شرح لامية ابن الوردي 4

الدرس في شرح لامية ابن الوردي 4، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

تحريم الخمر ووجوب تقوى الله

يشرح المقطع تحريم الخمر في القرآن والسنة وكونها أم الخبائث، مبيناً أن المخدرات أشد ضرراً. ثم ينتقل لأهمية تقوى الله معرفاً إياها بالعمل بطاعة الله على نور منه رجاء ثوابه وترك المعصية خوف عقابه.

تعريف التقوى وثمارها والفرق بين الشجاعة الحقيقية والزائفة

يعرف التقوى بأنها العمل بطاعة الله على نور من الله رجاء ثوابه وترك المعصية على نور منه خوف عقابه، مشيراً إلى شرط الإخلاص والمتابعة. يستعرض ثمار التقوى من المخرج والرزق والنور والمغفرة والفرقان والجنة، ويبين أن الشجاعة الحقيقية تكمن في تقوى الله لا في الظلم وقطع الطرق.

الشجاعة الحقيقية والتصديق بالشرع والتحذير من الكهانة

يؤكد أن البطل الحقيقي هو من يتقي الله ويترك الظلم، ويوجب التصديق بالشرع دون تقديم العادات أو الكهانة. يحذر من تصديق المنجمين الذين يدعون علم الغيب، ويختم بتحير العقول أمام عظمة قدرة الله في آيات الكون.

شرح قراءة «سبلنا» بالسكون في الشعر ومعنى الآية

يوضح أن كلمة «سبلنا» تُقرأ بضم الباء أصلاً، لكن الشاعر يسكنها لضرورة الوزن الشعري. ويبين أن السبل جمع سبيل أي الطرق الواضحة، وأن الآية تعني أن المجاهدين في سبيل الله يهديهم الله إلى طرقه المستقيمة.

  • 20 جمادى الأولى 1439هـ - 05/02/2018مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال ابن الورد رحمه الله تعالى في منظومته اللامية: «وهجر الخمرة إن كنت فتى، كيف يسعى في جنون من عقل». قوله: «وهجر»، الهجر بمعنى الترك والتجنب، الهجر هو الترك والتجنب، فيكون المعنى: اترك وتجنب الخمرة. والخمرة هي اسم لكل ما فيه الإسكار من الأشربة، تذكر وتؤنث، يقال: خمر وخمرة. كل ما فيه إسكار، وسميت خمراً لتخميرها عقل الإنسان، والتخمير بمعنى التغطية، فإذا شربها الإنسان تخمر عقله، بمعنى لا يدري ما يقول وما يفعل، وكأن عقله ذهب. وقوله: «إن كنت فتى»، الفتى المراد به الشاب القوي الذي جمع صفات الكمال، فيكون المعنى أن الناظم رحمه الله يوصي بحفظ العقل والابتعاد عن كل ما يذهب ذلك العقل، فالذي يشرب الخمر يذهب عقله، ولذلك يصير مثل المجنون، فلذلك قال: «كيف يسعى في جنون من عقل». إن كنت فتى عاقلاً جامعاً لصفات الكمال، فكيف ترضى لنفسك هذا الفعل الذي يجعلك مثل المجنون؟ وهذا واقع الذي يشرب الخمر، إذا ذكر بأعماله بعد أن يصح من خمرته لا يكاد يصدق، لا يكاد يصدق، ربما يتجرد من ثيابه، هل هذا فعل العقل؟ لا. ربما يسب أولاده وأمه وأباه وجيرانه، وربما كذلك يعمل عمل الصبيان، يعمل عمل الصبيان من التضاحك ومن التمايل ونحو ذلك، فهو في الحقيقة جنون. «كيف يسعى في جنون من عقل». فيكون المعنى أن من تدبر وتفكر في عاقبة أمر السكران، أو السكران، درء أن ذلك جنون، لأن الإنسان شرف بالعقل، شرف بالعقل، فتميز بذلك العقل عن سائر الحيوانات، فمن شرب الخمر خرج عن البشرية إلى حياة الحيوان، إلى حياة الحيوان، فصار لا يميز بين الأمور، لا يميز بين الأمور. فإذا معنى البيت أن الناظم رحمه الله تعالى يوصي بحفظ العقل والابتعاد عن كل ما يذهبه، إن كان هذا الإنسان فتى كاملاً، لأن الخمر قد نهي عنه شرعاً وعقلاً وكذلك طباً. أما شرعاً فقد قال الله عز وجل: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا﴾، فإذا كيف من عقل يفعل ما إثمه أكثر من نفعه؟ هذا ليس بعاقل، هذا ليس بعاقل. وهكذا أمر الله عز وجل باجتنابه: ﴿إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ﴾، فالاجتناب أبلغ من الترك، فإن الاجتناب يقتضي ترك هذا الشيء وترك الأسباب الموصلة إليه، فلذلك لعن في الخمر عشرة، ليس الشارب فقط، بل الشارب والساقي والحامل والمحمولة والمحمولة إليه، وكذلك غير ذلك مما جاء في الحديث، مما يدل على أن هذه الخمر أم الخبائث. وقد ورد في ذلك حديث أخرجه ابن ماجه في سننه أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «الخمر أم الخبائث، فمن شربها لم تقبل له صلاة أربعين يوماً، فإن مات وهي في بطنه مات ميتة جاهلية»، والحديث يحسنه العلامة الألباني عليه رحمة الله. فإذا الخمر جاء التحذير منها شرعاً في كتاب الله وكذلك في سنة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فكيف بعد ذلك يستمر مستمر من المسلمين في شربها وتعاطيها؟ وهكذا ما هو أشد من الخمر: المخدرات، فإنها أشد لأنها كذلك تخمر العقل وتذهبه، بل وإدمانها أعظم من إدمان الخمر، وللأسف الشديد أن في بلاد المسلمين من يروج لهذه المخدرات ويبيعها وينقلها ويفسد شباب المسلمين، فهذا أمر خطير، يجعل هذه المخدرات متعاطيها مثل المجنون، مثل المجنون. ثم قال: «واتق الله، فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل». فأمر بتقوى الله، والأمر بتقوى الله من أعظم الوصايا، فهذه المنظومة نظمها الناظم يوصي بها بحكم ووصايا ونصائح، فمن أعظم ما ورد في هذه المنظومة الوصية بتقوى الله، وهي وصية الله للأولين والآخرين، كما قال الله عز وجل: ﴿وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ﴾، فربنا عز وجل يوصي عباده بتقوى، وأوصى الله عز وجل نبيه بتقوى الله كما في أول سورة الأحزاب: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ﴾، وهكذا أمر الله عز وجل المؤمنين بتقوى الله فقال: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا﴾. وهكذا نبينا عليه الصلاة والسلام كان يوصي أصحابه بتقوى الله، كما في حديث العرباض بن سارية رضي الله عنه قال: «وعظنا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم موعظة بليغة وجلت منها القلوب وذرفت منها العيون، فقلنا: يا رسول الله، كأنها موعظة مودع فأوصنا»، ما هي أول وصية؟ أوصاهم بتقوى الله، قال: «أوصيكم بتقوى الله». وهكذا لما كان يرسل عليه الصلاة والسلام كتبه إلى عماله ومن يبعثهم مجاهدين، أول ما يوصيهم يوصيهم بتقوى الله عز وجل، فهكذا العلماء أول ما يوصون بتقوى الله لأنه جماع الخير. الشيخ ابن باز عليه رحمة الله يذكر في ترجمته أنه إذا قال له شخص: يا شيخ توصي بشيء، فيقول له: أوصيك بتقوى الله، هذا أعظم شيء تقدمه لمن طلب منك الوصية، من قال لك: توصيني بشيء، قل: نعم، أوصيك بماذا؟ بتقوى الله. وما معنى تقوى الله؟ أفضل ما قيل فيها هو قول طلحة بن حكيم، طلحة بن حبيب رحمه الله تعالى، في قوله: «أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله». هذا أفضل ما قيل في التقوى: أن تعمل بطاعة الله، تلتزم بأوامر الله على نور من الله، بمعنى على السنة، فتجمع في العمل بالطاعة شرطي قبول العمل: على نور من الله يعني على علم وبصيرة وسنة، ترجو ثواب الله يعني على إخلاص، وهما شرطا قبول العمل: شرطي قبول العمل المتاع الإخلاص والمتابعة، فجمعت في هذا التعريف أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. كذلك ترك المعصية من العبادة، من العبادة، فتترك المعصية على نور من الله، يعني تكون على علم وبصيرة أن هذه معصية وأن هذا أمر منهي عنه، وعندما تتركه تتركه لله، لا خوفاً من أحد من البشر، ولا رياء ولا سمعة، ولا مجاراة للمجتمع، ولا كذلك خوفاً من الفضيحة، لا، إنما تترك ذلك من أجل الله عز وجل، فهذا أفضل ما قيل في التقوى. فيقول: «واتق الله، فتقوى الله ما جاورت»، ومعنى جاورت: من المجاورة وهي الملازمة، يعني ما لازمت قلب امرئ، أي قلب إنسان، إلا وصل، ومعنى وصل: يعني إلى الخيرات، فيشمل ذلك إلى كل كمال وإلى كل سعادة، فوصل إلى الجنة، ووصل إلى رضا الله عز وجل، ووصل إلى نعيم الدنيا والآخرة، فتقوى الله لها ثمار عظيمة توصلك إلى كل خير. قال الله عز وجل: ﴿وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا * وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ﴾، تريد الوصول إلى نعيم الدنيا والآخرة فعليك بتقوى الله. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ وَيَجْعَل لَّكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ﴾، انظروا إلى ثمرات التقوى: غفران الذنوب والبصيرة في الدين، وكذلك تضاعف الأجور. وقال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ﴾، ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُم﴾، بتقوى الله عز وجل تفرق بين الحق والباطل، وتعبد الله عز وجل على علم وبصيرة. وهكذا تقوى الله سبب للوصول إلى الجنة، قال الله عز وجل: ﴿إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا * حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا * وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا * وَكَأْسًا دِهَاقًا﴾، إلى آخر ما ورد أو ما جاء في هذه الآيات من وصف الجنة التي أعدت للمتقين، الجنة أعدت للمتقين. «فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل»، يعني إلى كل خير من خيري الدنيا والآخرة، هذا معنى قولي الناظم: «واتق الله، فتقوى الله ما جاورت قلب امرئ إلا وصل». ثم قال: «ليس من يقطع طرقاً بطلاً، إنما من يتق الله البطل». قوله: «يقطع» يعني يمشي، وكذلك قد يكون يقطع هنا وهو الأقرب والله أعلم، من قطع الطريق وهو أن ينهبوا ويأخذوا أموال الناس قهراً وظلماً، هذا هو قطع الطريق، وهذا هو الأقرب في هذا البيت. فيقول: «ليس من يقطع طرقاً بطلاً»، أصل «طرقاً» بضم الراء، لكن تقرأ في هذا البيت بسكون الراء للضرورة الشعرية، لأنه لو ضم الراء لاختل وزن البيت، ما يستقيم الوزن لو قلت: «ليس من يقطع طرقاً بطلاً»، ما يستقيم البيت، لأن تعرفون هناك علم خاص بعلم الشعر أو بالشعر يقال له علم العروض، له أوزان معلومة، فلابد أن تكون موزونة، فأصلها «طرقاً» لكن هنا سكنت الراء ضرورة الشعر، فتقرأ: «ليس من يقطع طرقاً بطلاً». ومعنى «بطلاً»: يعني شجاعاً، شجاعاً، يعني ليس الذي يقطع الطريق فيأخذ ما مع الناس من أموال قهراً وظلماً هو الشجاع الحقيقي، ليست هذه الشجاعة، بعض الناس يظن أن الشجاعة أن الناس يخافون منه لظلمه وجبروته، وكذلك عدم خوفه من الله، لا، ليست هذه الشجاعة، ليس الشجاع هو الذي يأخذ أموال الناس بالباطل، بل هذا ذل لأنه معصية وهو بعيد عن التقوى، فليس هذا هو الشجاع الحقيقي. «ليس من يقطع طرقاً بطلاً» يعني شجاعاً، «إنما من يتق الله البطل»، البطل الحقيقي، الشجاع الحقيقي هو الذي يخاف الله ويتقي الله ويتقي الله عز وجل. بعض الناس مثلاً يدعى إلى أمر مخالف للشرع، سواء كان في أخذ الأموال أو في كذلك انتهاك الأعراض، فإذا تراجع يقولون له: قوي قلبك، قوي قلبك. مثلاً أتوا له بقطعة أرض لا فيها وثائق ولا فيها شيء، قوله: خذها، نعطيك إياها بسعر بخس قليل، يقول له: من أوراقها؟ لعل تكون حق أحد، يقول له: لا، خذها، قوي قلبك. كيف قوي قلبي على الحرام؟ كيف تقوي قلبك عن الحرام؟ لا، أنا قلبي ضعيف عند الحرام، لا بد المؤمن أن يكون قلبه ماذا؟ ضعيف عند الحرام. أو إنسان مثلاً له وجاهة أو له مسؤولية، فأتى مال عام، فيقول له بعض الناس: من يعلم أنك في حوزتك هذا المال؟ خذ هذا المال، يقول لهم: لا يا جماعة، هذا مال دولة، لعلهم يسألون عنه، يقول له: لا تخاف، قوي قلبك. سبحان الله، قوي قلبي في الحرام؟ لا، ليس هذا البطل، ليس هذه الشجاعة، الشجاعة هي الوقوف عند حدود الله، الإقدام في موضع الإقدام، أي فيما أذن فيه الشرع، والإحجام في موضع الإحجام، أي مما لم يؤذن به الشرع، هذه هي الشجاعة، هذه هي الشجاعة. لذلك يقول: «إنما من يتق الله البطل»، الذي قلبه قوي هو الذي يبتعد عن الحرام، الذي يبتعد عن الحرام، هذا هو الذي قلبه قوي، وهذا هو الشجاعة، وهذا هو الشجاعة. هذا معنى البيت: «ليس من يقطع طرقاً بطلاً» يعني قطع الطريق، «إنما من يتق الله البطل»، وهذا من ثمار التقوى، التقوى تحجبك عن أكل الحرام وعن كذلك قطع الطريق وظلم الناس، التقوى تحجبك عن ذلك وتمنعك من ذلك، لأن التقوى فعل الأوامر وترك النواهي، وهذا مما نهى الله عنه فهو من التقوى، فهو من التقوى، فهذا هو الشجاع الحقيقي، من يتقي الله، ليس من يقطع الطريق ويأخذ أموال الناس ظلماً وعدواناً. ثم قال: «صدق الشرع، ولا ترك إلى رجل يرصد في الليل زحل». «صدق الشرع»، الشرع ويقال الشريعة والدين والملة، كل هذه ألفاظ مترادفة، معناها واحد، واختلف لفظها، والمراد به ما شرعه الله لعباده من الأوامر والنواهي، فقوله: «صدق الشرع»، التصديق بمعنى الإيمان، بمعنى الإيمان، يعني الإيمان بكل ما جاء به الشرع. وقال أهل اللغة: هذا البيت فيه حذف المضاف، فيكون التقدير: «صدق صاحب الشرع»، فهو يحث على أخذ السنة وقول الرسول عليه الصلاة والسلام، فهو صاحب الشرع، أي هو ممن يوحى إليه ويشرع لهذه الأمة بما أوحى الله إليه، فيكون التقدير: «صدق صاحب الشرع» ورسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فصدقه في كل ما جاء به من عند الله، في كل ما جاء به من عند الله. وهذا كما تقدم فيه حث على الأخذ بالسنة والتمسك بها والإيمان بها، وعدم تقديم شيء عليها، لا عادات ولا تقاليد، ولا كهان ولا عرافين، ولا كذلك قوانين وضعية، ولا شيء من ذلك، كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾، ما يجوز للمسلم إذا جاءه الشرع أن يتخير بينه وبين غيره، بل يجب عليه أن يأخذ بالشرع وأن يصدق به وأن لا يقدم عليه شيئاً. قال الله عز وجل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾، لا تقدم، لا عادات ولا تقاليد ولا أسلاف ولا قوانين ولا شيء من ذلك، فهذا معنى قوله: «صدق الشرع». «ولا ترك إلى رجل»، ومعنى «ترك» يعني تميل، فالركن الميل، يعني لا تميل إلى رجل يرصد في الليل زحل، والرصد هو الترقب والانتظار، الترقب والانتظار، يعني لا تميل إلى رجل يترقب في الليل زحل، وزحل هو نجم من النجوم السبعة السيارة، من النجوم السبعة السيارة. ولماذا قيد بالليل؟ لأن الليل هو موضع ظهور النجوم، النجوم لا يكون إلا في الليل، إلا في الليل، فكأنه يقول: صدق الشرع، ولا تميل إلى ذلك المنجم الذي يدعي علم الغيب، ويرقب وينتظر في الليل النجوم، ويحكم بما ظن وبما يوحيه إليه الشيطان من علم الغيب، لا تصدقه، لأن أكثر أقوال هؤلاء المنجمين كذب وافتراء. ولذلك قال عليه الصلاة والسلام: «من أتى كاهناً أو عرافاً فصدقه بما يقول فقد كفر بما أنزل على محمد»، لأن الذي أنزل على محمد قوله تعالى: ﴿قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ﴾، لا يعلم الغيب إلا الله سبحانه وتعالى، فكيف تصدق هذا الكاهن أو هذا المنجم الذي يستدل على حوادث الأرض بسير النجوم، ويزعم أنه سيكون في يوم كذا كذا وكذا، وأنه سيحدث لفلان كذا، وأن فلان سيكون سعيداً، وأن فلان سيكون شقياً، ونحو ذلك من الترهات والأكاذيب؟ فهو يقول: لا تصدق هؤلاء، وصدق الشرع، لا تميل إلى هؤلاء، سعيداً، وليكن وليكن تصديقك وإيمانك بالشرع بما جاء به محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم، هذا معنى قوله: «صدق الشرع، ولا ترك إلى رجل يرصد في الليل زحل». فعرفنا ما معنى زحل، زحل هو نجم من النجوم السبعة السيارة، ولماذا خص زحل بالذكر ولم يذكر غيره من النجوم؟ قيل لأن هذا النجم يوافق القافية والوزن، وأما غيره من النجوم فإن الوزن لا يستقيم بذكرها، فإن النجوم السبعة السيارة هي: القمر والزهرة والشمس وعطارد والمشتري والمريخ وزحل، فلو قال مثلاً: «يرصد الزهرة» ما يستقيم المعنى، أو اللفظ ما يستقيم، ولا «ترك إلى رجل يرصد في الليل الزهرة» أو الشمس أو القمر، ما يستقيم المعنى، أو ما يستقيم الوزن عفواً، ما يستقيم الوزن، فلذلك ذكر زحل، وإلا فالنجوم السيارة هي هذه النجوم السبعة التي يذكرها أهل علم الفلك. ثم قال: «حارة الأفكار في قدرة من قد هدانا سبلنا عز وجل». «حارة الأفكار»، الحيرة بفتح الحاء هو التحير، والتحير معناه أن يقف التفكير فلا يستطيع العقل أن يحكم أو يميز، يقال له: حيرة، تحير فلان، يعني توقف عن التفكير، فما استطاع عقله أن يحكم أو أن يميز أو أن يفقه أو نحو ذلك، فهو في حيرة من أمره، فهو في حيرة من أمره. فقال هنا: «حارة الأفكار»، ويريد بالأفكار هنا الفكر، ويقصد به العقل، يعني حار الفكر في قدرة من قد هدانا سبلنا عز وجل، يعني لو تفكر الإنسان في قدرة الله، في قدرة الله، لا احتار ووقف عقله، ووقف عقله عن إدراك ذلك. كم تمر بنا عجائب قدرة الله عز وجل، تنقلب سيارة فتصير كالكرة هذه السيارة، ويخرج كل من فيها سليماً، قدرة الله، قدرة الله أيضاً انظر إلى هذه البحار وما فيها من المياه والخلق العظيم، من الذي يمسكها؟ هو الله بقدرته سبحانه وتعالى، السماء رفعها الله عز وجل بغير عمد ترونها، من الذي يمسكها؟ الله عز وجل، كما قال سبحانه وتعالى: ﴿وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ﴾، سبحانه وتعالى. كم كم لو تفكرت في قدرة الله، كم ستقف وتتحير، مما يدل على عظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، الذي خلق فسوى سبحانه وتعالى. وأما قوله: «قد هدانا سبلنا»، «سبلنا» مثل «طرقاً»، أصلها «سبلنا» بضم الباء، كما قال الله عز وجل: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾، بضم الباء، صح؟ لكن هنا تقرأ بالسكون لضرورة الشعر أيضاً، لضرورة الشعر، فتقول: «قد هدانا سبلنا»، مش «سبلنا»، لأن الوزن يختل، «قد هدانا سبلنا عز وجل». والسبل جمع سبيل، جمع سبيل، وهو الطريق الواضح، الطريق الواضح. وقد مر معنا معنى البيت: أي من نظر في قدرة الله عز وجل يقف عن التفكير، فلا يستطيع العقل أن يدرك ذلك بعظيم قدرة الله سبحانه وتعالى، الذي هدانا سبلنا سبحانه وتعالى. طيب، نكتفي بهذه الليلة بما ذكرنا، ونكمل إن شاء الله ما بقي في دروس قادمة، إلى هنا والله تعالى أعلم.