الدرس في شرح كتاب صريح السنة للإمام الطبري 11، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يستعرض المؤلف حديثاً موضوعاً نسب للنبي صلى الله عليه وسلم في تفضيل الخلفاء الأربعة واختيار الله لقرون بعدهم، ويبين وضعه من قبل خالد بن نجيح ورواية الضعيف عبد الله بن صالح. يؤكد وجود أدلة صحيحة كثيرة بفضائل أبي بكر وعمر، وصح عن ابن مسعود أن الله اختار قلوب الصحابة بعد قلب النبي صلى الله عليه وسلم.
يُبيّن المقطع أن الصحابة كلهم عدول وفضلهم عظيم، وأن أهل السنة اتفقوا على تقديم أبي بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي. يستندون في ذلك إلى حديث ابن عمر في صحيح البخاري وإجماع السلف، مع وجوب تعديل الصحابة ومحبتهم وعدم الخوض في خلافاتهم.
يستعرض المقطع حديث سفينة المحدد لمدة الخلافة بثلاثين سنة مع تفصيل سنوات كل خليفة، ويؤكد إجماع أهل السنة على ترتيب الخلافة. يميز بين التفضيل في الفضيلة حيث استقر القول بتفضيل عثمان على علي، ومشروعية الخلافة فمن طعن في خلافة عثمان فهو مبتدع خارج عن منهج السلف.
يختتم المؤلف كلامه عن الصحابة رضي الله عنهم مؤكداً أن ما ذكره هو خلاصة قوله فيهم. ويشير في الختام إلى ترجمة نانسي قنقر لهذا النص.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد، فإن شاء الله تعالى نكمل ما قد تتبعناه في كتاب صريح السنة للإمام الطبر رحمه الله، فقال رحمه الله: القول في صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال: وأما الحق في اختلافهم في أفضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما جاء عنه صلى الله عليه وسلم وتتابع على القول به السلف، وذلك ما حدثني موسى بن سهل الرمل، وأحمد منصور بن سيار الرمادي، وهؤلاء من الثقات، قال: حدثنا عبد الله بن صالح، عبد الله بن صالح كاتب الليل المصري، وهو ضعيف وفي حفظه شيء، وأيضا هذا الحديث أدخل عليه كما ذكر العلماء، وأن هذا الحديث موضوع وضعه خالد بن نجيح المصري وأدخله في كتب عبد الله بن صالح، وكان أيضا يحدث به سعيد بن أبي مريم، فالحديث لا يصح. قال: حدثني نافع بن يزيد عن زهرة بن معبد، عن سعيد بن المسيب، عن جابر بن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن الله عز وجل اختار أصحابي على جميع العالمين سوى النبيين والمرسلين، واختار من أصحابي أبا بكر وعمر وعثمان وعليا رضوان الله عليهم، فجعلهم خير أصحابي، وفي أصحابي كلهم خير، واختار أمتي على سائر الأمم، واختار من أمتي أربعة قرون من بعد أصحابي: القرن الأول، والثاني، والثالث، والرابع، فردا». هذا كما قلنا: الحديث لا يصح، بل هو موضوع، قال العلماء: إنه وضعه خالد بن نجيح المصري، فهو لا يصح. لكن قد صح أدلة كثيرة بفضل أبي بكر وعمر، وأما تفضيل الصحابة وأن الله عز وجل اختارهم، فهذا جاء عن عبد الله بن مسعود، صح عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أن الله نظر إلى قلوب العباد فرأى أطهر القلوب قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم فاختاره لرسالته، ثم نظر إلى قلوب العباد فرأى قلوب أصحابه رضي الله تعالى عنهم فاختارهم لصحبة نبيه، وهذا حتى وإن لم يكن مرفوعا فهو الواقع. وأما من ناحية تقديم أبي بكر وعمر فقد صح أدلة كثيرة في تقديم أبي بكر وعمر، بل لم يختلف الصحابة في تقديم أبي بكر سواء كان في البيعة أو في غير ذلك، وجاء في صحيح البخاري عن ابن عمر أنه كان يقول: «كنا نفضل في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم فنقول: أفضلنا أبو بكر، ثم عمر، ثم علي، ثم عثمان. أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، قال: ثم نسكت». وفي رواية خارج الصحيح: ثم علي. وقد اتفق أهل السنة على هذا التفضيل، وحصل خلاف قديما بين أهل السنة: هل عثمان أفضل أو علي؟ لكن استقر كلام أهل السنة على أن عثمان هو أفضل، وهؤلاء هم أفضل الصحابة رضي الله عنهم، والصحابة كلهم عدول، كلهم لهم فضل على هذه الأمة، فهم الذين بلغوا دين الله جل وعلا ونقلوه لنا. قال: وكذلك نقول: فأفضل أصحابه صلى الله عليه وآله وسلم الصديق أبو بكر رضي الله عنه، ثم الفاروق بعده عمر، ثم الفاروق لأنه فرق بين الحق والباطل، ثم ذو النورين عثمان لما أسلم عمر، صلى كما قال ابن مسعود: صلينا عند الكعبة. قال: ثم ذو النورين عثمان بن عفان، سمي بذي النورين لأنه تزوج بنتي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. قال: ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين علي بن أبي طالب برضوان الله عليهم أجمعين، ولعله قال: ثم أمير المؤمنين وإمام المتقين لأن بعضهم كان يتهمه بالنصب، فلهذا ذكر هذه الزيادة، وإلا فكلهم أئمة للمتقين. قال: قال: «وَأَمَّا أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا فِيمَا اخْتَلَفَ، وَمَذْهَبُهَا لِلْسُّنَّةِ هُوَ تَعْدِيلُ الصَّحَابَةِ، مَحَبَّتُهُمْ، وَالتَّرَضِّي عَنْهُمْ، وَعَدَمُ الْكَلَامِ فِيهِمْ، وَمَا حَصَلَ بَيْنَهُمْ فَيُطْوَى». قال: «وَأَمَّا أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ عِنْدَنَا فِيمَا اخْتَلَفَ، مَنْ أَوْلَى الصَّحَابَةِ بِالْإِمَامَةِ، فَبِقَوْلِ مَنْ قَالَ: أَنَّ مَنْ هُوَ أَوْلَى الصَّحَابَةِ بِالْإِمَامَةِ، فَبِقَوْلِ مَنْ قَالَ بِمَا حَدَّثَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَمَارَةَ الْأَسَدِيُّ، وَهُوَ ثِقَةٌ، قَالَ: حَدَّثَنِي عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُوسَى، وَهُوَ الْأَشْجَعِيُّ، ثِقَةٌ إِلَّا أَنَّهُ كَانَ شِيعِيًّا، قَالَ: حَدَّثَنَا حَشْرَجُ بْنُ نَبَاتَةَ، وَحَشْرَجٌ أَيْضًا ثِقَةٌ أَوْ حَسَنُ الْحَدِيثِ، لِأَنَّهُ تُكُلِّمَ أَيْضًا فِي حِفْظِهِ، قَالَ: حَدَّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُمْهَانَ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ ثِقَاتِ التَّابِعِينَ، عَنْ سَفِينَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ لِسَفِينَةَ، صَحَّحَهُ الشَّيْخُ الْأَلْبَانِيُّ، ذَكَرَهُ أَيْضًا شَيْخُنَا مُقْبِلٌ: «الْخِلَافَةُ فِي أُمَّتِي ثَلَاثُونَ سَنَةً، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ مُلْكٌ». قَالَ لِي سَفِينَةُ: أَمْسِكْ: خِلَافَةُ أَبِي بَكْرٍ سَنَتَانِ، وَخِلَافَةُ عُمَرَ عَشْرٌ، وَخِلَافَةُ عُثْمَانَ اثْنَتَا عَشْرَةَ، وَخِلَافَةُ عَلِيٍّ سِتٌّ، أَنَا مَعَ خِلَافَةِ الْحَسَنِ لِأَنَّ الْحَسَنَ جَلَسَ خَمْسَةَ أَشْهُرٍ بَعْدَ أَبِيهِ، قَالَ: فَنَظَرْتُ فَوَجَدْتُهَا ثَلَاثِينَ سَنَةً، أَنَا بِإِكْمَالِ الْحَسَنِ، لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَسَ خَمْسَ سِنِينَ وَسِتَّةَ أَشْهُرٍ أَوْ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ، وَكَمَّلَهَا الْحَسَنُ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ تَنَازَلَ بِالْخِلَافَةِ لِمُعَاوِيَةَ فِي سَنَةِ إِحْدَى وَأَرْبَعِينَ، وَسُمِّيَ ذَلِكَ الْعَامَ عَامَ الْجَمَاعَةِ». فَاتَّبَعَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ عَلِيٍّ، وَمَنْ قَالَ غَيْرَ ذَلِكَ أَوْ أَنَّ عَلِيًّا كَانَ أَحَقَّ بِالْخِلَافَةِ مِنْ عُثْمَانَ، قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ: هُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ. مَعْنَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ يُفَرِّقُ، وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ يُفَرِّقُونَ بَيْنَ الْفَضِيلَةِ التَّفْضِيلِ وَبَيْنَ الْخِلَافَةِ، فَالْفَضِيلَةُ فِيهَا خِلَافٌ حَصَلَ قَدِيمًا ثُمَّ اسْتَقَرَّ قَوْلُ أَهْلِ السُّنَّةِ عَلَى تَفْضِيلِ عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ، وَأَمَّا الْخِلَافَةُ فَمَنْ طَعَنَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَقَّ، أَوْ أَنَّ عَلِيًّا أَحَقُّ بِالْخِلَافَةِ، فَهُوَ قَالَ الْبَاطِلَ وَقَوْلُهُ بَاطِلٌ وَبِدْعَةٌ وَمُخَالِفٌ لِلْسَّلَفِ، لِأَنَّهُمُ اخْتَارُوا عُثْمَانَ عَلَى عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، وَأَمَّا مَنْ يَطْعَنُ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ فَهُوَ مُبْتَدِعٌ، وَأَيْضًا كَذَلِكَ خَارِجٌ عَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، فَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يَطْعَنُونَ فِي أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ، وَلَا أَيْضًا يَطْعَنُونَ فِي خِلَافَةِ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ، فَهَذَا خُلَاصَةُ مَا ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقَوْلِ فِي أَصْحَابِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، فَنَكْتَفِي بِذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. ترجمة نانسي قنقر