًا في جمهور مسائل الفرائض. وهذا كذلك تنبيه آخر؛ يقول: يوجد مثلًا في علم الفرائض؛ بعض المسائل فيها خلاف؛ وبعض المسائل ليس فيها خلاف؛ فكون بعض المسائل وقع بها خلاف؛ لا يشكك هذا فيما هو معلوم مما لم يقع فيه خلاف من علم الفرائض؛ كما هو ظاهر؛ ولا يخفى على من درس هذا العلم. فمسألة الجد والإخوة وقع فيها خلاف؛ وهكذا المشركة؛ لكن مع ذلك يوجد فيها راجح ومرجوح معلوم عند أهل التخصص. وهذا الذي وقع فيه الخلاف؛ هل معنى ذلك تشكيك في هذا العلم؟ فإذا لا ندرس هذا العلم بالجملة؛ ولا نأخذه؛ ونشكك فيه؟ الجواب: لا؛ فكذلك يقال في التفسير؛ فما هو معلوم أخذ؛ وما وضع فيه خلاف؛ يحقق خلاف؛ ويعرف الراجح من المرجوح؛ وما كان فيه جمع بين الأقوال؛ فكذلك. قال: بل ما يحتاج إليه عامة الناس وعمود النسب من الآباء والأبناء والكلالة من الإخوة والأخوات ومن نسائهم؛ فإن الله أنزل في الفرائض ثلاثة آيات مفصلة؛ ذكر في الأولى الأصول والفروع؛ وذكر في الثانية الحاشية التي ترث بالفرض؛ الزوجين وولد الأم؛ وفي الثالثة الحاشية الواردة بالتعصيب؛ وهم الأخوة لأبوين أو لأب؛ وإشكال الجد والإخوة نادر؛ ولهذا لم يقع في الإسلام إلا بعد موت النبي صلى الله عليه وآله وسلم. ويريد بهذا: أن ما كان معلومًا؛ فإنه قد وضح بيانه؛ وما كان نادرًا؛ فإنه قد وقع فيه الخلاف؛ ومع ذلك يوجد به راجح مرجوح؛ فيأخذ بما دل عليه الدليل. قال: والاستلاف قد يكون لخفاء الدليل أو الذهول عنه؛ وقد يكون لعدم سماعه؛ يقول: هذا الاستلاف قد يكون بسبب خفاء الدليل؛ كما سيأتي معنا إن شاء الله؛ وقد يكون لذهول عنه؛ نسيان وغفلة حصل بذلك ذهول؛ عدم استحضار لهذا الدليل؛ فصار القول مخالفًا للدليل؛ وقد يكون سماعه؛ وقد يكون الغلط في فهم النص؛ وقد يكون الاعتقاد معارضًا راجحًا. فالمقصد هنا التعريف بمجمل الأمر دون تفاصيله؛ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لبعض هذا الذي ذكره رحمه الله. فالخلاصة: يجمع الاستلاف -كما سيبينه الفصل الآتي إن شاء الله- إلى نوعين: إما شيء يتعلق بالدليل؛ وإما شيء يتعلق بالفهم؛ إما شيء يتعلق بالدليل؛ وإما شيء يتعلق بالفهم؛ وسيأتي إن شاء الله أمثلة لذلك في الفصل الآتي. وبهذا نكتفي؛ والحمد لله رب العالمين.