شرح الموقظة في مصطلح الحديث 4

الدرس في شرح الموقظة في مصطلح الحديث 4، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

تعريف الحديث الموضوع وأسبابه

يُعرَّف الحديث الموضوع بأنه المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، وقد يكون راويه كذابا أو ثقة، مع ذكر أسباب رواية الثقات للأحاديث الموضوعة مثل الوهم أو الخطأ في النسخ.

معايير نقد الأحاديث والكشف عن الموضوعة

يتناول طرق معرفة الأحاديث الموضوعة مثل إقرار واضع الحديث، ركاكة الألفاظ، ومخالفة متن الحديث للقواعد الشرعية، مع ذكر أمثلة على رواة كذابين وضعوا أحاديث موضوعة.

مناقشة آراء العلماء في نقد الأحاديث وإقرار الراوي بوضعها

يتناول كيفية تعامل المحدثين مع الأحاديث الضعيفة والموضوعة، ومسألة إقرار الراوي بوضع الحديث، مع مناقشة آراء بعض العلماء مثل ابن دقيق العيد والإمام الذهبي.

التحقق من وضع الأحاديث ودرجة اليقين

يُشير إلى أن كثيرا من الأحاديث التي تعد موضوعة قد لا يكون هناك دليل قاطع على وضعها، بينما هناك أحاديث أخرى يظهر بوضوح أنها موضوعة.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه، وبعد. قال المؤلف رحمه الله تعالى: الموضوع، أي الحديث الموضوع، قال: ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا، كالأربعين الودعانية، وكنسخة على الرضا المكذوب عليه. فالموضوع هو المكذوب على النبي صلى الله عليه وسلم، المختلق، المصنوع. وهنا ذكر ما كان متنه مخالفا للقواعد، وراويه كذابا، وهذا شيء من علامات الوضع، أو ما يعرف به الوضع. لكن يقال: هو المكذوب على النبي عليه الصلاة والسلام، أو المختلق المصنوع، وسواء كان راويه كذابا أو ليس بكذاب؛ قد يكون راوي الموضوع كذابا، وقد يكون غير كذاب. لهذا لما قال الشيخ هنا: راويه كذابا، معناه هنا أراد أن رواية الكذاب تسمى الحديث موضوعا، لكن ليس كل حديث يكون راويه كذابا يكون موضوعا؛ لأن الكذاب قد يروي حديثا صحيحا، والموضوع قد يرويه حتى الثقة. ولهذا ذكر الشيخ الإسلام ابن حجر رحمه الله أن في المسند أحاديث موضوعة، لكن قال: ليس لأن راويها كذاب، فلهذا ليس كما قلنا: قد يكون الحديث موضوعا وراويه ليس بكذاب، بل قد يكون راويه ثقة. كما ذكرنا مثلا في ما رواه في كتب أخرى ذكرناها، هذه القصة: قصة ثابت الزاهد، ثابت الزاهد يعتبر ثقة، لكنه روى حديثا موضوعا، وهو ثقة. روى حديثا عن شريك النقعي، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، أنه قال: سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: من طال قيامه بالليل أضاء وجهه بالنهار. هذا الحديث موضوع، أو لا أصل له، لكن أخطأ ثابت رحمه الله. وقصة ذلك كما حكاها الخطيب البغدادي وغيره: أن ثابتا دخل على شريك، أو كان في مجلس شريك النقعي، وكان شريك يحدث في حديث عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، وكان في سياق حديثه، فقال: حدثنا الأعمش... ثم التفت فرأى ثابت الزاهد، فقال شريك: من طال قيامه بالليل أضاء وجهه بالنهار. فظن ثابت أن هذا حديثا عن النبي عليه الصلاة والسلام، فكان يرويه عن شريك، عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة. فلهذا قلنا: قد يكون الحديث موضوعا وراويه ثقة. أحيانا بعض أهل الحديث يخطئ، فيكتب حديثا، أو مع النسخ، بدل ما يأتي بسناد، يأتي بسناد آخر، أو يدخل الحديث في حديث. فلهذا قد يكون كما قلنا: الحديث موضوعا، لكن راويه ليس بكذاب. أيضا الأوهام التي تحصل لكثير من الرواة، أحيانا يأتون بحديث لا أصل له بسبب الوهم. وأيضا أحيانا يدخل الحديث، أو يدخل على أحد، مثلا من أقارب هذا المحدث، فيدخل عليه بعض الأحاديث في نسخة، فيرويها. مثل ما فعل عبد الرزاق لما عمي، فكانوا يدخلون في كتبه حديثا، وكان يرويه. وقلنا: روى عنه بعض الأصحاب، كأحمد بن أزهر، وأحمد بن صبويه، روى حديثا عن عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: يا علي، حبيبي حبيبك، وحبيبك حبيبي، وحبيبي حبيب الله، وعدوك عدوي، وعدوي عدو الله. هذا الحديث رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيد الله، عن ابن عباس، وهذا الحديث إسناده كإسناد الصحيحين، لكن الحديث موضوع. ولهذا لما حدث به أحمد بن أزهر، إلى يسأوبري، وكان في المجلس ابن معين، فقال يحيى بن معين: من الكذاب الذي روى هذا الحديث؟ فقال أحمد بن أزهر: أنا. فقال: أما أنت فلست بكذاب، أنا ليس هذا منك. فعلم العلماء أن هذا الحديث وضعه، أو وضع على عبد الرزاق. فلهذا كما قلنا: أن الموضوع لا يشترط أن يكون راويه كذابا. ثم ذكر هنا بعض الأمثلة، قال: كالأربعين الودعانية. الأربعين الودعانية، معنى هذه: أحاديث جمعها محمد بن علي بن ودعان، أبو نصر الموصلي. وهذه أحاديث مسروقة أصلا، وضعها رجل يقال له: زيد بن رفاعة، فسرقها محمد بن علي بن ودعان، ورواها عن مشايخ ابن رفاعة، دون أن يذكروا. وابن رفاعة هذا معروف بوضع الحديث، فلهذا الأربعين الودعانية هذه، معنى حديث موضوعة، الأسانيد بعضها، متونها صحيحة، لكن أسانيدها موضوعة. قال: وكنسخة علي الرضا المكذوب عليه. وعلي الرضا من آل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، لكن روى هذه النسخة بعض الكذابين، وهو عبد الله بن محمد بن عامر، روى هذه النسخة، وهي نسخة موضوعة. وأيضا هناك نسخ كثيرة منها: نسخة نبيط بن شريط الصحابي، هذه أيضا له نسخة موضوعة. وأيضا نسخة بل مسند زيد، وجامع زيد، كلاهما أيضا موضوعان، أحاديث موضوعة. وكتاب غير صحيح، وضعه خالد بن عمر الواسطي، خالد بن عمر الواسطي هذا كذاب شيعي، وكان يضع الأحاديث للشيعة. وكتاب زيد بن علي الجامع، وكذلك مسند زيد، كلاهما كذب. قال: وهو مراتب، منه ما اتفق على أنه كذب، ويعرف ذلك بإقرار واضعه، وبتجربة الكذب منه، ونحو ذلك. إما أن يقر أنه هو الذي وضعه، مثل ما جاء عن نوح بن أبي مريم، الذي يسمى نوح الجامع، قال: بعض العلماء جمع كل شيء إلا الصدق، سموه نوح الجامع، جمع كل شيء إلا الصدق، لم يوفق إليه. فهذا الرجل اعترف بأنه وضع أحاديث فضائل القرآن، قال: رأيت الناس انهمكوا في فقه أبي حنيفة، وسير ابن إسحاق، ووضعت لهم هذا الحديث حتى يلتفتوا إلى القرآن. وهذا جهل. وأيضا كذلك قصة مؤمل بن إسماعيل، التي ذكرها الخليلي وغيره، عندما سمع حديثا في فضائل القرآن، فقال للرجل الذي روى هذا الحديث: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: حدثني رجل بالبصرة. قال: فذهبت إلى هذا الرجل، فقلت: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: حدثني رجل بالموصل. فقلت: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: حدثني رجل بعبادان. قال: فذهبت إلى هذا الرجل الذي بعبادان، فقلت: من حدثك بهذا الحديث؟ قال: لم يحدثني أحد، ولكن تعال وأدخل هذا المكان. فقال: هذا المكان كنا إذا استحسن حديثا اجتمعنا في هذا المكان وأخرجناه حديثا. فأيضا كذلك كان بعض السلف يقول: لا تأخذوا من أهل الأهواء، فإنهم يجتمعون فيجعلون الحديث حديثا، يعني ينشئون كلاما ويجعلونه حديثا. فلهذا فإما أن يعرف الحديث بإقرار واضعه، أو يعرف أنه كذب، مثل ذلك الذي جاء به لهارون الرشيد، وأراد أن يصلبه على زندقته، فقال: أيها الرجل، كيف تعملون في أربعة آلاف حديث وضعتها في دينكم، وحللوا فيها الحرام، وحرموا فيها الحلال؟ فقال له هارون الرشيد: سينخلها نخلاء، يعني سيبينون هذا الأمر. كذلك أيضا من هؤلاء الجهمية، كانوا يضعون حديثا في الصفات، يريدون أن يثلبوا أهل السنة، وأنهم مشبهة. مثل ما كان يفعل محمد بن الشجاع الثل، من الجهمية، فاعترف بأنه كان يضع الأحاديث، قال: كنت أضع الأحاديث في الصفات، وأثلب بها أهل السنة، يعني أهل الحديث، هؤلاء. قال: وتمر عليه، يعني ما يعرفونها. فهذا كلام كذب، كلام كذب. لهذا رد عليه أثمان بن سعيد الدارمي في النقض، لما نقض على بشر المريسي، ذكر أيضا هذا الكلام الذي قاله محمد بن الشجاع الثلجي، فقال: هذا الرجل أحمق، أو كما قال رحمه الله. قال: أهل الحديث يعرفون خطأ المخطئ، خطأ المخطئ يعرفونه، فكيف بكذب الكذاب؟ لا شك أنهم يعرفون كذب الكذاب، ما دام أنهم يعرفون خطأ المخطئ، إذا أخطأ المخطئ وهو ثقة، يعرفون أنه أخطأ، فكيف بكذب الكذاب؟ هذا سهل. حديث المكذوب يعرفونها بمجرد ما يسمعونه. ولهذا هذا الخبيث محمد بن الشجاع الثلجي، وضع حديثا يستحى حتى من ذكره، وكل ذلك حقدا على أنه يثلب أهل السنة بها. مع أنه يخرج نفسه من الحديث، ويضع مثلا حمدا في الحديث، وقاموا وضعوا قصة، وضعوا قصة حتى يمهدوا لأنفسهم في هذا. فقالوا: أن إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي يقول: كان حمد بن سلم لا يروي حديث الصفات، فلما ذهب إلى عبادان ورجع، فكان يروي حديث الصفات، لحديث المشبهة. انظر إلى هذه القصة المكذوبة، أولا جعلوها على لسان رجل كان طفلا في عهد حمد بن سلم، وهذا من الفضائح. يعني إبراهيم بن عبد الرحمن بن مهدي كان طفلا في عهد حمد بن سلم، وحمد بن سلم أكبر من أبيه، وأيضا توفي حمد بن سلم، وإبراهيم لازال ابن خمس سنوات أو ست سنوات، من أين سيعرف مثل هذا الكلام؟ هذا كلام كبير، من أين سيعرف أنه ذهب إلى عبادان وجاء وكذا؟ فهذا أبوه لم يكن يتكلم على حمد، بل كان يقول: من تكلم في حمد بن سلم فاتهموه. فكيف يأتي مثل هذا ابنه؟ بعيد جدا أن يكون هذا، وإنما هذا أرادوا أن يمهدوا لأنفسهم في أنهم يثلبوا أهل السنة، ولأن حمد بن سلم كان شديدا عليهم، كان شديدا عليهم. فلهذا كانوا يضعون لها حديثا، ويجعلونها على اسم حمد بن سلم. قال: وبالتجربة الكذب منه، ونحو ذلك. يعني أحيانا يعرف الكذاب بالحديث التي يأتي بها، مثل هذا غياث بن إبراهيم، لما كان مع المهدي، وكان المهدي يحب الحمام، وكان يربي الحمام، فجاء هذا إبراهيم بن غياث، وقال: أسند حديثا، حديثا عن أبي هريرة، أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: لا سبق إلا في خف أو نصل أو حافر أو جناح. زاد أيضا: أو جناح، زادها من كيسه. فلما قال المهدي: والله إني لأرى قفا رجل كذب. وما كذب، وأنا السبب الذي جعلته يكذب، يعني لما رأاني أحب الحمام، قال: أو جناح. فقتل، ذبح بعد ذلك الحمام. وهذا يدل على صفاء قلبه رحمه الله. قال أيضا: قوله بتجربة الكذب منه، أيضا مثل هذا، يعني يكذب ويعرف العلماء أنه يكذب، مثل هذا أحمد بن عبد الله الجويباري. أنا اختلف الناس عنده، رأى أهل الحديث يختلفون في سماع الحسن من أبي هريرة، منهم من يقول: سمع، ومنهم من يقول: لم يسمع. فقال: حدثنا الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: سمع الحسن من أبي هريرة. خلاص، أراد أن يفض النزاع بينهم، أتى لهم بحديث، قال: الحسن سمع من أبي هريرة. وهذا يدل على حماقة فيه، فهذا مثل هذا يعرف أنه رجل كذاب. أيضا الرجل قيل له: إن مذهب الشافعي قد ظهر، الناس الآن كثير تمسكوا بمذهب الشافعي. فقال: هكذا قالوا: نعم. قال: اكتبوا، أتى لهم بإسناد، فقال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: يظهر في أمتي رجل يقال له محمد بن إدريس، هو أشد على أمتي من إبليس. قال: ويظهر على أمتي رجل يقال له أبو حنيفة، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي، هو سراج أمتي. يعني كذب واضح. فمثل هذا جرب عليه الكذب، فهذا لا يأخذ حديثه، ولا تراب. قالوا: منهما الأكثرون على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح. هذا الذي يختلفون فيه: هل هو موضوع أو متروك؟ وهذا الذي يكون فيه متهم بالكذب. وهناك أيضا كما هو معروف: هناك أشياء منها الزندقة، أيضا إقرار الواضع، وتجربته، وأيضا الزندقة، أنه زنديق يروي حديث كذب. كذلك أيضا ركاكة الألفاظ، كذلك أيضا أن يكون متنه مخالفا للقواعد المعروفة في شريعة، أن يتهم بالكذب بهذا، أو يصرح بعض العلماء أنه كذاب. قال: منهما الأكثرون، أي من أقسام الموضوع، على أنه موضوع، والآخرون يقولون: هو حديث ساقط مطروح، ولا نجسر أن نسميه موضوعا. ومنهما الجمهور على وهنه وسقوطه، والبعض على أنه كذب. هذا يختلفون في بعض الأحاديث، منهم من يقول: إنه موضوع، لأن راويه أخطأ فيه، ومنهم من لا يتجاسر، لأن راويه ثقة، أو لا بأس به، فيقول: هو حديث ضعيف. مثل ما حصل للمقريزي رحمه الله، ألف كتابا يرد فيه على موضوعات مسند الإمام أحمد، عن الموضوعات التي في المسند، ورد عليه ابن الجوزي، ورد عليه آخر. شيء الحافظ، في معنى جعل ردا، سماه المدبب، معنى يرد على هؤلاء الذين حكموا على الحديث بالوضع. وذكر رحمه الله أيضا: أن ابن الجوزي ذكر أيضا الحديث في الموضوعات من مسند الإمام أحمد، وبيّن أن هذه الأحاديث ليست موضوعة، بل هي ضعيفة، إلا تسعة أحاديث، فهي موضوعة، لكن ليس وضعها رجل كذاب، هي موضوعة، لكن ليس راويها رجل كذاب. وكذلك بعضها قد ضرب عليها الإمام أحمد، مثل أحاديث فائد بن قايف، فالإمام أحمد أمر بالضرب على أحاديثه. وفي المسند الآن إلى الآن حديثين من أحاديث هذا فائد، ولكن بعضهم العلم يقول: كما قال الحافظ: أنها ليست موضوعة، ممكن أن يقال: أنها ضعيفة جدا. والمهم يختلفون في هل هي موضوعة أو لا؟ وهذا بحسب اجتهاد المحدث، أحيانا المحدث يرى أن هذا الحديث أصلا لا أصل له، وهو موضوع، وإنما أدخل على الرجل، أو وهم فيه. وحيانا أيضا بحسب اجتهاد الشخص، مثلا حديث: ازهد فيما عند الناس، تكون زاهدا عند الله. أو كما في الحديث الذي ذكره الإمام النووي في الأربعين. بعضهم العلم، كالبخاري، يقول: أنه موضوع، أو أقصد ليس البخاري، أبو حاتم. لأن هذا الحديث أصلا هو من رواية سليمان بن أرقم، وإنما رواه الزهري عن سليمان بن أرقم، ورواه بعض أصحاب الزهري، ولم يذكروا سليمان. وإلا فهو من رواية سليمان بن أرقم، وسليمان بن أرقم متروك الحديث، بل بعضهم كذبه. فلهذا قال بعضهم: أنه حديث موضوع. قالوا: منهما الأكثرون على أنه موضوع، ومنهم الجمهور على وهنه، والسقوطه، والبعض على أنه كذب. ولهم في نقد ذلك طرق متعددة، وإدراك قوي، تضيق عنه عباراتهم، من جنس ما يؤتاه الصيرفي الجهبد في نقد الذهب والفضة. يعرفون الحديث أنه موضوع، وأنه أيضا مطروح، يعرفونه بلفظه، وركاكة الألفاظ؛ لأن هؤلاء العلماء الكبار تذوقوا الحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلهذا يعرفون أن هذا الحديث من كلام النبي عليه الصلاة والسلام، أو ليس من كلامه، من ألفاظه فقط. قالوا: الجوهري لنقل الجواهر والفصوص لتقويمها، قال: فلكثرة ممارستهم للألفاظ النبوية، إذا جاءهم لفظ ركيك، أعني مخالفا للقواعد، أو فيه المجازفة في الترغيب والترهيب، أو الفضائل، وكان بإسناد مظلم، أو إسناد مضيء كالشمس، في أثنائه رجل كذاب، أو وضاع، أو أنه يخفي نفسه في الإسناد، فيحكمون بأن هذا مختلق، ما قاله رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وتتواطأ أقوالهم فيه على شيء واحد. وقال شيخنا ابن دقيق العيد: إقرار الراوي بالوضع في رده، ليس بقاطع في كونه موضوعا، لجواز أن يكذب في الإقرار. هذا قاله الإمام ابن دقيق العيد، ولم يوافقه كثير من أهل العلم، يعني يقول: أي شيء أن المقر بأنه وضع حديثا، لا يصدق، ولا يقال: إنه يقطع بأن هذا الحديث موضوع؛ لأنه يجوز أنه يكذب في هذا الإقرار. طيب ما فائدة الكذب في الإقرار؟ إلا إذا كان في حالات نادرة، في حالات نادرة، مثل ما جاء عن الأعمش؛ لأن الأعمش كان عنده عمش في الرواية، وكان أعمش، يعني عنده عمش في عينيه، ما يرى. فمرة أراد جنازة، فكان رجل من أهل الحديث، شاب من أهل الحديث، أخذه يخرجه إلى الجنازة، ثم مع الرجوع أرجعه، لكن لم يرجعه إلى بيته، أخرجه خارج المدينة. فقال له: ما للطريق قد طالت؟ قال له: أنت الآن خارج المدينة، إما أن تحدثني حديثا، وإلا تركتك وذهبت. فقال: خلاص، اكتب. فكتب له خمسة عشر حديثا، وكذا. ثم أخذه، فلما كان في السوق، هذا الرجل أعطى للواحد رجل يعرفه، قال له: خذ الألواح. فلما جاء به إلى بيته، قال: هذا بيته، تمسك فيه. قال له: هات الألواح. قال: قد أرسلتها إلى البيت. قال له: كلها كذب. قال: ليس مثلك يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، استرك. فهذا معناه هنا: هذا أقر، يعني من باب المجاملة، أو من باب مثلا أنه ما يريد أن يحدث عنه؛ لأنه ما كان يعرفه. وللأعمش ما يعطي أحد حديثا إلا وهو يعرفه، يعني هل يكون أهلا لهذا الحديث، وتبليغه أم لا؟ فلهذا حصلت قصص كثيرة لأجله هذا. فقول الإمام ابن دقيق العيد هذا ليس على إطلاقه، لكن يحصل أحيانا أن الإنسان يكذب في إقراره. والإمام ابن دقيق العيد تجد أنه متأثر كثيرا بالفقه، والوصول لهذا. مسألة الإقرار، إقرار الشاهد، يحصل مثل هذا: أن الإنسان يقر بشيء، ثم بعد ذلك يشهد أنه كذب، هذا يحصل في المحاكم، وكذا. لكن في الحديث نادرا يحصل هذا: أن الإنسان يقر بأنه وضع على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو كذب. من الذي يقر على نفسه أنه يكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو لا يكذب؟ هذا بعيد جدا، إلا من تجرى على الكذب، مثل ما ذكرنا قبل. قال: قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا باب التجويز معنا الآن، الإمام الذهبي يرد على شيخه ابن دقيق العيد. قال: قلت: هذا فيه بعض ما فيه، ونحن لو فتحنا، لو فتحنا باب التجويز، والاحتمال البعيد، لو وقعنا في الوسوسة، والسفسطة؛ لأن السفسطة هذه فرقة من فرق الفرق اليونانية، الذين معنا من فلاسفة اليونان، الذين لا يرون شيئا حقيقة، كله خيال، كل شيء خيال، حتى من عجائبهم: أنه ليس شيء حقيقة في الوجود أصلا، حتى مثلا لو رفعت شيئا وسقط، يقول لك: متى سقط؟ عندهم أنه سقط في قبل، سقط هذا له قبل، وهذا الذي ترى أنت خيال، خيال الذي سقط، كلام باطل، سفسطائية، مغالطات. وأخذوا ومذهب أهل الوجود أخذوه من هؤلاء من فلاسفة اليونان السفسطائية، ولهذا يقال: هذا الكلام سفسطة، سفسطة، يعني كلام باطل، خيال، يعني لا يدخل العقل. قال رحمه الله: نعم، كثير من الأحاديث التي وسمت بالوضع، لا دليل على وضعها، كما أن كثيرا من الموضوعات لا نرتاب في كونها موضوعة، يعني لا نشك أنها موضوعة. طيب هذا خلاصة ما ذكره المؤلف هنا.