الدرس في شرح بواعث الخلاص من الذنوب 5، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يتناول المقطع الباعثين الأولين من بواعث الخلاص من الذنوب: باعث القهر والظفر على النفس والهوى والشيطان، وباعث مشهد العوض الذي يعده الله لمن يترك المحارم. ويستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم في ضمان البيوت في الجنة لمن ترك المراء والكذب وحسن خلقه.
يشرح المقطع الباعث الثالث وهو مشهد معية الله للعبد مبيناً نوعيها العامة والخاصة وأدلة كل منهما، ثم ينتقل للباعث التاسع وهو مشهد المغافصة والمعاجلة موضحاً كيف أن الموت يهدم اللذات الدنيوية فجأة. ويشير إلى قول النبي صلى الله عليه وسلم: «أكثروا ذكر هادم اللذات».
يحذر المقطع من خطر مباغتة الموت للعبد وهو مصر على المعصية دون توبة مستدلاً بحديث «يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ» وتعوذ النبي من موت الفجأة. ويوضح معنى المغافصة بأنها أخذ العبد على غرة فجأة أو نزول العقوبة قبل التوبة، مختتماً بالصلاة على النبي والحمد لله.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد، فلا نزال أيها الأحبة في الله مع بواعث الخلاص من الذنوب. وسبق معنا في الدرس الماضي أن أخذنا ثلاثة بواعث: الباعث الأول هو باعث القهر والظفر. ومعنى ذلك كما ذكر رحمه الله تعالى: هو قهر الشهوة، أي أنه لا يستجيب لهوى النفس التي قد تأمره ببعض الشهوات المحرمة. وهكذا الظفر بالشيطان، وكيف يظفر بالشيطان؟ أي أنه لا يكون أسيراً للشيطان ولا متابعاً للشيطان، وإنما يرغم الشيطان ويخزي الشيطان ويرد كيد الشيطان. ومن أعظم الأعداء الذين يواجههم هذا المسلم -كما سبق-: النفس الأمارة بالسوء، وهكذا الهوى الذي قد يميله عن طريق الحق ويجعله يتردى في مستنقعات الباطل. والأمر الثالث: هو الشيطان الرجيم. وزاد بعضهم أمراً رابعاً ألا وهو الدنيا: «فاتقوا الدنيا واتقوا النساء، فإن أول فتنة بني إسرائيل كانت في النساء». الباعث الثاني: مشهد العوض، أي ما وعد الله سبحانه وتعالى به من تعويض لمن ترك المحارم لأجله سبحانه وتعالى، ترك المحارم من أجل الله عز وجل. كما قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث أبي أمامة: «وَأَنَا أَوْ أَنَا أَوْ أَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْمِرَاءَ وَلَوْ كَانَ مُحِقًّا، وَأَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنَّةِ لِمَنْ تَرَكَ الْكَذِبَ وَلَوْ كَانَ مَازِحًا، وَأَنَا زَعِيمٌ بِبَيْتٍ فِي أَعْلَى الْجَنَّةِ لِمَنْ حَسُنَ خُلُقُهُ». فيترك العبد المعصية ويترك المفضول لأجل الفاضل، كل ذلك لأجل الله تبارك وتعالى. والقاعدة: أن من ترك شيئاً لله عوضه الله خيراً منه. وبهذا جاء المعنى عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: ترك الخمر في الدنيا فيعوضه بماذا؟ أنهار من خمر لذة للشاربين. ترك الزنا والفواحش فيعوضه الله عز وجل بالحور العين والزوجات في الجنة. الباعث الثالث الذي مر معنا في درس البارحة: مشهد المعية، يعني معية الله عز وجل لخلقه وعبيده. وذكرنا أن المعية على نوعين: معية عامة ومعية خاصة. ما دليل المعية العامة؟ ﴿وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ﴾. وما دليل المعية الخاصة؟ ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ﴾. وهكذا معيته للصابرين والمتقين وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: قال في الباعث التاسع: «مشهد المغافصة والمعاجلة». المغافصة: كما ذكر أهل اللغة، المقصود بها الأخذ فجأة والأخذ عن غرة. الله عز وجل يأخذ العبد وهو لا يشعر، وقد لا يحتسب لذلك. قال: «مشهد المغافصة والمعاجلة»، يعني يعجل الله العقوبة لهذا العاصي. قال: وهو أن يخاف أن يغافصه الأجل فيأخذه الله على غرة، فيحال بينه وبين ما يشتهي من لذات الدنيا، وبينه وبين ما يشتهي من لذات الآخرة. وذلك يا إخوان بماذا؟ بالعذاب أو بالموت. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «أكثروا ذكر هادم اللذات». إيش معنى هادم؟ هادم اللذات: الموت. لكن ما معنى قوله هادم؟ كيف الموت يعتبر هادم اللذات؟ قاطعها. شخص سكران في نشوة، نشوان، أي سكران بلغ السكر منه مبلغاً وهو سكران، فيرى الموت أمامه، هل يستمر في لذة السكر؟ الموت يقطع عنه تلك اللذة. رجل أعاذني الله وإياكم يزني، فبينما هو يمارس الزنا إذا بالموت حضر، هل سيستمر في الزنا ويتلذذ بهذه الشهوة؟ الجواب: لا، الموت قاطع لهذه الملذات. قال: «ففيالها من حسرة، ما أمرها وما أصعبها، لكن ما يعرفها إلا من جربها». وفي بعض الكتب القديمة: «يا من لا يأمن على نفسه طرفة عين، ولا يتم له سرور، يوم سرور، يوم الحذر، الحذر». وهذا يا إخوان من الأمور التي ينبغي أن يستشعرها العبد، أنه يوم أن تسول له نفسه أن يقع في الذنب أو أن يمارس المعصية، ينبغي أن يستشعر هذا الأمر: كيف لو نزل به الموت وهو كذلك؟ كيف سيلقى الله عز وجل؟ كيف سيخرج من هذه الدنيا؟ وقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم: «يُبْعَثُ الْعَبْدُ عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ». فيخاف العبد أن يأخذه الله عز وجل وهو ملازم لهذه المعصية وواقع في هذه الفاحشة، ولم يحدث بينه وبين الله عز وجل توبة. وقد جاء في السنن حديث عبيد بن خالد السلمي: قال النبي صلى الله عليه وسلم: «مَوْتُ الْفَجْأَةِ أَخْذَةُ أَسَفٍ، أَسَفٍ» أو نحو ذلك. يعني كان النبي صلى الله عليه وسلم يتعوذ بالله عز وجل من موت الفجأة. وما أكثره يا إخوان! فقد أخبر النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث أنس وابن مسعود، وصححه الإمام الألباني رحمه الله: أن من أشراط الساعة أن يكثر موت الفجأة. واليوم يا إخوان كثر: ينام الشخص فيوقظ لصلاة الفجر فإذا به جنازة، أي جثة لا روح فيها. شخص يأكل مع أصحابه أو يأكل مع أهله وأولاده، يرفع اللقمة لا يستطيع أن يضعها إلى فيه، لماذا؟ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ﴾. كم من إنسان يموت وهو يقود سيارة، فما يشعرون إلا والسيارة تخرج عن مسارها وتتقلب عدة قلبات، الرجل مات قبل أن تخرج السيارة. وهكذا حدث ولا حرج: شخص يموت وهو يمشي، وهو يتحدث، وهو يصلي. وما أعظمها من خاتمة يا إخوان! يسجد فلا يرفع رأسه، ما له؟ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ﴾. إذن: مشهد المغافصة والمعاجلة، المغافصة أن يأخذ أو يأخذ هذا العبد على غرة فجأة وهو غير مستعد ولا يشعر، أو أن العقوبة من الله عز وجل تنزل عليه قبل أن يحدث بينه وبين الله عز وجل توبة. طيب، نكتفي بهذا، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله، والحمد لله رب العالمين.