الدرس في شرح مقدمة اصول التفسير 12، وفيه من قوله ( ومن الأقوال الموجودة عنهم ويجعلها بعض الناس ... يشرب بها عباد الله ضمن يروي بها ونظائره كثيرة ). ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
يناقش المفهوم اللغوي للترادف ومدى وجوده في ألفاظ القرآن الكريم، موضحًا أن الترادف التام غير موجود وأن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى.
يتناول بالتفصيل مسألة الترادف في القرآن، موضحًا أن الألفاظ المختلفة تحمل معاني مختلفة وليست مترادفة، وإنما هي متقاربة في المعنى لتقريب الفهم.
يشرح مفهوم التضمين في اللغة العربية وتطبيقه في تفسير القرآن، مبينًا أنه الطريقة الأصح والأبلغ في التفسير بناءً على قواعد نحوية.
يتم فيه ختام المناقشة مع التعبير عن الاكتفاء والشكر لله رب العالمين، مشيرًا إلى نهاية الموضوع أو الدرس.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك حفظه الله تعالى. والآن مع المادة. اللغة القليل، وأما في ألفاظ القرآن فإما نادر وإما معدوم. وقل أن يعبر عن لغة واحدة بلغة واحدة يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعنى. وهذا من أسباب إعجاز القرآن. فإذا قال القائد: «يوم تمور السماء مورا»، أن المور والحركة كان تقريبا؛ إذ المور حركة خفيفة سريعة. وكذلك إذا قال «الوحي الإعلام» أو قيل: «أوحينا إليك أنزلنا إليك» أو قيل: «وقضينا إلى بني إسرائيل»، أي أعلمنا. وأمثال ذلك، فهذا كله تقريب لا تحقيق. فإن الوحي هو إعلام سريع خفي، والقضاء إليهم أخص من الإعلام؛ فإن فيه إنزالا إليهم وإيحاء إليهم. وهذه الفقرة جعلها المؤلف -رحمه الله تعالى- للتنبيه على نوع آخر من أنواع الاختلاف بين المفسرين، أنه أحيانا يحصل الاختلاف بسبب التعبير عن المعاني بالألفاظ المتقاربة أو المترادفة، فيظن الظان أن هذا فيه اختلاف، وليس الأمر كذلك. وإنما يكون هذا من باب تقريب المعنى، فيعبر بعض المفسرين ببعض الألفاظ التي هي تقرب المعنى، ومرادهم بذلك توضيح معنى هذا اللفظ، وليس مرادهم بذلك إيراد الكلمة المرادفة. فالصحيح أنه لا يوجد في اللغة العربية كلمتان مترادفتان ترادفا تاما. ولهذا قال: «فإن الترادف في اللغة قليل، بل في الحقيقة ممتنع لا يوجد». لا يوجد في اللغة العربية كلمتان مترادفتان بمعنى تدلان على معنى واحد ينطبق كل منهما على هذا المعنى؛ لأن قاعدة عند أهل العربية أن اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى. فإذا قلت مثلا: «جلس وقعد»، في اصطلاح الناس، وفي تعبير الناس أنه بمعنى واحد. لكنه في الحقيقة هناك فرق بين الجلوس وبين القعود؛ لأن اختلاف المبنى -أي مبنى الكلمة- يدل كل منهما على معنى يختلف عن الآخر. فالقعود فيه جلوس وزيادة، وهو وضع المقعدة على الأرض. والجلوس يصح في كل جلوس، ولو لم يكن فيه وضع مقعدة على الأرض، فيقال: «جلس مستوفزا». وهذه الجلسة -الجلسة- ليس فيها وضع المقعدة على الأرض، بل يتكىء على أطراف عقبي القدمين، يعني كأنه قائم ويجلس دون أن يضع مقعدته على الأرض. فهذا نوع من الجلوس، لكنه ليس بقعود. فإذا من دقة اللغة العربية أنه لا يوجد فيها ترادف. لكن قد يعبر باللغة عن اللغة الأخرى من باب التقريب. وهذا الذي صنعه بعض المفسرين، فإنه يأتي إلى بعض الآيات فيذكر معاني تقرب المعنى، وليست هي حقيقة المعنى، وليست هي اللغة بنفسها. ولكن المراد هو إيضاح المعنى، ولو كان اللفظ المعبر به أرفع قليلا أو أقل قليلا؛ لأن الإنسان إذا أراد أن يقرب المعنى سيأتي بفعل مشابه. وهذا الفعل المشابه قد يكون فيه زيادة معنى، وقد يكون فيه قصور معنى. فمراده -رحمه الله- هذا أنه قد يقع الاستعمال، ولكنه من باب التعبير بالألفاظ المتقاربة لا المترادفة. يعني لا تظن أنهم إذا عبروا بهذا أو بهذا بأن هذا أرادوا به الترادف؛ لأن الترادف غير موجود، ولكن أرادوا تقريب المعنى وتوضيح المعنى. وأما قوله: «أما ألفاظ القرآن إما نادر أو معدوم»؛ لأن القرآن في الحقيقة نزل على أفصح ما يتكلم به باللسان العربي المبين. فاللسان العربي سمي لسانا عربيا مبينا، ومع ذلك فالقرآن كان فيه انتقاء أفصح ألفاظ اللغة؛ لأن لغة العرب فيها لهجات، والقرآن نزل أكثر ما نزل على لهجتين. وأكثر اللهجتين ما هي؟ على لغة أهل الحجاز. أكثر ما نزل القرآن على لغة أهل الحجاز. والعرب عموما كلهم عرب، أهل اليمن عرب، وأهل الحجاز عرب، وأهل نجد وبنو تميم عرب، وكلهم عرب ولهم لغات بذلك، فتختلف تعابيرهم واصطلاحاتهم في الكلام. ولكن القرآن نزل على أفصح هذه اللغات، فنزل أكثر ما نزل على لغة أهل الحجاز. والمراد من هذا التنبيه أنه إذا كان الترادف في اللغة العربية قليل أو لا يكاد يكون موجودا على ما سبق، وأن الأصل في اختلاف المبنى يدل على اختلاف المعنى، فإنه في القرآن أشد قلة؛ لأن القرآن نزل بأفصح ما يتكلم به العرب. فإذا علمنا القاعدة، فإنه في القرآن كذلك. قال: «وزل أن يعبر عن لغة واحدة بلغة واحدة يؤدي جميع معناه، بل يكون فيه تقريب لمعناه». يعني لا يمكن أن يكون اللغة الواحدة هي نفسها اللغة الأخرى لا. فمثلا يوم القيامة سمي بأسماء كثيرة: سمي بالساعة، سمي بيوم القيامة، سمي بيوم الدين، سمي كذلك بالآزفة، وغيرها من المسميات الكثيرة التي تبلغ إلى عشرين أو زيادة. فهذه الأسماء هل تدل على شيء واحد وهو من قبيل المترادف؟ الجواب: لا، ليس من قبيل المترادف. صحيح بالجملة تدل على يوم القيامة، لكن كل لفظ من هذه الألفاظ تحمل معنى غير المعنى الآخر، تحمل معنى وصفة من صفات ذلك اليوم، ليس موجودا في اللفظ الآخر. فلا يوجد في القرآن شيء من قبيل الترادف، بل هو من قبيل التقارب. قال: «فإذا قال: ﴿يَوْمَ تَمُورُ السَّمَاءُ مَوْرًا﴾، إن المور هو الحركة». يعني لو سمعت وقرأت في كلام بعض المفسرين فسر المور بأنه الحركة، فليس هذا من باب الترادف، بل هذا من باب تقريب المعنى؛ إذ المور حركة خفيفة سريعة، بل فيها معنى أشد من ذلك، وهو أن المور فيه معنى الدوران. ولهذا فمن قال بأنها الحركة، فهو في الحقيقة تقريب للمعنى، تقريب فقط، ليس هو عين المعنى المراد في هذا الوحي في قول الله عز وجل: ﴿مَوْرًا﴾. وكذلك قال: «الوحي والإعلام»، إذا قيل: إن الوحي هو الإعلام، هل الوحي هو الإعلام؟ هذا هو عين لفظ الوحي؟ الجواب: لا، بل هو تقريب للمعنى؛ لأن الوحي شيء زائد عن الإعلام، الإعلام الإخبار. بل الإعلام والإخبار بينهما فرق، لو أردنا دقة اللفظ بينهما فرق. فإذا نقول: تفسير من فسر الوحي بأنه الإعلام هو تقريب للمعنى، ليس هو عين المعنى. وكذلك ماذا ترى من القضاء بأنه أخص من الإعلام؛ ففيه إنزال وإيحاء. «وقضينا إلى بني إسرائيل» أي أنزلنا إليهم بوحي أو بكذلك إلهام أو غير ذلك. فهو ليس إعلاما فقط، بل إعلاما بصورة خاصة، وكيفية من الكيفيات المعهودة التي يكون بها القضاء. قال -رحمه الله-: «والعرب تضمن الفعل معنى وتعطيه تعديته». ومن هنا غلط من جعل بعض الحروف تقوم مقام بعض، كما يقولون بقوله: «لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه»، أي مع نعاجه. وقوله: «من أنصاري إلى الله»، مع الله. ونحو ذلك. والتحقيق ما قاله نحاة البصرة من التضمين. فسؤال النعجة يتضمن جمعها وضمها إلى نعاجه. وكذلك قوله: ﴿وَإِن كَانُوا لَيَفْتِنُونَكَ عَنْ الَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ﴾، ضمن معنى «يزيغونك ويصدونك». وكذلك قوله: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾، ضمن معنى «نجيناه وخلصناه». وكذلك قوله: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، ضمن «يروى بها». ونظائره كثيرة. وهذا كذلك المدخل في الكلام على سبب آخر من أسباب الاختلاف بين المفسرين. وهذا الاختلاف بين المفسرين كما مر معنا، منه ما يكون الأمر فيه واسعا، ويكون قد ورد بكل ذلك وهو صحيح. ومنه ما يكون واسعا، لكن مع ذلك عند التحقيق يكون هناك راجح ومرجوح. والآن نحن في هذا الباب، بعض المفسرين يفسر، ويكون من أسباب اختلافه في تفسيره اعتماده على قاعدة من قواعد أهل العربية، وهي ما أشار إليها -رحمه الله- بمعنى التضمين. فللنحاة في هذا مذهبان ومسلكان. فمن أهل النحو من إذا رأى الحرف وضعه على فعل لا يناسبه، فإنهم يجعلون لهذا الحرف معنى حرف آخر. مثلا: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، يقولون: الآن الشرب لا يكون به، ولكن يكون منه. فإذا بدلا من أن يقول: «يشرب بها»، نقول: «معنى الآية يشرب منها عباد الله». هذه طريقة ومسلك من مسالك أهل اللغة. وطريقة أخرى عند أهل اللغة وأهل العربية أنهم لا يلغون هذا الحرف الموجود؛ إذ أن جعل معنى آخر لهذا الحرف إلغاء هذا الحرف الموجود. فقالوا: لا شك أن إيراد مثل هذا الحرف كان لحكمة ومقصد، وتحويل هذا الحرف بحرف آخر إلغاء لهذه الحكمة والمقصد في أجل هذا. قالوا: لا بد أن ننظر بنظر آخر. فنظروا فوجدوا أن أحسن من هذا التحويل والتغيير لمعنى الحرف هو تضمين الفعل معنى فعل آخر يناسب هذا الحرف الموجود. فمثلا الآية: ﴿يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ﴾، معناه «يشرب منها عباد الله». طيب ما هو الفعل الآخر الذي ممكن أن نضمن الشرب حتى يناسب الباء؟ قالوا: الري. الري هو الفعل الذي يناسب حرف الباء. فإذن ضمن الشرب معنى الري: «يشرب بها ويروى عباد الله». أي صار تضمين الفعل فعل آخر أنسب وأبلغ وأحسن من تغيير الحرف بحرف آخر. ولهذا صار من عنده دقة نظر من العلماء والنحاة يميل إلى هذا القول من قولي أهل اللغة. وهذا القول هو قول شيخ أهل اللغة سيبويه -رحمه الله- وجماعة من أهل البصرة؛ فإنهم تبعوا مذهب سيبويه. وأهل الكوفة تبعوا مذهب من؟ من مشهور. فلهذا قال شيخ الإسلام: «والتحقيق ما قاله نحاة البصرة»، أي الذين ذهبوا إلى طريقة سيبويه في هذه المسألة. ولهذا قال ابن القيم -رحمه الله-: «والطريقة الظاهرية للنحاة تضمين الحرف معنى الحرف الآخر، وطريقة فقهاء النحاة تضمين الفعل معنى فعل آخر يناسب الحرف الموجود». تضمين الفعل فعل آخر يناسب الفعل الموجود. وهذا الذي ذكره -رحمه الله تعالى- هو القول الصواب؛ لأن فيه إظهار بلاغة القرآن، وبه يكمل ويزيد المعنى. فإذا قلنا: «يشرب بها عباد الله»، وظمن معنى «يروى»، صار الشرب ليس شربا عاديا، شرب فيه معنى الري. من أين أتينا بهذا؟ بأن الشرب فيه معنى الري، أتينا به من هذا الحرف الذي وضع في هذا الموضع. وهذا من بلاغة القرآن. وهكذا كذلك بالآيات التي ذكرها: «بسؤال نعجتك إلى نعاجه»، فإنه صار فيه تضمين، هذا التضمين هو الجمع والضم؛ لأنه الذي يناسب «إلى». وهكذا ما أشار إليه -رحمه الله- في الأمثلة الأخرى. نكتفي بهذا القدر إلى هنا، والحمد لله رب العالمين.