شرح فتح المجيد 20

الدرس في شرح فتح المجيد 20، ألقاها

مقدمة في شرح لا إله إلا الله

يناقش معنى لا إله إلا الله ويشرح حكم المستثنى في الاستثناء، مبينا أن لفظ الجلال 'الله' ليس داخلا في المنفي أصلا. يوضح أن المراد من هذه الكلمة هو إفراد الله تعالى بالإلهية في قلب الموحد وقوله وعمله.

دعوة الرسل ورد المشركين

دعوة الرسل كانت موحدة في عبادة الله وحده ونبذ عبادة الأصنام، بينما أنكر المشركون هذه الدعوة وأرادوا إدخال الله في جملة آلهتهم. ورد هذا في القرآن الكريم وفي قصة النبي صلى الله عليه وسلم مع قريش.

تعريف الشرك والتوحيد ومعنى لا إله إلا الله وتفصيله

يشرح معنى لا إله إلا الله ويبين أن الشرك هو تسوية غير الله بالله في العبادة أو في خصائص الله. يوضح الفرق بين الموحد والمشرك في القول والفعل والنية، ويشرح معنى الإله والله ودلالة لا إله إلا الله على التوحيد.

أهمية العمل بلا إله إلا الله

يؤكد على ضرورة معرفة العبد لمعنى لا إله إلا الله وفهمها والعمل بمقتضاها. من فعل ذلك فاز فوزا عظيما في الدنيا والآخرة، وختم بالتأكيد على فضل الله ورحمته بالنبي وآله وصحبه.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الأمين وعلى آله وصحبه أجمعين. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد. قوله رحمه الله تعالى: قلت ولا ريب أنه لم يدخل في المنفي أصلا، هذا بناء على ما تقدم معنا في الدرس الماضي في المسألة السابقة من أن لا إله إلا الله أن الاستثناء أو أن المستثنى على الصحيح أنه ليس داخلا في المستثنى منه، كما قال الكسائي، ولا داخلا في حكمه، كما قال الفراء. فليس داخلا في المنفي أصلا، لا في المستثنى منه ولا في حكمه. لماذا؟ كما ذكرنا إذا تصورنا المسألة، تصورنا هذا القول ونفيناه أصلا ورأسا، كما أشرنا إليه آنفا. فعلى قول الكسائي: أن المستثنى مخرج من المستثنى منه لا من حكمه، يقول المعنى: مستثنى ومستثنى منه، والحكم لا إله ما هو المستثنى؟ لا إله إلا الله، ما هو المستثنى منه؟ إله، ما هو الحكم؟ استحقاق العبودية أو العبادة. فالآن على قول الفراء أو على قول الكسائي رحمه الله تعالى، يكون لفظ الجلال "الله" مستثنى أو مخرج من المستثنى منه دون الحكم. فحكمه مسكوت عنه، أم لا؟ فإذا كان مسكوتا عنه، فمعنى هذا أنه لا يثبت له حكم بنفي ولا إثبات. الكسائي في مثل هذا المقام ماذا يصنع؟ يقول يحتاج إلى تقدير، فما هو التقدير؟ يقول: لا إله إلا الله مستحق للعبادة، حتى يخرج من هذا الإلزام. فيقال له: في مثل هذا الأصل عدم التقدير، فإذا كان الأصل عدم التقدير، جل على ضعف قوله. الفراء رحمه الله تعالى يقول في الاستثناء: أنه مخرج من الحكم. فإذا طبقنا عليه "لا إله إلا الله"، معناه: لا يستحق العبادة أحد إلا الله، فإنه مستحق للعبادة من حيث الحكم. كلامه صواب أو ليس بصواب؟ صواب، ولكنه أدخل المستثنى في المستثنى منه في النفي، لأنه قال: إنما هو مخرج من حكمه، وليس مخرج من المستثنى منه. إذا "لا إله" يدخل فيه إله الحق، وأن هذا صحيح، هذا باطل. لذا كان كلا القولين ليس بصحيح. وصواب: أن المستثنى مخرج من اللفظ وكذلك مخرج من الحكم. فلا إله إلا الله، الله عز وجل مستثنى من المستثنى منه، أي مخرج من المستثنى منه، فليس داخلا فيه، وكذلك مستخرج من الحكم، فليس داخلا في نفي العبادة الحق، بل هو المستحق وحده سبحانه وتعالى للعبادة. قال رحمه الله تعالى: قلت ولا ريب أنه لم يدخل في المنفي أصلا كما ذكرنا الآن، ولا يتصور هذا إذا تصورنا المسألة تماما، قطعنا وجدمنا أنه لا يدخل أصلا. لأن المراد من هذه الكلمة إفراده تعالى بالإلهية في قلب الموحد وقوله وعمله، لأن المراد من هذه الكلمة إفراده تعالى بالإلهية، أي بالعبادة، إفراده سبحانه وتعالى بالعبادة في قلب الموحد، في قلب العبد المتقرب إلى ربه جل وعلا. قال: وقوله وعمله، فلا يكون قلبه إلا لله عز وجل وبالله عز وجل مستعينا، وكذلك عمله لا يكون إلا لله عز وجل خالصا وبه سبحانه وتعالى مستعينا. كما دلت عليه الآيات المحكمات، وقد تقدم شيء منها وسيأتي كذلك لها نظائر. قال: كما أخبر عن دعوة رسله أن يعبدوا الله ما لكم من إله غيره، هذه آية محكمة أم لا؟ آية محكمة. قال: فنفوا الإلهية عما سوى الله تعالى وأثبتوها لله وحده. قال: فإنه تعالى هو المتصف بتفرده بالإلهية، أي بالعبادة، وأنه المستحق للعبادة أبدا، أزلا وأبدا. أزلا أي من جهة القدم، وأبدا من جهة المستقبل. قال: كما قال تعالى: ﴿ذلك بأن الله هو الحق وأن ما يدعون من دونه هو الباطل﴾. وأخبر تعالى عن المشركين أنهم قالوا: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾. قال: أرادوا أن يدخلوه في جملة آلهتهم في العبادة، وأنكروا أن تكون العبادة له وحده، مع معرفتهم أن لا إله إلا الله، تبطل ذلك. المشركون حينما جاءهم الرسول صلى الله عليه وسلم فقال لهم: «أعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، ماذا قالوا؟ ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾. كل رسول جاء إلى قومه قال لهم: «أعبدوا الله ما لكم من إله غيره»، وماذا كان جواب قومه؟ قالوا: ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده﴾. فالكل، كل الرسل يدعون إلى دعوة واحدة، وكذلك أعداء الرسل من المشركين كانوا يعرفون دعوة الرسل، وكانوا يقابلونها بالإنكار والإعراض والجحود. ﴿أجئتنا لنعبد الله وحده ونذر ما كان يعبد آباؤنا﴾. قال الشيخ: أرادوا أن يدخلوا في جملة آلهتهم في العبادة، يقولون: الله عز وجل آلهة من الآلهة التي نعبدها. نحن نعبد الله ونعبد كذا ونعبد كذا، فالله عز وجل معبود من جملة هذه المعبودات. ولكن الرسل جاءوا بإفراده سبحانه وتعالى بالعبادة وحده، وبالكفر بكل ما سواه. لذا لما سمع المشركون من الرسل هذه الدعوة، الدعوة إلى إفراد الله عز وجل بالعبادة، أنكروا هذا الإنكار. كما قال الله عز وجل عنهم في آية أخرى: وقد ثبت في ذلك سبب نزول في قصة النبي صلى الله عليه وسلم أن قريشا اشتكت إلى أبي طالب، فقالت: يا أبا طالب، إن ابن أخيك يسب آلهتنا ويسفه آلهتنا ويتكلم في آلهتنا ويطعن فينا. فدعاه أبو طالب، دعا النبي صلى الله عليه وسلم، وقد ازدحم البيت أي ازدحم بيت أبي طالب بالرجال، ولم يكن إلا مكان نفر بين أبي طالب وبين أبي جهل. فلما رأى أبو جهل ذلك المكان، انطلق فسد تلك الفجوة حتى لا يدخل النبي صلى الله عليه وسلم فيجلس قريبا من عمه. فبقي النبي صلى الله عليه وسلم طائما عند الباب، فقال له أبو طالب: يا ابن أخي، هؤلاء قومك يزعمون أنك تسب آلهتهم، وأنك تقول وتقول. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: يا عم، كلمة إذا قالوها ساد بها العرب، وأذعنت لها العجم، وأعطوهم الجزية وهم صاغرون. فقال المشركون: أكلمة واحدة وأبيك عشرا. فقال له أبو طالب: ماذا؟ وما هي؟ قال: قول "لا إله إلا الله". قال: فانتفضوا جميعا وخرجوا وهم يقولون: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾. وانطلق الملأ منهم أن يمشوا واصبروا على آلهتكم، إن هذا لشيء يراد. ما سمعنا بهذا في الملة الآخرة، إن هذا إلا اختلاق. ماذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم؟ كلمة واحدة، ما هي هذه الكلمة؟ قولوا "لا إله إلا الله». ماذا صنع أولئك المشركون؟ انتفضوا وخرجوا وهم يتواصون بالصبر على آلهتهم، ويقولون: ﴿أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب﴾. وهذا يدلنا على أن المشركين كانوا يعلمون معنى هذه الكلمة، وأن معناها عدم استحقاق العبادة لأي آلهة سوى الله سبحانه وتعالى، وأن الله عز وجل هو المستحق للعبادة وحده، وهو المتفرد بالعبادة وحده سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: وتسوية آلهتهم بالله في العبادة هو الشرك الأكبر. الذي يجب الخلود في النار. وهذا فيه إشارة إلى تعريف الشرك بالله عز وجل. فالشرك بالله عز وجل هو تسوية غير الله عز وجل بالله في العبادة، هذا باعتبار الشرك في توحيد الألوهية. والشرك من حيثه عموما هو تسوية غير الله عز وجل بالله بما هو من خصائص الله. دليله قول الله جل وعلا: ﴿تالله إن كنا لفي ضلال مبين * إذ نسويكم برب العالمين﴾. إذ تدل بهذه الآية طائفة من العلماء على أن حقيقة الشرك تسوية غير الله عز وجل بالله عز وجل بشيء من خصائص الله عز وجل. قال الشيخ رحمه الله تعالى: فالموحد مخالف للمشرك في قوله وفعله ونيته. الموحد مخالف للمشرك في قوله، أي أن الموحد ينطق بلا إله إلا الله، ولا إله إلا الله معناها: لا معبود حق إلا الله. وكذلك فعله، فالموحد مخلص لله عز وجل في كل ما يصدر منه من أفعال ظاهرة وباطنة. قال: وكذلك نيته، نية الموحد خالصة لله عز وجل. كما قال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ويقيموا الصلاة ويؤتوا الزكاة وذلك دين القيمة﴾. فدين القيمة هو هذا. وما أمروا إلا ليعبدوا الله أي وحده لا شريك له. لذا قال: ﴿مخلصين له الدين﴾. ثم زاد على ذلك: ﴿حنفاء﴾. والحنيف من هو؟ المائل عن الشرك إلى التوحيد. قال: ﴿ويقيموا الصلاة﴾، وهذا عمل بالجوارح، ﴿ويؤتوا الزكاة﴾، وهذا كذلك عمل بالجوارح. قال ربنا عز وجل: ﴿وذلك دين القيمة﴾. قال: وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسير "لا إله إلا الله": أي لا معبود إلا هو. وهو معنى ما تقدم. قال: وقال الزمخشري: الإله من أسماء الأجناس، كالرجل والفرس، يقع على كل معبود بحق أو بباطل. ثم غلب على المعبود بحق. بمعنى أنه صار الله لطل جلاله، إذا أطلق فهو لا يطلق إلا على الله سبحانه وتعالى، بخلاف "الإله". ففرق بين هذا وهذا. "إله" يطلق على كل معبود بحق أو باطل، أما "الله" فلا يطلق إلا على رب العالمين. قال الشيخ رحمه الله تعالى: الإله هو المعبود المطاع، فإن الإله هو المألوه، والمألوه هو الذي يستحق أن يعبد. وكونه يستحق أن يعبد هو بما اتصف به من الصفات التي تستلزم أن يكون هو المحبوب غاية الحب، المخضوع له غاية الخضوع. قال: فإن الإله هو المحبوب المعبود الذي تألهه القلوب بحبها وتخضع له وتذل لهيبته وتخافه وترجوه وتنيب إليه في شدائدها وتدعوه في مهماتها وتتوكل عليه في مصالحها وتلجأ إليه. وتطمئن بذكره وتسكن إلى حبه. وليس ذلك إلا لله وحده. ولهذا كانت "لا إله إلا الله" أصدق الكلام. وكان أهلها أهل الله وحزبه، والمنكرون لها أعداءه وأهل غضبه ونقمته. فإذا صحت صح بها كل مسألة وحال وذوق. وإذا لم يصححها العبد فالفساد لازم له في علومه وأعماله. إذن العبد أحوج ما يكون إلى معرفة "لا إله إلا الله" ومعرفة غور هذه الكلمة ومدى هذه الكلمة وعظيم فوض هذه الكلمة وما تحت هذه الكلمة، ثم العمل بما علم. فإذا فعل ذلك فقد فاز فوزا عظيما في الدنيا والآخرة. وفق الله الجميع لما يحب ويرضى. وصلى الله وسلم وبارك على نبيه وعلى آله وصحبه أجمعين.

شاركنا على