شرح فتح المجيد 36

الدرس في شرح فتح المجيد 36، ألقاها

شرح كلام ابن القيم حول الأسباب والمسببات

يناقش شرح كلام العلامة ابن القيم حول إثبات الأسباب والمسببات في الأحاديث النبوية، ويبين أن العمل بالأسباب لا ينافي التوكل. يشرح أنواع الأسباب الشرعية والقدرية وشرط تأثيرها.

أهمية الأخذ بالأسباب وعلاقتها بالتوكل

يشرح أهمية الأخذ بالأسباب وعلاقتها بالتوكل، موضحا أن تعطيل الأسباب يقدح في التوكل وفي الحكمة الشرعية. التوكل الحقيقي يجمع بين مباشرة الأسباب والاعتماد على الله تعالى.

مناقب عكاشة بن محصن وطليحة الأسدي وتوضيح مواقفهما

يتناول مناقب الصحابي عكاشة بن محصن ومقتله على يد طليحة الأسدي الذي ارتد ثم عاد للإسلام. يبرز المقطع موقف عمر بن الخطاب من طليحة بعد إسلامه واعتذاره.

شرح حديث السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب

يشرح حديث النبي حول السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب، ويتناول سبب منع النبي من تكثيرهم. يوضح أن لهم مزية خاصة وقد يكون غيرهم أفضل في الجنة.

التفريغ النصي الكامل

قال الشارح رحمه الله تعالى: وقال المنذري رحمه الله تعالى: فقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات. قال: و«صار طول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا يناف التوكل». بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. ثم أما بعد، فقبل التعليق على كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، ننبه بتنبيه وهو أن حديث أبي هريرة الذي مر معنا في الدرس الماضي، وهو قوله: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، ذكر الشيخ رحمه الله تعالى أنه في الصحيحين، والصواب أن هذا الحديث في صحيح البخاري فقط، رواه البخاري بهذا اللفظ: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، ورواه مسلم، لكن من حديث جابر، ورواه مسلم، لكن من حديث جابر ابن عبد الله رضي الله عنهما، أي: ليس متفقا عليه، ليس في الصحيحين من حديث أبي هريرة، هذا أمر. وأمر آخر، قوله: «علمه من علمه وجهله من جهله»، ليست هذه اللفظة في الصحيحين، وإنما رواها الإمام أحمد والحميدي وابن حبان والحاكم وغيرهم رحمهم الله تعالى بإسناد صحيح. فالحديث بتمامه عند أحمد وغيره. وأما البخاري فرواه بلفظ: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، إلى هنا. فعندنا ها هنا أنه في نسخة زيادة: «علمه من علمه وجهله من جهله»، فإذا كان هذا في نسخة، فالنسخ الأخرى هي الأضبط التي لم تذكر هذه الزيادة. مع التنبيه السابق أن الحديث في البخاري من حديث أبي هريرة، وفي مسلم من حديث جابر، وليس في الصحيحين من حديث أبي هريرة. طيب، هذا أمر، وننتقل إلى التعليق على كلام العلامة ابن القيم رحمه الله. ذكر الشارح رحمه الله تعالى ها هنا كلام ابن القيم رحمه الله في كلامه وتعليقه على أحاديث الكتاب، فقال: «وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات»، النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «ما أنزل الله من داء إلا أنزل له شفاء»، وفي الحديث الآخر: «تداووا عباد الله، فإن الله عز وجل لم يضع داء إلا وضع له شفاء». فكما قال العلامة ابن القيم رحمه الله: هذه الأحاديث فيها إثبات الأسباب والمسببات، فالأسباب الأدوية أسباب للشفاء، وهذه الأسباب قد أقرها الشرع وأثبتها الشرع. فكما قال رحمه الله تعالى: «تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات»، أي: الناتجة عن تلك الأسباب. فمن أسباب الشفاء تعاطي الدواء، ولا منافاة بين ذلك وبين التوكل، الله عز وجل هو الذي أمر بالتوكل، وهو الذي أوحى إلى نبيه صلى الله عليه وسلم بأن قال له: «تداووا»، أمره أن يقول لأصحابه: «تداووا عباد الله، فإن الله ما أنزل داء إلا وأنزل له شفاء». وقال النبي صلى الله عليه وسلم بالحث على الرقية والحث على التداوي والحث على العمل بالأسباب، فإذا التوكل لا ينافي الأسباب، التوكل لا ينافي الأسباب، بل العمل بالأسباب داخل في حقيقة التوكل كما سيأتي بيانه بإذن الله عز وجل. وقوله رحمه الله تعالى: «وإبطال قول من أنكرها»، أي: من أنكر الأسباب، من نفاة الأسباب، الذين يقولون: إن الأسباب ليست لها أثر في شيء، فسواء باشر الإنسان الأسباب أم لم يباشر الأسباب، الأسباب تحصيل حاصل، وهذا مذهب نفاة الأسباب من الجبرية ونحوهم، الذين يقولون: إن العبد كالشجرة في مهب الريح، فلا يباشرون شيئا، وهذا كما سيأتي معنى أنه خلل في العقل كما أنه خلل في الشرع. وقوله أيضا: «والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل»، وفي هذا أيضا رد على طوائف من الصوفية ونحوهم، الذين يعتقدون جهلا أن القيام بالأسباب والعمل بالأسباب أنه ينافي التوكل، ينافي التوكل، فتركوا العمل بالأسباب، وبتركهم ذلك للعمل بالأسباب طعنوا في الشرع، شعروا أم لم يشعروا. وكما سيأتي من كلام العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى ما يبين هذا. قال رحمه الله: «وقد تضمنت هذه الأحاديث إثبات الأسباب والمسببات وإبطال قول من أنكرها والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل»، كما لا ينافيه دفع ألم الجوع والعطش والحر والبرد بأضدادها. وهذا أيضا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى يقول: «والأمر بالتداوي وأنه لا ينافي التوكل»، قال: كحال الإنسان إذا جاع الإنسان، ماذا يصنع؟ يباشر عمل ماذا؟ الأسباب لأجل الأكل، لأجل أن يحصل طعاما، إذا عطش، مباشرة بفطرته باشر الأسباب المعينة على ماذا؟ على الري وإذهاب ذلك العطش، وهذه أمور فطرية. وكما قيل: فطرية عقلية شرعية، فهي حسية بالحس وبالفطرة، وكذلك العقل الصحيح والشرع الصريح دل عليها. قال: «والحر والبرد بأضدادها»، بل لا تتم حقيقة التوحيد إلا بمباشرة الأسباب التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا. طيب، قوله: «قدرا وشرعا»، في إشارة إلى أن الأسباب المشروعة على قسمين: أن الأسباب المشروعة على قسمين: أسباب شرعية وأسباب قدرية. فالأسباب الشرعية هي التي جاء في الشرع ما يدل على أنها أسباب، ما جاء في الشرع على أنها أسباب، مثل الرقية والتعوذات وما شابه ذلك، قد ثبت بالشرع أنها أسباب لدفع أمور بإذن الله عز وجل. والأسباب القدرية هي التي ثبتت بالقدر، أي: ثبتت تجربة، ثبت بالتجربة أنها نافعة بإذن الله عز وجل، وهذا كحال كثير من العقاقير ونحوها التي تستخدم لأجل دفع ما حصل أو رفعه. كما أن الدرع الذي يلبسه المقاتل سببا لوقايته من الضربات، هذا من الأسباب القدرية، وكذلك ما يقوم به الإنسان من اللباس مثلا لأجل الاستدفاء من البرد، هذه كذلك، وهكذا قل في بقية الأشياء التي جعلت سببا قدرا أو جعلت سببا شرعا. فقوله رحمه الله تعالى: «التي نصبها الله تعالى مقتضية لمسبباتها قدرا وشرعا»، يدل على ما تقدم من أن الأسباب على قسمين: شرعية وأسباب قدرية. وقد ذكى العلماء رحمهم الله تعالى في هذا المقام، أي: في مقام الأسباب ومتى تكون الأسباب نافعة، ذكى العلماء رحمهم الله تعالى أن الأسباب لا بد أن تتوفر فيها ثلاثة أمور: الأسباب حتى تكون أسبابا شرعية وأسبابا مأذونا فيها، لا بد أن يتوفر فيها ثلاثة أمور. الأول هو ما تقدم من أنها لا بد أن تكون أسبابا شرعية أو قدرية. ثانيا: أن يعلم الإنسان أن هذه الأسباب لا تأثير لها بذاتها، وإنما هي أسباب جعلها الله عز وجل أسبابا، والله عز وجل هو الذي بيده كل شيء. فهي ليست مؤثرة بذاتها. الأمر الثالث: أن هذه الأسباب ربما تتخلف، إن شاء الله عز وجل تخلفها، إما بأن يسلب الله عز وجل عنها السببية أو أن يجعل لها معارضا يمنعها من التأثير أو ما شابه ذلك، والله على كل شيء قدير. فالنار بطبعها محرقة، ومع هذا سلبها الله عز وجل حرارتها حينما ألقي إبراهيم عليه السلام في النار. ووضح هذا جميع العقلاء. فهذه أسباب ثلاثة في مقام الأسباب التي يذكرها العلماء رحمهم الله تعالى، أي: تكون أسبابا معتبرة وتكون أسبابا مشروعة إذا توفر في العمل بالعمل بتلك الأسباب هذه الشروط الثلاثة. قال: «وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل كما يقدح في الأمر والحكمة». طيب، قوله رحمه الله تعالى: «وأن تعطيلها يقدح في نفس التوكل»، أي: تعطيل الأسباب يقدح في التوكل، لماذا يقدح في التوكل؟ يقدح في التوكل لأن من التوكل العمل بالأسباب، وأيضا التوكل نفسه سبب من الأسباب، التوكل كذلك نفسه سبب من الأسباب، كما مر معنا في الدرس الماضي في قول الله جل وعلا: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلۡ عَلَى ٱللَّهِ فَهُوَ حَسۡبُهُۥٓ﴾، فالتوكل نفسه سبب من الأسباب العظيمة المعنوية، وهي عبادة عظيمة. وأيضا كما ذكرنا: داخل في حقيقة التوكل مباشرة الأسباب، كما مر معنا في الدرس الماضي أيضا تعريف التوكل وحقيقة التوكل ما هو، وأنه لا بد من مباشرة الأسباب في التوكل. وقوله رحمه الله تعالى: «كما يقدح في الأمر والحكمة»، في الأمر أي: في الأمر الشرعي، وأيضا في الحكمة، أي: في الحكمة التي جعلها الله عز وجل في شرعه وقدره. فالله عز وجل ما عمل الأعمال هكذا عبثا، وإنما خلق ما خلق وأمر بما أمر لحكم عظيمة جليلة، علمها من علمها وجهلها من جهلها. فمن ترك مزاولة الأسباب، ترك الحكمة أو قدح في الحكمة، وكذلك قدح في الأمر الذي أمر الله عز وجل به. فمثلا الله عز وجل قال: ﴿وَأَعِدُّوا۟ لَهُم مَّا ٱسۡتَطَعۡتُم مِّن قُوَّةࣲ وَمِن رِّبَاطِ ٱلۡخَیۡلِ تُرۡهِبُونَ بِهِۦ عَدُوَّ ٱللَّهِ وَعَدُوَّكُم﴾، من قال: سأذهب أقاتل الكفار والمشركين ولن أعد العدة ولن أفعل شيئا من أمور الحرب، سأخرج مجردا متوكل على الله عز وجل وسينصرني الله عز وجل، هذا يكون فاعل لماذا؟ كما قال الشيخ رحمه الله تعالى: هذا يقدح في نفس التوكل. قال: «ويضعف من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل»، كما يقدح في الأمر والحكمة، وكذلك قال: «ويضعفه»، يضعف ماذا؟ يضعف الأمر، ويضعف كذلك ماذا؟ الحكمة التي لأجلها أمر الله عز وجل بما أمر من الأوامر، والله عز وجل حكيم خبير عليم سبحانه وتعالى. فلا يعمل شيئا إلا لحكمة عظيمة جليلة. قال: «من حيث يظن معطلها أن تركها أقوى في التوكل»، فإن تركها عجز ينافي التوكل الذي حقيقته اعتماد القلب على الله تعالى في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه ودفع ما يضره في دينه ودنياه، ولا بد مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلا كان معطلا للحكمة والشرع، فلا يجعل العبد عجزه توكلا، ولا توكله عجزا. قال ابن القيم رحمه الله تعالى كما في مدارج السالكين في المجلد الثالث صفحة 99 و400 فما بعد: «قال بعض أهل العلم: الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد، ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل، والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع». وهذا تلخيص للكلام السابق، تلخيص مع بيان وشرح. قال رحمه الله تعالى: «ومحو الأسباب أن تكون أسبابا تغيير في وجه العقل»، رجل يخرج إلى الأعداء بدون سلاح ولا شيء، يقول: سأقاتلهم، سينصرني الله عز وجل، هذا عاقل؟ هذا ما يفعله عاقل. فكما ذكر رحمه الله: هذا قدح في العقل، وأيضا في الحس، وكذلك في الفطرة، الفطرة السليمة تأبى هذا، والحس كذلك المشاهد يأبى هذا، والعقل السليم كذلك يأبى هذا. وهذا كذلك فيه إشارة إلى ما تقدم من أن التوكل مداره على معنى يتلاءم من ثلاثة أمور: الشرع والعقل والتوحيد. قال رحمه الله تعالى: «فإن أعرض عنها بالكلية»، الإعراض عن الأسباب بالكلية، قال: «كان ذلك قدحا في الشرع»، وإبطالا له. وحقيقة التوكل قاله: إبطال له، لماذا؟ إبطال له لأن الله عز وجل رتب المسببات على أسبابها، الله عز وجل رتب المسببات على أسبابها، فقد جعل ربنا عز وجل كل شيء ماذا؟ سببا. فالإنسان إذا أراد الصلاة، عليه أن يتوضأ، وإذا أراد الوضوء، عليه أن يذهب ينظر في الماء، فهذا كل طلب لأسباب. فترك هذه الأسباب قدح في الشرع، كذلك في بقية الأبواب كذلك في بقية الأبواب من أبواب الشرع. فالله عز وجل رتب المسببات على أسبابها، وجعل لكل شيء سببا، وجعل ارتباطا وثيقا بين الأسباب وبين مسبباتها، والله على كل شيء قدير. قال العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى: «وحقيقة التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب»، هذا هو التوكل. التوكل ما هو؟ قال: «وحقيقة التوكل القيام بالأسباب والاعتماد بالقلب على المسبب»، قاله: اعتقاده أنها بيده، فإن شاء منع اقتضاءها، وإن شاء جعلها مقتضية لضد أحكامها، وإن شاء أقام لها موانع وصوارف تعارض اقتضاءها وتدفعه. قال رحمه الله: وقد اختلف العلماء بالتداوي: هل هو مباح وتركه أفضل، أو مستحب، أو واجب؟ فالمشهور عن أحمد الأول، لهذا الحديث وما في معناه، هو المشهور عند الشافعي الثاني، عند الشافعية. قال النووي في شرح مسلم: أنه مذهبهم ومذهب جمهور السلف وعامة الخلف، واختاره الوزير أبو المظفر. قال: ومذهب أبي حنيفة أنه مؤكد حتى يداني بالوجوب. قال: ومذهب مالك أنه يستوي فعله وتركه، فإنه قال: لا بأس بالتداوي ولا بأس بتركه. وقال شيخ الإسلام: ليس بواجب عند جماهير الأئمة، وإنما أوجبه طائفة قليلة من أصحاب الشافعي وأحمد. والخلاصة فيه تقدم الكلام عليها، وهو أن التداوي يكون بحسبه، والأصل فيه الأصل في التداوي أنه مباح، ثم قد يكون واجبا، وهذا إذا تحقق في ذلك الدواء أنه قد جرب وانتفع به، أو تحقق المريض الهلاك إن لم يستخدم ذلك العلاج. فبعض أهل العلم يقول: في مثل هذه الصورة أنه واجب عليه أن يتعاطى الدواء. وقد يكون مستحبا، وهذا إذا لم يتحقق الهلاك، وعلم أن ذلك الدواء بإذن الله عز وجل قد نفع، وكذلك ترتب على تعاطيه الدواء القيام بأموره الدينية والدنيوية. فالأولى الترك إذا كان الدواء محتملا، وإن كان الدواء محرما أو كان فيه مخاطرة على النفس، فبعض أهل العلم ذهب إلى أنه قد يصل إلى التحريم. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تداووا عباد الله، ولا تداووا بمحرم». وقال: «إن الله لم يجعل شفاء أمتي فيما حرم عليها». فقام عكاشة بن محصن، وبضم العين وتشديد الكاف، يقال: عكاشة ويقال عكاشة، هذا وهذا، وتشديد الكاف أشهر. ومحصن: بكسر الميم وسكون الحاء وفتح الصاد المهملتين، ابن حرثان، بضم المهملة وسكون الراء بعدها مثلثة، الأسدي، من بني أسد، كان من السابقين إلى الإسلام، ومن أجمل الرجال، هاجر وشهد بدرا وقاتل فيها واستشهد في قتال الردة مع خالد بن الوليد، بيد طليحة الأسدي، سنة 12، ثم أسلم طليحة بعد ذلك وجاهد الفرس يوم القادسية مع سعد بن أبي وقاص واستشهد في وقعة الجسر المشهورة. هذه جملة مختصرة لعكاشة بن محصن رضي الله عنه وأرضاه، الصحابي الجليل، وهو ممن بشره النبي صلى الله عليه وسلم بالجنة، بل بشره النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الحديث أنه من السبعين ألفا الذين يدخلون الجنة من غير حساب ولا عذاب. وكما جاء في بعض الألفاظ: أنه قال: «يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم»، قال: «اللهم اجعله منهم». وفي رواية: أنه قال: «يا رسول الله، أنا منهم»، قال: «أنت منهم». فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم أنه يدخل الجنة بغير حساب ولا عذاب. وأيضا من مناقبه رضي الله عنه وأرضاه: أنه كان من المهاجرين، وكذلك ممن شهد بدرا. وقد قال الله عز وجل في الحديث القدسي لأهل بدر: «اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». فهذا يدل على أن هذا الصحابي رضي الله عنه وأرضاه من المقامات العظيمة والشريفة ما جعلته في هذا المقام أن يكون في السبعين ألفا. وقد ذكر العلماء رحمهم الله تعالى: أنه في وقعة بدر شهد منهم شجاعة وإقدام وثبات، حتى أنه انكسر سيفه، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم -يقال: إنه أعطاه عودا أو ما شابه ذلك- ثم صار هذا كالسيف، فجعل يقاتل فيه يوم بدر، حتى نصر الله عز وجل أهل طاعته على أعدائه. ثم اجتهد على هذه الحال رضي الله عنه وأرضاه حتى كانت حرب الردة، حتى كانت حرب الردة في زمن أبي بكر بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم، بعد أن ارتد من ارتد، فأرسله أبو بكر الصديق في جيش مع خالد بن الوليد إلى طليحة الأسدي، وأرسله خالد بن الوليد هو وآخر طليعة، طليعة إلى طليحة، فلقيهم طليحة وكان قد ارتد بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم هو وأخوه سلم، فقتلاهما، قتل عكاشة وقتل آخر أيضا رجلا بدريا من الأنصار يقال له: أقرم أو ابن أرقم، أبو ابن أرقم، فقتلاهما، ثم انطلق طليحة وهرب إلى الشام. ثم بعد موت أبي بكر رضي الله عنه وأرضاه، وفي خلافة عمر أسلم وحسن إسلامه، فرجع وحج، ولقيه عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه وهو محرم، وهو محرم، فلما رآه عمر قال: «إني لا أحبك». قال: «وما ذاك يا أمير المؤمنين؟» قال له: «قتلت رجلين صالحين»، قتل عكاشة بن محصن وذكر الآخر الأنصاري. فقال طليحة معتذرا لأمير المؤمنين: «يا أمير المؤمنين، الحمد لله الذي أكرمهما الله عز وجل بيده ولم يهن بهما بيده»، أي: أنهما ماتا على الشهداء، ماتا على الشهادة، ولم يكونا قتلا فيموت على الكفر. والحاصل أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب قال: «لا أحب أن أراك»، فأرسله إلى سعد بن أبي وقاص، وقال: «استشره في الحرب ولا توليه على إمرة»، ولا توليه على إمرة. وهذا كان حال عمر رضي الله عنه وأرضاه، كل من ارتد ثم رجع بعد ذلك لم يؤمره عمر من باب الحزم، ولكن قال: «استشره في الحرب»، لأن طليحة كان سيد قومه، وكان كما يقول العلماء: كان رجلا شجاعا، حتى قال ابن سعد: «كان يقال: طليحة بألف فارس»، لشجاعته ولشدته. ويقال: إنه قتل في حرب القادسية مع سعد بن أبي وقاص، وقاتل فيها قتالا شديدا حتى توفاه الله عز وجل، فرضي الله عنه وأرضاه، رضي الله عنهم وأرضاهم. ويرجع مثل هؤلاء أن يكونوا ممن قال فيهم النبي صلى الله عليه وسلم: «ضحك أو عجب الله عز وجل من رجلين يقتل أحدهما الآخر فيدخلان الجنة». قالوا: «كيف هذا يا رسول الله؟» قال: «يقتل هذا هذا، ثم يسلم فيقتل في سبيل الله عز وجل فيدخل الجنة». فطليحة قتل من قتل في حرب ردة، ثم أسلم وقاتل في سبيل الله عز وجل، قاتل مع سعد بن أبي وقاص حتى نصر الله عز وجل أهل الإسلام واستشهد في تلك الوقعة، استشهد في تلك الوقعة، رضي الله عنهم وأرضاهم. والصحابي الآخر اسمه: ثابت بن أقرم. قال عمر: «يا طليحة، لا أحبك بعدما قتلت الرجلين الصالحين عكاشة بن محصن وثابت بن أقرم»، وكانا طليعتين لخالد، فلقيهم طليحة وأخوه سلم فقتلاهما. فقال: «هما رجلان أكرمهما الله بيده ولم يهن بهما بيده». وترجمتهم وهذه الترجمة وقصة ذكرها الإمام الحافظ الذهبي في السير في ترجمة طليحة، وكذلك ذكرها الحافظ ابن حجر في الإصابة في ترجمة طليحة الأسدي. قال رحمه الله: قوله: «فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم»، فقال: «أنت منهم». وللبخاري في رواية: «فقال: اللهم اجعله منهم». وفيه طلب الدعاء من الفاضل. قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: والجمع بين هاتين الروايتين يحتمل أن يكون أولا دعا، أنه قال: «يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم»، فدعا له الرسول صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «يا رسول الله، أنا منهم»، قال: «أنت منهم». يعني: الآن ما الجمع بين الروايتين؟ ما الجمع بين قوله: «أنت منهم» في إخبار أنه من السبعين، وفي قوله: «اللهم اجعله منهم» دعاء لأن يجعله الله عز وجل من السبعين؟ فالأول أمر متحقق، ما دام النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أنت منهم»، فهو خبر وخبره صدق. وأما قوله: «اللهم اجعله منهم»، هذا دعاء أن يجعل الله عز وجل من السبعين. فما الجمع بين الروايتين؟ قال الحافظ ابن حجر رحمه الله تعالى: يحمل على أنه قال أولا: «يا رسول الله، ادع الله أن أكون منهم»، فدعا، ثم قال: «يا رسول الله، أنا منهم»، أي: كأنه يقول: هل استجاب الله عز وجل لك؟ فقال: «أنت منهم»، أي: نعم قد استجاب الله لدعائك وأنت منهم، أي: من السبعين ألفا. قال: قوله: «ثم قام رجل آخر»، ذكره مبهما ولا حاجة بنا إلى البحث عن اسمه. قال: قوله: «فأقال: سبقك بها عكاشة». قال: «أراد أن لا يتسلسل الأمر». قال المصنف رحمه الله تعالى: وفيه استعمال المعاريض وحسن خلقه صلى الله عليه وسلم. قوله: «سبقك بها عكاشة»، ذكر القرطبي رحمه الله تعالى أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يدع للآخر، لماذا؟ لم يدع للآخر، العلماء رحمهم الله تعالى ذكروا أقوالا في هذا الباب، فمنها ما ذكر القرطبي ها هنا أنه قال: إن الثاني لم يكن عنده من الأحوال ما كان عند عكاشة، عكاشة كان بدريا، عكاشة كان من السابقين، عكاشة كان من المهاجرين، إلى غير ذلك من الأحوال، الثاني لم يكن مثله. وبعضهم ذكر وجها ثانيا وفيه ضعف، قالوا: إن الثاني كان منافقا، وهذا ضعيف لأن المنافقين ما هم حول الجنة ولا هم حول أمور الآخرة. وذكر بعضهم وجها ثالثا وهو الأقرب، وهو الذي أشار إليه آخرا في قوله: إن النبي صلى الله عليه وسلم منع ذلك لأجل أن لا يتسلسل الأمر، لأجل أن لا يتسلسل الأمر، بمعنى أنه إذا قام ثانيا فدعا، ثم قام الثالث فدعا، ثم قام الرابع وهكذا، سيحصل التسلسل في الأمر، فربما دخل فيه من ليس منهم، أو يحصل نوع حرج، لذا النبي صلى الله عليه وسلم تلطف بهذا الأسلوب الذي فيه غاية الأدب مع هذا الصحابي، فقال: «سبقك بها عكاشة»، فكأنه يقول: خلاص سبقك بها عكاشة، فكذلك أنت أو غيرك لا تستطيعون أو لا يطلب لكم ما قد طلبه عكاشة. وقوله رحمه الله تعالى: «في استعمال معاريض وحسن خلقه وخلقه صلى الله عليه وسلم»، في هذا الباب، إذ أنه لم يرد ذلك السائل ردا عنيفا، لم يقل: «يكفي عكاشة»، أو «أنت لست مثل عكاشة»، أو ما شابه ذلك، بل أتاه بهذا اللفظ الذي فيه نوع من التلطف، أنه قال: «سبقك بها عكاشة». والله أعلم. بقي هاهنا أمر، وهو: هل هؤلاء السبعون ألفا الذين يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب هل معنى هذا أن هؤلاء هم خير من غيرهم؟ بمعنى أن هل هناك من السبعين ألفا من يكون أفضل من هؤلاء السبعين منزلة في الجنة، أم أن هؤلاء السبعين ألفا هم أفضل من كل ما سواهم ممن يدخل الجنة؟ الجواب: أن هؤلاء السبعين لهم هذه الخصيصة والمزية، بتحقيقهم التوكل على الله عز وجل، ولا مانع من أن يكون من غيرهم من هو أعلى درجة منهم، من هو أعلى درجة منهم في الجنة. واضح. قد يكون من لم يكن مثلهم في هذا، ممن يدخلون في السبعين، قد يكون غيرهم هو أفضل منهم في الدرجات في الجنة، بعمله الصالح، قد تكون عند غيرهم الأعمال الصالحة الجليلة الكبيرة العظيمة التي تجعلهم يفوقون أهل هذه المزية، وإن كان هؤلاء يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. وقد ذكى العلماء رحمهم الله تعالى في ذلك مباحث أخرى ترجع في شروحات هذا الحديث. والله أعلم. وسبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.

شاركنا على