الدرس في شرح نخبة الفكر في مصطلح أهل الأثر 14، ألقاها الشيخ أبو عبدالله محمد باجعالة
يناقش المقطع أقوال العلماء في معنى مصطلح "حسن صحيح"، هل هو جمع بين إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، أم أنه مرتبة بين الصحيح والحسن، ويبين أن القول الأول أقوى لوجود عضد من إسنادين. كما يعرض إشكالاً على الترمذي في اشتراطه للحسن أن يروى من غير وجه، ثم إطلاقه "حسن غريب" على حديث من وجه واحد.
يبيّن المقطع أن الترمذي لم يُطلق «الحسن» مطلقاً، بل قيّده بأوصاف؛ فإذا قال «حسن غريب» فمراده «الحسن لذاته»، وإذا قال «حسن» مجرداً فمراده «الحسن لغيره»، أما إطلاق «غريب» وحده فيدل على ضعف الإسناد، وهذا موافق لما قرره الألباني في «سلسلة الأحاديث الصحيحة» ونقله عن الحافظ في «العلل الصغير».
يشرح المقطع أن الترمذي اقتصر على تعريف "الحسن فقط" لغموضه أو لكونه اصطلاحاً جديداً اشتهر به، بينما ترك تعريف "الصحيح" و"الغريب" لشهرتهما، مبيناً أن تعريف الخطيب للحسن ينطبق على "الحسن لذاته" فقط، ومؤكداً على أهمية معرفة مقاصد العلماء من مصطلحاتهم في مقدمات كتبهم، وضرورة الحفظ والمراجعة لإتقان علم الحديث.
يعلن المحاضر انتهاء الجلسة الدراسية عند الوصول إلى شرح مصطلح "حسن الصحيح" في علم الحديث. ويختتم بالحمد والثناء لله على التوفيق والعلم.
بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم ومن ولاه، أما بعد. يقول الحافظ أبو الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني رحمه الله تعالى وغفر لنا وله ولوالدينا أجمعين، في سياق حديثه حول مصطلح "حسن صحيح" إذا جمع بينهما، قال رحمه الله تعالى: وسبق معنا يا إخوان بعض التفاسير التي فسر بها هذا المصطلح "حسن صحيح"، فبماذا يفسر؟ "حسن صحيح" باعتبار إسنادين: إسناد حسن وإسناد صحيح. طيب، أيضاً مما قيل في "حسن صحيح": بين الصحيح والحسن رتبة بين الصحيح وبين الحسن. فأي التفسيرين أقوى لما أطلق عليه "حسن صحيح"؟ أين سيكون أقوى؟ على التعريف الأول أنه باعتبار إسنادين حسن وصحيح؟ أو أن الأقوى هو ما فسر به الثاني؟ أنه عبارة عن منزلة بين الصحيح والحسن. أيهما أقوى يا با محمد؟ السؤال واضح؟ على قول من يقول: هو عبارة عن إسنادين أحدهما صحيح والآخر حسن، وجماعة يقولون: هي مرتبة بين الصحيح وبين الحسن. على أي القولين سيكون هذا الاصطلاح أقوى؟ وأمتن؟ آه؟ أيوة؟ على أي التفسيرين سيكون أقوى؟ باعتبار إسنادين، لاحظوا: إسنادان، الأول صحيح والثاني سيعضده حسن، بينما التفسير الثاني أنها مرتبة بين الصحيح وبين الحسن، أرفع من الحسن وأنزل من ماذا؟ من الصحيح. وأنزل من الصحيح أيضاً مما فسر به يا أبا الفاروق: تردد لدى المحدث على الحكم على هذا الإسناد، تارة بالحسن وتارة أخرى بالصحة. وقيل غير ذلك، والبعض يا إخوان يقول: الله أعلم. المصطلح أشهره الترمذي، وجاء عن غيره، ولا ندري ما هو المقصود بهذا المصطلح، حتى أن بعضهم من شدة تحيره كما سبق معنا يقول: إذا لقيت الترمذي في أرض المحشر يوم القيامة سيوقفه ويسأله عما أراد بهذا الاصطلاح. هذا يدلك على ماذا؟ على شدة الاضطراب والاختلاف الذي وقع في هذا الاصطلاح، في هذا الاصطلاح. قال رحمه الله تعالى: قال: "فإن قيل"، فإن قيل، وهذا الإشكال ذكره ابن كثير رحمه الله تعالى كما في كتابه "مختصر علوم الحديث"، علوم الحديث لمن؟ لابن الصلاح، "معرفة علوم الحديث"، أتى للحاكم وأيضاً لابن الصلاح، وهو الذي يسمى بـ "مقدمة ابن الصلاح"، وجاء الحافظ ابن كثير واختصرها في ماذا؟ في "مختصر علوم الحديث"، أتى العلامة أحمد شاكر وعمل حاشية وتعليقات وشرح مختصر سماه "الباعث الحثيث شرح مختصر علوم الحديث"، شرح مختصر علوم الحديث. طيب، قال: "فإن قيل: قد صرح الترمذي"، قد صرح الترمذي أين؟ كما ذكر عندنا المعلق في "العلل الصغير" الذي هو ملحق بكتابه "السنن"، قال: "قد صرح الترمذي بأن شرط الحسن أن يروى من غير وجه، أن يروى من غير وجه، أن يروى من غير وجه"، يعني من أوجه أخرى وليس من وجه واحد. قال: فكيف يقول في بعض الأحاديث: "حسن غريب لا نعرفه إلا من هذا الوجه"؟ ما وجه الإشكال يا إخوان؟ ما وجه الإشكال؟ يعني المغايرة والاختلاف بين قوله في شرط الحسن: "أن يروى من غير وجه"، يعني أن يأتي من أكثر من طريق، أكثر من وجه، واضح؟ بينما عبر في كتابه "العلل الصغير" بقوله: "حسن غريب"، قل "غريب" ماذا؟ وقل "غريب": ما راوٍ فقط، أتى من طريق واحدة، وكيف "حسن"؟ "حسن غريب"، وأكده بقوله: "لا نعرفه إلا من هذا الوجه". يقول لك هنا: تناقض، تناقض، تعارض بين القولين. قال: فالجواب، وماذا؟ قال: فالجواب أن الترمذي، أن الترمذي لم يعرف الحسن المطلق، لم يعرف الحسن المطلق، عندكم "المطلق"؟ أو "مطلقاً"؟ "مطلقاً"؟ "مطلقاً"؟ نعم هذا هو الصواب عندنا في نسختنا: أن الترمذي لم يعرف الحسن "مطلقاً"، وصوابه "مطلقاً" كما تجده في ماذا؟ في نسخ "النزهة"، وهكذا أيضاً في شروحاتها كاليواقيت والدرر، وهكذا في "التنقيح" وغيرها. قال: وإنما عرف بنوع خاص منه وقع في كتابه، وهو ما يقول فيه: "حسن" من غير صفة أخرى، أي من غير قوله: "حسن صحيح" أو "حسن غريب"، "حسن" فقط. قال: وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: "حسن"، في بعض الأحاديث "حسن"، وذلك أنه يقول في بعض الأحاديث: "حسن"، وفي بعضها: "صحيح"، وفي بعضها: "غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح"، وفي بعضها: "حسن غريب"، وفي بعضها: "صحيح غريب"، وفي بعضها: "حسن صحيح غريب". وينبغي أن نعلم يا إخوان أن الترمذي إذا أطلق لفظ "الحسن" فإن المراد به "الحسن لغيره". إذا أطلق الترمذي لفظ "الحسن" ولم يقيده بوصف آخر، قال العلماء: المقصود بهذا "الحسن لغيره"، "الحسن لغيره"، وهذا يظهر لمن تأمل تعريف الترمذي رحمه الله تعالى. طيب، فتعريفه للحسن ماذا ينطبق على "الحسن لغيره"؟ ينطبق على "الحسن لغيره". قال رحمه الله تعالى: وقد يذكر "الحسن" ويريد به "الحسن لذاته"، "الحسن لذاته"، لكن غالباً يقيده في بعض المواضع يا إخوان، يقول: "حسن غريب"، ولما تدقق النظر فيه فإذا به ماذا؟ "حسن لذاته". ولهذا، ولهذا، ولهذا علق العلامة الألباني رحمه الله تعالى قائلاً: إذا قال الترمذي "حسن غريب" فالمراد به "الحسن لذاته"، "الحسن لذاته"، وإذا قال "حسن" فقط دون لفظة "غريب"، دون لفظة "غريب"، فماذا يعني؟ ماذا يريد بذلك؟ "الحسن لغيره"، "الحسن لغيره". وإذا قال الترمذي "غريب"، وإذا قال "غريب" أي دون لفظة "حسن" أو "صحيح" فيعني به ماذا؟ أن الإسناد ضعيف، أن الإسناد ضعيف. لاحظوا يا إخوان: إذا قال "حسن غريب" فالمقصود به ماذا؟ "حسن لذاته". وإذا قال "حسن" هكذا مطلقاً ولم يضف إليه صفة أخرى فالمراد به ماذا؟ "الحسن لغيره". وإذا أطلق "الغريب" فقط فالمراد به الضعيف، "المراد به الضعيف". ويراجع في هذا "سلسلة الأحاديث الصحيحة والموضوعة وأثرها السيء على الأمة"، فقد أشار العلامة الألباني رحمه الله تعالى إلى ذلك عند حديث رقم سبعمائة وأربع وستين، سبعمائة وأربع وستين. قال الحافظ رحمه الله تعالى: قال: "وتعريفه إنما وقع على الأول فقط"، إنما وقع على الأول فقط، وعبارته ترشد إلى ذلك حيث قال في آخر كتابه، في آخر كتابه، أي كتاب "العلل الصغير" الذي هو في آخر كتاب "السنن": "وما قلنا في كتابنا: حديث حسن، فإنما أردنا به: حسن إسناده عندنا، إذ كل حديث يروى لا يكون راويه متهماً بكذب"، "متهم بكذب" يعني ضعفه ماذا؟ ليس بشديد، وإنما ضعفه خفيف، طيب، ويروى من غير وجه، نحو ذلك، يروى من غير وجه، أي أتى من طرق أخرى، قال: "ولا يكون شاذاً"، قال: "فهو عندنا حديث حسن"، فهو عندنا حديث حسن. إذن "حسن" ماذا؟ "حسن لغيره"، "حسن لغيره". قال رحمه الله تعالى: قال: "فعرف بهذا أنه إنما عرف الذي يقول فيه: حسن فقط". ركزوا: "حسن فقط". وهذا قلنا يطلقه على ما كان "حسن لغيره". أما ما يقول فيه: "حسن صحيح" أو "حسن غريب" أو "حسن صحيح غريب" فلم يعرج على تعريفه، كما لم يعرج على تعريف ما يقول فيه: "صحيح" فقط، أو "غريب" فقط. قال: وكأنه ترك ذلك استغناءً بشهرته عند أهل الفن، أي عند أهل الاصطلاح، أهل الحديث. قال: واقتصر على تعريف ما يقول فيه في كتابه: "حسن فقط"، إما لغموضه، الغموض هو عدم الوضوح، إما لغموضه، وإما لأنه اصطلاح جديد، إطلاق "الحسن" هذا لم يكن معروفاً كثيراً، وإنما اشتهر كثيراً، اشتهر كثيراً ماذا بعد الترمذي رحمه الله تعالى؟ وإن كان قد وجد في استعمال من قبله، لكن أكثر ما اشتهر "الحسن" عند الترمذي رحمه الله تعالى. قال: ولم ينسبه إلى أهل الحديث كما فعل الخطيب، أي في تعريفه للحسن، وتعريف الخطيب ماذا؟ من دقق النظر فيه رأى أنه ينطبق على "الحسن لذاته"، على "الحسن لذاته": "ما عرف مخرجه واشتهر رجاله" إلى آخره، هذا ينطبق على "الحسن لذاته"، على "الحسن لذاته". طيب، نقف هنا ونكمل الباقي إن شاء الله عز وجل في الفصل الدراسي الثاني إن شاء الله عز وجل، والحمد لله. المباحث يعني كثير منها أتينا عليه في الدروس الماضية، وما بعده يعني مباحث سهلة ولا سيما مع يعني ما سبق دراسته في المنظومة البيقونية. نعم تفضل، عندكم شيء وهو بهذا التقرير؟ نعم. طيب، قال رحمه الله تعالى: "وبهذا التقرير يندفع كثير من الإيرادات التي طال البحث فيها ولم يسفر وجه توجيهها، فلله الحمد على ما ألهم وعلم". وهنا يا إخوان يعني في الاصطلاحات التي يتعامل بها العلماء، غالباً تجد أن العالم يسفر ويوضح مقصوده بهذا الاصطلاح في مقدمة كتابه، في مقدمة الكتاب، وقد لا يورد ذلك في مقدمة كتابه وإنما يورده في كتاب آخر له، في كتاب آخر له، فهذا يدلك على أهمية معرفة ما هو المقصود بالاصطلاح الذي يستعمله هذا العالم، هذا العالم. ومن أكثر الاصطلاحات التي أشكلت على العلماء هو مصطلح الترمذي: "حسن صحيح"، فذكروا هذه الأوجه وهذه التفسيرات، وكلها عبارة عن ماذا؟ عبارة عن أفهام العلماء واستنباطاتهم من خلال صنيعي الترمذي رحمه الله تعالى في كتبه ك"السنن" وغيره، ك"السنن" وغيره. ومن أهل العلم من لم يتبين له شيء في ذلك فأوكل العلم إلى الله عز وجل، قال: "الله أعلم بما أراد بذلك"، "بما أراد بذلك". سنقف هنا يا إخوان ونواصل إن شاء الله عز وجل في الفصل الدراسي الثاني، الذي ننبه عليه يا إخوان: أهمية الحفظ، أهمية الحفظ، والحفظ يا إخوان مهم جداً، والثلثان وهم التمام، فاحفظ، فكل حافظ إمام. فالحفظ يا إخوان يجعلك تستحضر الشيء متى شئت، لو قيل لك: ما تعريف الصحيح؟ محفوظ لديك، الحسن، المرسل، المنقطع إلى غيره، فكله موجود ومحفوظ، ومحفوظ، وماذا كنا نحب أن نراجع شيئاً لكن انتهى الوقت، فإن شاء الله ماذا؟ تراجعون، وكل من أشكل عليه شيء، الحمد لله، يسأل عما أشكل، يسأل عما أشكل، تابعاً. سنقف هنا إن شاء الله، الاختبار إلى هذا المحل الذي وقفنا عنده، إلى ما يتعلق بمصطلح "حسن صحيح"، نعم، إلى قوله ها هنا: "فلله الحمد على ما ألهم وعلم"، إن شاء الله عز وجل.