الدرس في التعليق على شرح الأربعين النووية للشيخ العصيمي 26، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يبدأ الشارح بتوضيح معنى حديث «كل سلامى من الناس عليه صدقة» من الأربعين النووية، ويبين وجوب الصدقة عن كل مفصل من مفاصل الإنسان كل يوم. كما يشير إلى دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام في إخباره بعدد مفاصل الإنسان.
يشرح النص أهمية شكر الله على نعمة حسن الخلق، ويوضح درجات الشكر: الواجبة والمستحبة. كما يشدد على أن الشكر لا يقتصر على المال بل يشمل العبادات والطاعات المختلفة.
يشرح المقطع أن الصدقة يمكن أن تكون بأشكال متعددة مثل مساعدة الآخرين أو إزالة الأذى من الطريق أو الكلمة الطيبة، ويشير إلى أن حتى الأفعال البسيطة يمكن أن تكون صدقة وتؤجر عليها. كما يبين أجر صلاة الضحى وكيفية إجزائها عن شكر اليوم والليلة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الإمام يحيى شرف النووي رحمه الله في كتابه «الأربعين النووية» الحديث السادس والعشرون: عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «كل سلامى من الناس عليه صدقة، كل يوم تطلع فيه الشمس، تعدل بين اثنين صدقة، تعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه صدقة، والكلمة الطيبة صدقة، وبكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة، وتميط الأذى عن الطريق صدقة». رواه البخاري ومسلم. قال الشارح -فقه الله-: هذا الحديث أخرجه البخاري ومسلم كما ذكر المصنف، فهو من المتفق عليه، والسياق المثبت بلفظ مسلم أشبه. قال: وقوله «كل سلامة» السلامة المفصل، كل سلامة من الناس يعني كل مفصل من مفاصل البدن. قال: وعدة مفاصل الإنسان ثلاثمائة وستون مفصلا، فبت ذلك في صحيح مسلم من حديث عائشة عن النبي صلى الله عليه وسلم: «خلقه ابن آدم على ستين وثلاثمائة مفصل». الحديث، وهذا من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام، إذ أخبر بهذا الأمر الذي يعني لا يعلم ولا يطلع عليه إلا إذا شرحت جثة الإنسان وتفقدت مواضع مفاصله، فسيجد هذا العدد الذي أخبر به النبي صلى الله عليه وسلم، من أين علم ذلك إلا بوحي من الله، إلا بوحي من الله؟ هذا دليل من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام. قال: وقوله «عليه صدقة» أي تجب على العبد فيه صدقة، لأن «على» موضوعة في خطاب الشرع للدلالة على الإيجاب، لما يقال: أو يتف الشرع عليكم أنفسكم، يعني إلزموا أي شيء واجب عليكم كذا، أو تقول: عليك أن تصلي كذا، أو أن تتصدق بكذا، بمعنى يجب عليك، فهذا من معاني «على» الوجوب، من معاني «على» الوجوب. قال: والمراد من الحديث أن اتساق العظام وسلامتها في تراكيبها نعمة توجب على العبد التصدق عن كل مفصل منها كل يوم تطلع فيه الشمس، فشكرها واجب على العبد. نعم، ذكر هذا الإمام ابن رجب في شرح لهذا الحديث: أن المراد «كل سلامة من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس» يعني أن وجود هذه الأعضاء وسلامة تركيبها وحسن إيجادها وخلقها في الإنسان نعمة عظيمة. يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم ﴿الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك﴾، هذه نعمة عظيمة أن الله عز وجل أحسن خلق الإنسان، ﴿لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم﴾، أحسن خلقة، يعني في تركيب العظام والمفاصل ووضع الأعضاء، فهذه نعمة عظيمة تحتاج إلى شكر، تحتاج إلى شكر كل يوم تطلع فيه الشمس، يعني تحتاج أن تشكر هذه النعمة التي من الله سبحانه وتعالى بها عليك، فشكرها واجب على الإنسان تجاه ربه جل وعلا. قال: والشكر المأمور به في اليوم والليلة له درجتان، الأولى درجة واجبة، جماعها الإتيان بالفرائض والاجتناب للمحارم، وهذا شكر واجب على العبد كل يوم وليلة، لأن من شكر النعم هو تسخيرها في عبادة الله، ولزوم طاعة الله جل وعلا، وجماع ذلك فعل الواجبات واجتناب المحرمات، هذا واجب على العبد في كل يوم وليلة، أنه يحافظ على الفرائض وأن يجتنب المحارم. كيف تكون شاكرا لله وأنت مضيع لحدوده؟ وأنت مفرط في واجباته؟ كيف تكون شاكرا لله وأنت تنتهك محارم الله؟ أنت تنتهك محارم الله وتقع فيما حرم الله جل وعلا، إذا لا يتحقق الشكر إلا بلزوم الطاعات وبترك المحرمات، هذا الشكر الواجب. قال: والثانية درجة نافلة، جماعها التقرب بفعل النوافل وترك المكرهات، وهذه زائدة على القدر المفروض على العبد، وأمثالها زيادة في الشكر، هذه الدرجة مستحبة بعد الدرجة الواجبة التي هي المحافظة على الفرائض والواجبات وترك المحرمات، تأتي الدرجة المستحبة وهي التقرب بفعل النوافل، كنوافل الصلاة ونوافل الصدقة ونوافل الصيام، ففعل هذه النوافل هي من شكر الله، هي من شكر الله على نعمه، لكن هي درجة مستحبة، وهكذا ترك المكرهات وإن لم تكن محرمة، لكن يجتنبها لأجل أن يصل إلى الكمال، المكرهات أي ما جاء فيه النهي وهو ليس على سبيل التحريم وإنما على سبيل الكراهة والتنزيه، فكون المسلم يجتنب هذه المكرهات هذا أكمل وأفضل في التعبد، فهذه الدرجة مستحبة. قال: وتقدم أن الرواية المختصرة في حديث أبي ذر المتقدم -وهو صنو هذا الحديث- آخرها: «ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى»، يعني يجزئ عن هذه الصدقات التي ذكرها النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث. وقد مر معنا في حديث أبي ذر أن الصدقة لا تنحصر بصدقة المال، قد تكون بالمال، وقد تكون بالعبادات والطاعات أيضا، مثل ما في هذا الحديث: «كل يوم تطلع فيه الشمس تعدل بين اثنين صدقة»، اثنان متخاصمان فتصلح بينهما هذه صدقة، «تعين الرجل في دابته تحمله عليها» يحتاج من يعينه حتى يمشي على دابته، عنده سيارة تعبانة ما تمشي إلا بالدفع، هذا صدقة، تدفع معه، عنده دراجة ما تمشي إلا بالدفع، دفع معه، أنت الآن تعينه على ركوب دابته، هذه صدقة تؤجر عليها، لا تستحقر من المعروف شيئا كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تحقرن من المعروف شيئا ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق»، هذا من الصدقة، «أو ترفع له عليها متاعه صدقة»، عنده شيء يريد أن يحمله في السيارة أو يحمله في الدراجة، يريد من يعينه، فتعينه في حمل هذا المتاع فهو صدقة لك، صدقة، «الكلمة الطيبة صدقة»، الكلمة الطيبة تقولها لأخيك المسلم تدخل عليه الفرح والسرور صدقة. قالوا: «بكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة»، تخرج من بيتك إلى المسجد لأجل أن تصلي، كل خطوة لك فيها صدقة، انظروا إلى عظيم فضل الله سبحانه وتعالى. قالوا: «وتميط الأذى عن الطريق صدقة»، شيء في طريق الناس مما يتأذى منه الناس في طريق، ما تبعده شوك، حصى أو نحو ذلك، لك صدقة، لك صدقة. وفي حديث أبي ذر أيضا جاء: «يجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى». قال: أن يجزئ عن العبد في شكر اليوم والليلة أن يصلي ركعتين من الضحى، فالفعل المذكور في حصول الإجزاء والكفاية مشروط بأمرين، أحدهما فعل ركعتين، واختياره لأنه جميع المفاصل تشترك في أدائها، يعني في الصلاة تشترك جميع المفاصل في القيام في الركوع في الرفع من الركوع في السجود، فجميع المفاصل تشتغل وتعمل في أثناء أداء الصلاتين، والصلاة عبادة فيها شكر لله جل وعلا. قال: والآخر إيقاع الركعتين المذكورتين في وقت الضحى، وهو بعد ارتفاع الشمس قيد رمح إلى قبل الزوال، هذا الوقت كله وقت لصلاة الضحى. قال: واختياره لأنه وقت غفلة، فالناس فيه بين مشتغل بطلب رزقه يعني يعمل ويكدح لطلب الرزق، فقد ينشغل عن صلاة هاتين الركعتين. قال: أو مكتفي الرزق ساه في لهوه، يعني ما عنده عمل في نهاره لكن مع ذلك هو في لهو ولعب وغفلة عن العبادة والطاعة. قال: أو ميت القلب يغط في نومه، فلا ينتبه لأداء هذه العبادة العظيمة في مثل هذا الوقت، فلذلك جعلت لهاتين الصلاتين هذا الأجر العظيم. قال: والمقصود بالإجزاء والكفاية أن وقوعهما بعد الدرجة الواجبة يجعل ما وقع من العبد في الدرجة الواجبة زيادة في الشكر، فليس معنى الحديث أن الإنسان لا يصل لصلاة الخمس ويركع ركعتين من الضحى ويقول: أنا أديت شكر اليوم، ولكن المقصود أن من جاء بالدرجة الواجبة في اليوم والليلة فأدى الفرائض وكف نفسه عن المحرمات، ثم ركع ركعتين، فإن هاتين الركعتين تكون شكر اليوم والليلة، وما عداها يكون زيادة في شكره لله سبحانه وتعالى، هذا معنى الحديث. نعم، ففيه استحباب صلاة هذه الركعتين -صلاة الضحى- وأن صلاة هاتين الركعتين تجزئ عن شكر -يعني شكر الله جل وعلا- في يوم الإنسان وليلته، وتجزئ عن هذه الصدقات المتعددة التي ذكرها النبي عليه الصلاة والسلام. صلى الله وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.