الدرس في شرح الموقظة في مصطلح الحديث 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول تعريف الشاذ والمنكر وفقًا لآراء مختلف العلماء، ويشرح كيفية التفريق بينهما وطرق الترجيح بين الروايات المختلفة. يُظهر اختلافًا في استعمالات العلماء لهذين المصطلحين.
يشرح أقسام الحديث مثل الشاذ والمنكر والغريب، ويوضح كيفية الترجيح بين الروايات بناءً على العدد والحفظ وقرائن أخرى، ويقدم أمثلة من كتب السنة النبوية.
يتناول تعريف الغريب والتفرد والمسلسل في علم الحديث، ويشرح دلالات الأحاديث المسلسلة وأمثلة عليها، ويوضح أن الغريب قد يكون صحيحا أو ضعيفا.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، الصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى الإمام الذهبي: الشاذ هو ما خالف راويه الثقات، أو من فرد به من لا يحتمل حاله قبول تفرده. وهذا التعريف الذي عرفه الحافظ الذهبي رحمه الله، الظاهر أنه تعريف الحاكم، أو جمع بين تعريف الحاكم وتعريف الخليلي للشاذ. وأيضا أدخل فيه كلام الشافعي رحمه الله، لأن الشافعي يقول: إن الشاذ ليس ما تفرد به الثقة، ولكن ما خالف فيه الناس. الشاذ، يقول الإمام الشافعي: ليس تفرد الثقة، ولكن ما خالف فيه الناس. فما خالف فيه الناس، أي الثقة، أي خالفه الناس فيه، فهو يعتبر شاذا. لكن هذا فيه شيء من التوسع. كيف خالفه الناس؟ من الذي خالفه؟ هل الذين خالفوا ثقات؟ هل هم أكثر منه عددا؟ أو هل هم أحفظ منه؟ فلهذا يحتاج إلى تقييد. معلوم أن الإنسان لما يبتدي في شيء، وفي تعريف شيء، غالبا يعتريه النقص. والإمام الشافعي رحمه الله هو أول من بادر في هذا الكلام، يعني ما كان يعرف شيء من هذه الأشياء، وإنما قد يطبقونها عملا، أما مثلا يقولونها على أن هذا التعريف كذا وكذا، فهذا لم يكن موجودا في ذلك الوقت. لكن الإمام الشافعي ساهم في هذه الأمور، ومن ذلك أنه عرف الشاذ، فقال: ليس الذي ينفرد به الثقة، ولكن الذي يخالف فيه الناس. ورأى بعض الأئمة، كالخليلي وغيره، أن التفرد أيضا تفرد الثقة يعتبر فيه الشذود، كما قال الخليلي: الشاذ إذا تفرد به ثقة أو غيره، فإن كان ثقة توقف فيه. فالظاهر أنه يعني يرى أن الثقة إذا انفرد أو خالف الثقات، فإنه يكون حديثه شاذا. لكن متى؟ إذا كان هذا الثقة ليس من الحفاظ، ليس من الحفاظ، وإنما من الشيوخ، كما يقولون: ليس هو حافظ، لكنه درجة تحت الحافظ. فهذا الذي يقال في حديثه شاذ. أما الحفاظ الكبار، فلا يقال في حديثه شاذ. هذا على رسم الخليلي. قال: وأيضا كذلك أدخل فيه كلام الشافعي رحمه الله، لأن الشافعي يقول: إن الشاذ ليس ما تفرد به الثقة، ولكن ما خالف فيه الناس. الشاذ، يقول الإمام الشافعي: ليس تفرد الثقة، ولكن ما خالف فيه الناس. فما خالف فيه الناس، أي الثقة، أي خالفه الناس فيه، فهو يعتبر شاذا. لكن هذا فيه شيء من التوسع. كيف خالفه الناس؟ من الذي خالفه؟ هل الذين خالفوه ثقات؟ هل هم أكثر منه عددا؟ أو هل هم أحفظ منه؟ فلهذا يحتاج إلى تقييد. قال: ومعلوم أن الإنسان لما يبتدي في شيء، وفي تعريف شيء، غالبا يعتريه النقص. والإمام الشافعي رحمه الله هو أول من بادر في هذا الكلام، يعني ما كان يعرف شيء من هذه الأشياء، وإنما قد يطبقونها عملا، أما مثلا يقولونها على أن هذا التعريف كذا وكذا، فهذا لم يكن موجودا في ذلك الوقت. لكن الإمام الشافعي ساهم في هذه الأمور، ومن ذلك أنه عرف الشاذ، فقال: ليس الذي ينفرد به الثقة، ولكن الذي يخالف فيه الناس. ورأى بعض الأئمة، كالخليلي وغيره، أن التفرد أيضا تفرد الثقة يعتبر فيه الشذود، كما قال الخليلي: الشاذ إذا تفرد به ثقة أو غيره، فإن كان ثقة توقف فيه. والظاهر أنه يرى أن الثقة إذا انفرد أو خالف الثقات، فإنه يكون حديثه شاذا، لكن متى؟ إذا كان هذا الثقة ليس من الحفاظ، وإنما من الشيوخ، كما يقولون: ليس هو حافظ، لكنه درجة تحت الحافظ. فهذا الذي يقال في حديثه شاذ. أما الحفاظ الكبار، فلا يقال في حديثه شاذ. هذا على رسم الخليلي. قال الحافظ رحمه الله: الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أولى منه. مخالفة المقبول، أي الذي يقبل حديثه، وليس المقبول الذي اصطلحه في التقريب. لما يقول: مقبول، هذا مقبول، مراد به كما ذكر في اصطلاحه: أنه لين، إلا إذا توبع. أن حديثه ضعيف، إلا إذا توبع. لكن المقبول هنا ليس المراد ذاك المقبول، هنا من يقبل حديثه. المقبول هو من يقبل حديثه، فقال: رواية المقبول لمن هو أولى منه، هذا يسمى شاذا. لكن من رأى طريقتها العلم، يجد أن هذا التعريف لا ينفق على كثير ممن يذكر العلماء أنه شاذ. ولهذا الظاهر أن الشاذ يطلق على أنواع. قال: بل كما قرر الحافظ بن الصلاح: أنه ليس هناك فرق بين المنكر والشاذ عند العلماء، وإنما هو من باب الاصطلاح فقط. فمنهم من يقول: منكر، ومنهم من يقول: شاذ. فمثلا الشافعي يقول: شاذ، والإمام أحمد يقول: منكر، عند أبي حاتم أيضا يقول: شاذ أو منكر. وهكذا فتجد أنهم نفس الحديث، منهم من يقول فيه: شاذ، ومنهم من يقول: منكر. وفقط استعمالات الإمام أحمد مثلا ما يستعمل كلمة الشاذ، استعمل كلمة المنكر. أبو حاتم يستعمل هذه وهذه. أبو الزرع يستعمل المنكر غالبا. وهكذا فتجد أن استعمالات العلماء تختلف. والظاهر أنهم يريدون واحدا. لكن الحافظ يريد: الحافظ يريد أنه يجعله كاصطلاح، يجعله كاصطلاح عند المتعلمين الذين تعلمون هذا العلم، فجعل هناك فرق بين المنكر وبين الشاذ. قال: فالشاذ مخالفة الثقة، والمنكر مخالفة الضعيف، أي لمن هو أولى منه. أنا أولى منه في الحفظ أو في العدد، لأن الترجيح غالبا إما يكون بالحفظ، وإما يكون بالعدد. وسيأتي الكلام عليه إن شاء الله تعالى. فلهذا فخلاصة تعريف الشاذ: أن الحافظ رحمه الله جعل تعريف الشاذ هذا لأجل يميز. لكن كواقع عند العلماء، كواقع عند العلماء: لا فرق بين المنكر والشاذ في الإطلاقات. لا فرق بين الشاذ والمنكر في الإطلاقات. قد يطلقون على تفرد الثقة أو تفرد الضعيف شاذا، وقد يطلقون عليه منكرا. قد يطلقون على مخالفة الثقة منكرا. وهذا الإطلاق منكر أكثر من إطلاق الشاذ. قال: ومعنا من تأمل في كتب العلم، يجد أن مخالفة الثقة يطلقون عليها منكرا أكثر من إطلاقهم الشاذ. الشاذ هذا وقع فقط في كلام الإمام الشافعي أكثر شيء، ووقع في كلامه أكثر أيضا منكرا. فلهذا يقولون: هذا من منكرات حديث فلان. عن الإمام بن عدي ألف كتابه الضعفاء، الكامل في الضعفاء، تجد بعدما يذكر رواية أو ترجمة الراوي، يذكر بعده مناكيره. يذكر مناكيره، هذه المناكير فيها ما تفرد به، ولم يتابعه غيره، وفيها ما أنكر عليه، وفيها ما أنكر عليه من الحديث، صالح فيها الثقات. وكذلك أيضا فعل الإمام الذهبي في الميزان، كذلك فعل الإمام الذهبي في الميزان، إذا ذكر رواية الرجل، ذكر بعد ذلك ما أنكر عليه، قد يكون من تفرداته، وقد يكون أيضا ما خالف فيه. فلهذا تجد كما قلنا: أن إطلاق المنكر على مخالفة الثقة في كلام العلماء هو أكثر من إطلاق الشاذ، أكثر من إطلاق الشاذ. قال الحافظ: لكن كواقع عملي عند العلماء، فهو إطلاق المنكر على هذه الحالة أكثر من إطلاقه إطلاق الشاذ عليها. فلهذا كما قلنا: لما رأى هذا الحافظ ابن الصلاح أن بعض طلبة العلم يقولون: أن حافظ ابن الصلاح معناه أخطأ، لأنه ما فرق بين الشاذ والمنكر. وليس كذلك، الحافظ ابن الصلاح استقرأ كلام العلماء القدماء، فلم يرى تفريقا بينهم في مسألة الشاذ والمنكر، وإنما فقط من باب الاصطلاح، هذا يطلق شاذ، وهذا يطلق منكر. فلهذا رأى أنهما واحد، أنهما واحدا. قال: لكن هناك أشياء أيضا يطلق عليها منكرات، وهي مثلا رواية تفرد الضعيف، ولا يطلق عليها شاذ. يطلق عليها منكر، ولا يطلق عليها شاذ. لكن كما قلنا: أكثر ما يطلق على الشاذ، فهو يطلق عليه منكرا. كذلك قوله: أما من فرض بهم من لا يحتمل حاله قبول تفرده، معناه أنه ليس بثقة. وهذا أيضا قد يطلق عليه الشاذ، تفرد تفرد الضعيف، أقصد تفرد من لا يحتمل تفرده، فيطلق عليه شاذ. مثل مثلا بعض الرواة الذين يكون في رواياتهم منكرات، فإذا تفرد بالرواية لا يقبل، لا يقبله العلماء. مثل مثلا شهر بن حوشب، مثل ابن سحاق، في كلام الذهبي وغيره. مثل كذلك أيضا العلاء بن عبد الرحمن، إذا تفرد، فإن بعض العلم يجعلهم من منكرات. كذلك سماك بن حرب، بعضهم يجعل حديثه إذا تفرد يعتبر من الشاذ أو المنكر. وهكذا كثير من هؤلاء الذين إذا تفردوا، غالبا أنهم لا يحتملون التفرد، يعني يخطئون. فتفردهم غالبا على خطأ، ليس أنهم يحفظون أكثر من غيرهم، ليس أنهم يحفظون أكثر من غيرهم. قال: وأيضا رواية محمد بن عمر بن علقمة، أحيانا يتفرد عن أبي سلمة بأحاديث. أحيانا تجد الحديث كله مغير، أن الحديث مثلا يرويه عن أبي هريرة جماعة، فيأتي من طريق محمد بن عمر بن علقمة على خلاف ما رواه الناس، فيه زيادات، فيه أيضا معنى آخر. فهذا ممكن أن يكون من تفرداته، يمكن يكون من تفرداته، معنى من أوهامه. وإلا الأصل أن حديثه مقبول. قال: وأما مسألة الشاذ، كيف يعرف الشاذ؟ إذا قلنا أن الشاذ مخالفة المقبول لمن هو أولى منه، فيرجع إلى الترجيح، كما هو قول عامة أهل العلم، أهل الحديث يرجع إلى الترجيح. لكن هذا الترجيح هل له قواعد معينة؟ الصحيح أنه ليست له قواعد معينة، إلا أنه يقال: غالبا الترجيح يكون بالعدد أو الحفظ، هذا غالبا. لكن قد يخرجون عن العدد وعن الحفظ إلى أمور أخرى، وقرائن تدل على أنه لا يوقف بالعدد. قال: مثلا على سبيل المثال، حديث عائشة رضي الله عنها في سجود التلاوة: اللهم سجد وجهي للذي خلقني، وشق سمعي وبصري. جاء هذا الحديث في صحيح مسلم على أنه ذكر من أذكار السجود في الصلاة، وجاء عند أحمد وأيضا الترمذي: أنه في سجود التلاوة. جاء من طريق خالد الحذاء، أبو المنازل، عن أبي العالية، عن عائشة رضي الله عنها. وهذا الحديث أو هذا الإسناد صحيح في ظاهره، وقد رواه بهذا الإسناد جماعة من أهل البصرة، وأهل الواسط، عن أهل العراق. رواه خالد بن عبد الله الطحان، ورواه أيضا عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي، ورواه خذبة بن خالد، كلهم رواه عن خالد بن الحذاء، عن أبي العالية، عن عائشة. وخالفهم بذلك إسماعيل بن عليا، وهو وحده خالفهم إسماعيل بن عليا، فقال: حدثني خالد بن منازل، عن أبي العالية، عن رجل، عن عائشة. الرجل عن عائشة، معنى: هناك رجل واسطة بين أبي العالية وبين عائشة. فذكر ذلك الإمام الدارقطني في العلل، وقال: الصحيح أو أشبه بالصحيح رواية إسماعيل بن عليا، أنه واحد. وأولئك خمسة من الحفاظ، وإسماعيل واحد، وهو حافظ. لكن رجح روايته لماذا؟ لأن هناك قرينة تدل على روايته، هناك قرينة تدل على أنه كان هو الصحيح، وهو قول الإمام أحمد: أن أبا العالية لم يسمع من عائشة، وإنما بينهما واسطة. فرجح الإمام الدارقطني هذا الأمر، لأجل أنه أتى بالنص الصريح والصحيح. قال: كذلك أيضا في الحفظ معنى، ذكر مثلا الإمام الخطيب ببعض كتبه، حديثة بموسى الأشعري: لا نكاحة إلا بولي أو شاهدي عدل. لا نكاحة إلا بولي، هذا الحديث رواه سفيان وشعبة، عن أبي سحاق السبيعي، عن بريد بن أبي بردة، عن أبي بردة، عن أبي موسى. فرواه سفيان وشعبة عن بريد عن النبي عليه الصلاة والسلام، ولم يذكروا أبا بردة ولا أبا موسى. وذكر إسرائيل وزهير وزائدة، ذكروا أبا بردة عن أبي موسى عن النبي عليه الصلاة والسلام. سفيان وشعبة ذكره مرسلة، وذكروا هؤلاء الثلاثة موصولة. ورواية سفيان وشعبة لا شك أنها رواية من أحفظ من أحفظ الناس لحديث أبي سحاق. رواية سفيان وشعبة، ولا شك أنهم يفضلون على هؤلاء الثلاثة. بل أن الإمام أبو حاتم رحمه الله في حديث في صحيح مسلم، حديث عن نعمان بن بشير، أنه قال: قال النبي عليه الصلاة والسلام: كان يخطب الناس. وقال: أن النبي عليه الصلاة والسلام مات، ولم يملأ، ولم يملأ بطنه من التمر الدقل، أن التمر الرديء. فقال الإمام أبو حاتم، أو ابن أبي حاتم: قال اليحيى: قد رواه إسرائيل وزائدة وزهير، عن أبي سحاق، عن النعمان بن بشير. ورواه سفيان، عن أبي سحاق، عن النعمان بن بشير، قال: سمعت عمر بن الخطاب يخطب على المنبر. فقال أبو حاتم: رواية سفيان صحيحة. فقال له ابنه عبد الرحمن: قد خالفه يا أبي هؤلاء الثلاثة. قال: ولو خالفه مئة من مثل هؤلاء، أنا لو خالف سفيان مئة من مثل هؤلاء، لكانت رواية سفيان هي الصحيحة. والآن خالف سفيان أيضا فوقه شعبة، وشعبة حافظ كبير، كسفيان في الحفظ. لكن هناك قرائن دلت على أن رواية هؤلاء الثلاثة روايتهم موصولة، وروايتهم صحيحة. فلهذا رجح لئم جميعهم، حتى قال الإمام الترمذي رحمه الله: أجمع العلماء على أن الوصلة في هذا الحديث هو الصحيح، على أن الوصلة في هذا الحديث هو الصحيح. لماذا؟ لأن هناك قرائن دلت على ترجيح الوصل على الإرسال. من هذه القرائن: أن شعبة وسفيان كانا في مجلس واحد، وسأل سفيان أبا إسحاق، وكان سؤال سفيان لأبي إسحاق: أنه قال له: يا أبا إسحاق، حديث بريد بن أبي مريم، هل سمعته عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ حديث بريد بن أبي مريم، هل سمعته عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ فقال أبو إسحاق: نعم. هذا الآن الكلام موهم الإرسال، وموهم أنه أراد أراد حديث بريدة، هل سمعته من بريدة نفسه؟ لأن أبا إسحاق كان يدلس، وكان شعبة دائما يسأل أبا إسحاق. لكن أبا إسحاق إذا سأله شعبة، تضايق. فسأله سفيان، فسأله سفيان: هل سمعت هذا الحديث؟ قال: يا أبا إسحاق، سمعت هذا الحديث من بريدة عن النبي عليه الصلاة والسلام؟ أي بالإسناد المتصل. فقال: نعم. فدل على أن رواية سفيان وشعبة ليست أصلها مرسلة، وإنما أراد سفيان أن يسأله عن سماعه من بريدة. لهذه القرائن عرف العلماء أن هذه الرواية الصحيح أنها ليست مرسلة، بل تؤيدها بل تؤيد رواية الموصولة. فلهذا فقالوا: أن الموصول صحيح. قال: فلهذا كما يقولنا: فالعلة في الترجيح هو العدد أو الحفظ، لكن أحيانا يخرج بحسب القرائن التي عند العلماء، بحسب القرائن. فتجد أحيانا يختلفون في القرائن: هل هذه القرينة صحيحة أو ليست صحيحة؟ أو هل هذا التعليل صحيح أو ليس بصحيح؟ وحسب أيضا ما يورد عندهم من أخبار. مثلا في حديث الصلاة على النبي عليه الصلاة والسلام في الجمعة: من صلى علي يوم الجمعة، معناه هذا الحديث جاء من طريق بعض أهل الكوفة، أن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. فقال أبو حاتم: أن هذا الحديث مما أدخل على أهل الكوفة. لكن الدارقطني قال: هذا خطأ، ليس صحيحا. وإنما الذي روى أو غلط في عبد الرحمن بن يزيد بن جابر هو أبو أسامة. وأما غير أبي أسامة، فإنه لم يخطئ، بل كان يروي عن عبد الرحمن بن يزيد بن جابر الشامي. قال: المهم أن العلماء قد تجدهم يختلفون في بعض العلل، بسبب ما يورد عندهم من كلام في هذه العلة. وحيانا أيضا يختلفون في مسألة معنى التقدير: هل هذا خطأ أو ليس بخطأ؟ من هذا الحافظ، مثلا في حديث ابن عباس في قطع الصلاة: يقطع صلاة الرجل، إذا كان ليس معنى يقطع صلاة الرجل: المرأة والمرأة الحائض والكلب والحمار. فهذا الحديث جاء من حديث ابن عباس عند أبي داود وغيره، فرفعه شعبة، رفعه شعبة عن قتادة، عن أبي النظر، عن ابن عباس، أنه قال: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: كذا وكذا. قال أبو داود: أخطأ شعبة في رفعه، وأصاب سعيد وهشام. وقال أبو حاتم: أصاب شعبة، والصحيح ما قاله شعبة، أنه مرفوع. أنا أجد أنهم الآن اختلفوا في الترجيح. فأبو حاتم رجح رواية شعبة، وأما أبو داود فرجح أن الذي أخطأ هو شعبة. مع أن يحيى بن سعيد لما روى هذا الحديث، قال: وقال: فهم شعبة. وأنا أهاب شعبة. يحيى بن سعيد من تلاميذه. قال: أنا أهاب أن أخطئ شعبة في هذا. يعني هو يعرف أن هشام روى عن قتادة، فأوقف هذا الحديث عن ابن عباس. لكن يقول: أنا أهاب أن أخطئ شعبة. يحيى بن سعيد، وهو ذاك الجبل. فلهذا أبو حاتم قال: الصحيح كلام شعبة، وأنه مرفوع. وأما الدارقطني وغيره، قالوا: الصحيح فيه الرفع والوقف، معنى قد يكون هذا الحديث رفعه ابن عباس، وأوقفه. وهذا غالبا يكون من باب عدم الترجيح، معنى ما يستطيع العالم أن يرجح بين الروايتين، فيرى أن كليهما صحيح. قال: مثلنا أيضا حديث أبي بكر في خطبة النبي عليه الصلاة والسلام، أنه خطب، قال: العام. وقال: أنه قال: سلوا الله العافية. فإن العبد ما أعطي شيء خير وأحب إليه أو بعد اليقين خير من العافية. فهذا الحديث رواه إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي بكر الصديق. لكن إسماعيل أكثر الرواة الذين رواه عن إسماعيل بن أبي خالد، رواه مرفوعا إلى النبي عليه الصلاة والسلام: أن هذا سلوا الله العافية من كلام النبي عليه الصلاة والسلام. وأكثر من رواه عن قيس بن أبي حازم، قرابة خمسة أو ستة، رواه عن قيس بن أبي حازم على أن الذي قال هذا أبو بكر، لم يرفعه إلى النبي عليه الصلاة والسلام، وإنما فقط رفعوا أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب في مثل هذا اليوم. قال: فقال الإمام أبو الزرعة رحمه الله: يقول أن إسماعيل بن أبي خالد هو الذي أخطأ، فأحيانا يرفعه، وأحيانا يوقفه. لأن كثير من أصحابه رواه عنه موقوفا، وأكثر من رواه عن قيس مرفوعا. أما الإمام الدارقطني، فلم يخطئ إسماعيل بن أبي خالد، وإنما جعل الاضطراب من قيس. قال: والظاهر أن قيس كان يرفعه أحيانا، ويقفه أحيانا. يعني يقول الظاهر الإمام الدارقطني: يقول الظاهر أن قيس كان يرفعه أحيانا، ويقفه أحيانا. لماذا؟ ما أراد أن يخطئ إسماعيل بن أبي خالد. ما أراد أن يخطئ إسماعيل بن أبي خالد، لأنه كان متثبتا. فلهذا رجع إلى قيس. وأما الإمام أبو الزرعة، قال: أخطأ فيه الظاهر، قال: أنه من إسماعيل، هو الذي أخطأ في رفعه. فلهذا كما قلنا: اجتهادات العلماء تختلف في هذه الأبواب. قال: والعلل أطلنا في هذا. قال المنكر: وهم انفرد الراوي الضعيف به. وقد يعد تفرد الصدوق منكرا. والكلام أيضا قد تقدم في الكلام عن المنكر والشاذ، والكلام واحد. لكن كما قلنا: من ناحية التفريق عند الحافظ. وكذلك هنا الذهبي رحمه الله يرون أن الشاذ مخالفة الثقة لمن هو أولى منه، والضعيف مخالفة أو المنكر مخالفة الضعيف للثقة، يعتبر منكرا، أو لمن هو أولى منه. وهنا قاله: قد يعد تفرد الصدوق منكرا، هذا إذا لم يحتمل تفرده. أنا دائما يتفرد بأشياء منكرة. قال: الغريب: وهو ضد المشهور، معنى ضد المشهور. والعزيز معنى ينحى منحاه. الغريب ما تفرد به واحد، والعزيز ما تفرد به اثنان، والمشهور ما رواه الثلاثة فما فوقه. قال: فتارة ترجع غرابته إلى المتن، وتارة إلى السند. أما إذا كان إلى المتن، فهذا لا يعرفه إلا أئمة هذا العلم، ينكرون ويستغربون رواية المتن، إلا إذا كان فيه مجرد شيء يدل على نكارته وغرابته، أن يكون فيه مخالفة واضحة. وتارة إلى السند. ولم يعرفه هنا. وعرف المؤلف هنا الغريب النسبي، ولم يعرف الغريب المطلق. والذي مشى عليه الحافظ وغيره: أن الغريب هو من فرد به راو واحد، أنه ليس في جميع الطبقات، وإنما ولو في طبقة واحدة. فإذا كان في جميع الطبقات سمي فردا غريبا. وإذا كان في طبقة واحدة يسمى غريبا. وهذا الغريب المطلق، يعني ينقسم الغريب إلى قسمين: غريب مطلق، وغريب نسبي. قال: فالغريب المطلق إذا تفرد به رجل واحد سمي الحديث غريبا. وإذا كان أكثر من واحد يسمى عزيزا. وإذا كان ثلاثة فما فوق يسمى مشهورا. وجاء عن ابن منده أنه إذا كان ثلاثة يسمى عزيزا، وإذا كان أكثر يسمى مشهورا. وهذا الذي ذكره صاحب البيقونية. لكن المشهور عند العلماء: أن الغريب ما رواه واحد في أقل طبقة. وأيضا العزيز ما رواه اثنان، والمشهور ما رواه ثلاثة فما فوق، ما لم يبلغ حد التواتر. قال: فالغريب صادق على ما صح وعلى ما لم يصح، معناه ذكر الغرابة لا يدل على ضعف الحديث. أنا إذا قيل أن الحديث غريب، ليس معناه أنه ضعيف، إلا عند الإمام الترمذي. عند الإمام الترمذي إذا قال: غريب، فالمراد به ضعيف. وكذلك تبعه الحافظ ابن كثير، ابن كثير في كتبه إذا قال: غريبا، معناه أنه ضعيف. وإلا عند العلماء الغريب ليس ضعيفا، وإنما هو معناه كأنه عليه استفهام، معناه ما يقول الغريب إلا لأنه عليه استفهام، لكن ليس أنه ضعيفا، بل غريب ممكن أن يكون صحيح، ممكن أن يكون ضعيف. قال: والتفرد يكون لمن فرد به الراوي، سنادا أو متنا. معناه الآن يريد أن يفرق بين الغريب والتفرد، لكن لا فرق، إلا أن التفرد يكون رواية واحد عن واحد، والغريب أن يكون أقل طبقة فيه واحد. إذا كان طبقة واحدة فيه واحد أو اثنين، يعتبر غريب. إذا كان كل الطبقات فيها من واحد، يعتبر فردا. وهناك أيضا غريب يسمى الغريب النسبي. الغريب النسبي، وهذا إذا كان إلى الإمام، إلى إمام الأئمة، كمالك، وشعبة، وسفيان وغيرهم، التفرد معناه التفرد بحديثهم، يسمى غريب نسبي. مثلا حديث يروى عن ثابت، فيرويه بعضهم عن قتادة، فيقولون: ما رواه أو تفرد به فلان عن قتادة. أنا هذا يعتبر من الغريب. أنا الحديث يكون مشهور عن فلان عن تابعي مثلا، أو عن رجل من أهل الحديث، فيأتيه برجل ويأتي به عن فلان. مثلا حديث مشهور عن شعبة، فيرويه الرجل عن سفيان الثوري، هذا يعتبر غريب عندهم، هذا يعتبر غريب أيضا. قال: كذلك عند أهل العلل أيضا هناك طريقة أيضا يسمونه غريب. مثلا أن يكون الزهري حافظ كبير، وله أصحاب طبقات، أصحابه عنده حفاظ. أصحاب الزهري عندهم دون الحفاظ الذين هم حفاظ، لكنهم لم يكونوا مثلا ملازمين له. فهم لا يعرفون حديثه كثيرا. مثلا كالأوزاعي، كالليث بن سعد أيضا كذلك. هؤلاء رووا عن الزهري، لكن روايتهم عن الزهري قليلة جدا. وأيضا كذلك هم ليسوا مثل الحفاظ الذين كانوا يلازمونه، كمالك وسفيان بن عينة ومعمر ويونس وشعيب ويحيى وغيرهم من هؤلاء الذين كانوا أقرب الناس إلى الزهري وألزمهم له. لكن تجد أيضا هناك طبقة يسمى طبقة الشيوخ. طبقة الشيوخ، فهؤلاء الشيوخ لهم ليسوا حفاظا، أنا ليسوا من حفاظ الحديث الكبار، لكن لهم حديث. مثل مثلا شيبان بن عبد الرحمن، مثل أبان بن عطار، أبان العطار وغيرهم في روايته مثلا عن قتادة أو عن يحيى بن أبي كثير. فهؤلاء يسمونه الشيوخ. فهؤلاء الذين قصدهم العلماء في الغريب، إذا جاء إذا تفرد أحد هؤلاء بحديث عن ذلك الإمام، ولم يروه إلا هذا الرجل، فهذا يسمونه العلماء غريب. يسمونه غريب عن فلان. لماذا؟ قالوا: لأن هذا الحديث أو هذا الإمام أصحابه كثير، والملازمين له كثير. فلماذا هذا الحديث رواه إلا فلان؟ وهو بعيد عنه، أو ليس هو من حفاظ أصحابه. ويأتي بحديث، معناه من الحديث المتداولة عند الناس، التي يحتاجها الناس. فلهذا فيسمونه غريبا، معناه غريب نسبي، وإن كان هذا الحديث نفسه مروي ومشهور من طريق أخرى. قال: كما يقال: لم يرويه عن سفيان إلا ابن مهدي، ولم يرويه عن ابن جريج إلا ابن المبارك. أنا تفرد به، وإنما الناس يروونه عن غيرهم. قال: الحديث المسلسل: قال: ما كان سنده على صفة واحدة في طبقاته. كما سلسل بسمعته، أو كما سلسل بالأولية إلى سفيان. أنا الآن يريد أنه الإمام الذهبي. سرعة يذكر الواقع، والعلم النظري الذي بين العلماء. لكن المسلسل ما هو؟ المسلسل هو تتابع الرواة على صفة أو حالة للراوي، على صفة في الرواية أو في الرواية أو حالة للراوي أو هيئة يتتابعون عليها. ومن ذلك الصيغة: كلهم يقول: سمعت فلان، سمعت فلان، سمعت فلان. أو قال: كما سلسل بالأولية إلى سفيان. المسلسل بالأولية، ومعروف. المسلسل بالأولية هو حديث عبد الله بن عمر. أنا رواه سفيان بن عينة، عن عمر بن دينار، عن نبي قابوس، مولى عبد الله بن عمر. أنا عبد الله بن عمر: الراحمون يرحمهم الرحمن، يرحم من في الأرض، يرحمكم من في السماء. أنا قيل له: أنه بالأولية، لأن كل واحد يقول: أول ما سمعت كذا. عبد الله بن عمر يقول: أول ما سمعت النبي عليه الصلاة والسلام سمعته يقول: الراحمون يرحمهم الرحمن، يرحم من في الأرض، يرحمكم من في السماء. وقال قابوس مولى عبد الله بن عمر: أول ما سمعته عبد الله بن عمر يقول هذا الحديث. ويقول عمر بن دينار: أول ما سمعته قابوس يقول هذا الحديث. ويقول سفيان بن عينة: أول ما سمعته عمر يقول هذا الحديث. أن هذا سمي المسلسل بالأولية. والصحيح أنه إلى سفيان بن عينة، ما بعد سفيان بن عينة ليس مسلسل صحيح. لكن تجد إلى الآن الناس يرويه على أنه مسلسل. أنا إلى الآن بعضهم يروي هذا الحديث بالإسناد إلى سفيان بن عينة، ويقول: هذا مسلسل بالأولية. كل واحد يقول: أول ما سمعت شيخ فلان يقول كذا وكذا. لأن بعض المتأخرين كانوا إذا جاءهم الطلاب الجدد، أول ما يسمعهم هذا الحديث، أول ما يسمعهم هذا الحديث، حتى يأخذون إجازة بالتسلسل، يأخذون إجازة بالتسلسل. وقد ألف فيه ابن ناصر الدين جزءا. قال: وأما المسلسلات، فقال: عامة المسلسلات واهية، وأكثرها باطلة، لكذب رواتها. معنا تجد حديث صحيح، مثلا حديث معاذ: يا معاذ، إني أحبك في الله، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعنتي على ذكرك. هذا الحديث فيه: وشبك بين أصابعه. أو أقصد لا قوله: إني أحبك في الله. فكل من روى هذا الحديث يقول: إني أحبك في الله، يقول لتلميذه. لكن هذه الرواية المسلسلة لم تصح. قال: وأقوى المسلسلات: قال: بقراءة سورة الصف. وهذا حديث عبد الله بن السلام، أخرجه الإمام الترمذي، عن الدارمي، عن محمد بن كثير العبدي، يعني الزداعي، عن يحيى بن كثير، عن أبي سلمة، عن عبد الله بن سلام. وقال: قعدنا في نفر من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم، فتذكرنا، فقلنا: لو نعلم أي الأعمال أحب إلى الله لعملناه. فأنزل الله تعالى: ﴿سَبِّحْ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾، عن سورة الصف كلها. قال عبد الله بن سلام: فقرأها علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال أبو سلمة: فقرأها علينا ابن سلام. وقال يحيى بن أبي كثير: فقرأها علينا أبو سلمة. وقال ابن كثير: فقرأها علينا الأوزاعي. قال عبد الله: فقرأها علينا ابن كثير، أي عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي. فهذا أيضا من المسلسلات الصحيحة. بل يقول للحافظ: كما قال: أنه أصح مسلسل يروى في الدنيا. أصح مسلسل يروى في الدنيا: مسلسل القراءة بالصف. وكذلك أيضا المسلسل بالأولية إلى سفيان بن عينة. قال: وكذلك أيضا المسلسل بالمصريين، قالوا: المسلسل بالمصريين حديث. ومنها حديث أو المسلسل بالدمشقيين: حديث: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما. هذا رواه أهل دمشق. رواه يزيد بن ربيعة، عن معاوية بن صالح، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي ذر رضي الله عنه: يا عبادي إني حرمت الظلم على نفسي، ورأيته، وجعلته بينكم محرما، فلا تظالموا. والمسلسل بالمصريين، والمسلسل أيضا كذلك بالبصريين. مثلا المسلسل بالبصريين: حديث أبي سعيد. رواه أبو داود وغيره: أمرنا أن نقرأ تحت الكتاب، وما تيسر. والمسلسل بالمحمديين إلى ابن الشهاب. وهذه كلها. وهذا المسلسل بالمصريين يسمى حديث البطاقة. وحديث المسلسل بمعنى المحمديين إلى ابن الشهاب، هو حديث أم سلمة في حديث الجارية التي سحرتها، أو سحرت. وقال لها النبي صلى الله عليه وسلم: استرقوا لها، فإن بها النظرة. أن جارية في وجهها سفعة، أن السواد.