شرح أصول السنة للإمام أحمد 13

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 13، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

مقدمة في النفاق وأقسامه

يتناول تعريف النفاق وأقسامه، حيث يُعرَّف النفاق على أنه إظهار الإسلام وإخفاء الكفر، وينقسم إلى نفاق اعتقادي ونفاق عملي. يُوضح أن النفاق الاعتقادي هو الأشد خطرًا ويُعتبر كفرًا، بينما النفاق العملي يُعد فسقًا وليس كفرًا.

الإيمان باليوم الآخر والجنة والنار

يتناول شرح الإيمان بالجنة والنار كجزء من الإيمان باليوم الآخر، ويستدل بأحاديث نبوية تثبت وجود الجنة والنار حاليًا. يُبين أيضًا منهج إمام أحمد في التعامل مع أحاديث الوعيد وضرورة إبقائها على ظاهرها.

عقيدة أهل السنة في خلق الجنة والنار والصلاة على الموحدين

يشرح عقيدة أهل السنة والجماعة في خلق الجنة والنار، ويستدل على ذلك من القرآن والسنة، كما يتطرق إلى مسألة الصلاة على الموحدين مع تفصيل في حالات معينة قد يترك فيها بعض الناس الصلاة على الميت.

خاتمة الكلام على المسائل العقدية

يشير إلى انتهاء الكلام على أهم المسائل العقدية التي طرحها المؤلف، مع الدعاء والصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم. يُعد هذا ختامًا للمواضيع العقدية المطروحة.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى: والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. في هذه الفقرة، إخواني في الله، يذكر المؤلف رحمه الله تعالى ما يتعلق بأمر النفاق، وهذا إشارة إلى قسم من أقسامه. والنفاق، كما قال العلماء، هو اسم عربي لم تعرفه العرب قط، اسم إسلامي، يعني لم تعرفه العرب قط، أي جاءت الشريعة بذكر هذا الاسم، اسم النفاق. فقال رحمه الله تعالى: والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية. وهكذا تعريف العلماء لا تخرج عن هذا التعريف الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى. فقد ذكر الإمام الجرجاني رحمه الله تعالى في كتابه "التعريفات" عندما عرف النفاق، قال رحمه الله تعالى: هو إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب. إظهار الإيمان باللسان وكتمان الكفر بالقلب، وهو أن يظهر الإسلام وشرائع الدين على ظاهره، وأما في خفية قلبه وفي صدره يبطن الكفر بالله سبحانه وتعالى. والنفاق، كما قسمه العلماء، ينقسم إلى قسمين، النفاق ينقسم عند العلماء إلى قسمين اثنين، وذلك من خلال النصوص الواردة في هذا الباب. فهناك القسم الأول، وهو ما يسميه العلماء بالنفاق الاعتقادي، بالنفاق الاعتقادي، وضابطه هو الذي ذكره المؤلف رحمه الله تعالى، والذي جاء تعريفه هذا يسمى بالنفاق الاعتقادي، وأن يقوم صاحبه بإظهار شرائع الدين على ظاهره، إلا أنه يبطن الكفر. وهذا النوع من أنواع النفاق هو شر من الكافر الأصلي، المنافق الاعتقادي من حيث المرتبة ومن حيث المنزلة هو شر من الكافر الأصلي، وذلك لدلالة الشرع ودلالة العقل. أما من الشرع، في قوله سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ﴾، في الدرك الأسفل، وهم أقل أو أنزل الناس مستوى إلى قعر جهنم، ودلالة على شدة عذابهم وخبثهم، فأمرهم أسوأ. ودلالة العقلية تدل على ذلك، إذ أنهم بهذا الإيمان الذي استتروا به استطاعوا أن يلجوا بين أهل الإسلام وبين صفوف المسلمين، وذلك ذريعة يتخذونها الأفاعيل في تغيير دين الله وتبديل شرع الله سبحانه وتعالى. حتى اختلف العلماء في مسألة: وهو هل تقبل توبتهم في الظاهر أم لا؟ الكافر إذا أسلم في الظاهر قبلت توبته، لكن الإشكال في المنافق، لماذا لا يقبل؟ لأنه أصلاً قد أظهر الإسلام، أظهر الإسلام، فربما إذا تاب مرة أخرى يفعل كما الفعل الأولى، أنه يظهر الإسلام لكنه في الظاهر، ولا زال في الباطن يبطن الكفر. فإذا عثر على أفعاله أنها دلت على خبيئة في قلبه، ثم استتيب سيظهر الإسلام، لكن لا زال في قلبه يبطن الكفر وهكذا. فأذكر أن العلماء اختلفوا في توبة المنافق، وخاصة من هذا القسم للنفاق الاعتقادي، هل تقبل توبته في الظاهر أم لا؟ على خلاف بينهم. وأما القسم الثاني من أقسام النفاق، ومن يسميه العلماء بالنفاق العملي، وهو أن يقوم الشخص بفعل بعض أعمال المنافقين، وهذا من نوع النفاق ليس بكفر، وإنما يجعله على فجور وعلى فسق وآثم، لتشبهه بأعمال أهل النفاق. كما جاء في الحديث: «إذا حدث كذب، وإذا وعد أخلف، وإذا أتمن خان»، فهذه أعمال أهل النفاق، المسلم يترفع عنها، فإذا ابتلي بها فيقال: أنت ابتليت بفعل أهل النفاق. فهل يكفر؟ لا يكفر، كما قال العلماء. وهذه من الأمور، وهناك فوارق كثيرة يذكرها العلماء بين النفاق الاعتقادي وبين النفاق العملي، وليس هذا أوانه. فقول رحمه الله تعالى: والنفاق هو الكفر، أن يكفر بالله ويعبد غيره ويظهر الإسلام في العلانية، مثل المنافقين الذين كانوا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. والنفاق ظاهرة تظهر في المجتمعات التي يكون فيها الدين ظاهرا. ولهذا ما ظهرت حالة النفاق إلا في العهد المدني، ما ظهرت حالة النفاق إلا في العهد المدني. قال رحمه الله تعالى: وهذه الأحاديث التي جاءت: ثلاث من كن فيه فهو منافق، هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها. وقوله صلى الله عليه وسلم: «لا ترجعوا بعد كفار ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض»، ومثل: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، ومثل: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، ومثل: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، ومثل: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق»، ونحو هذه الأحاديث مما قد صح وحفظ، فإن نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه، ولا نجادل فيه، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت، ولا نردها إلا بأحق منها. هذه الأحاديث، أو هذه الفقرة، يظهر المؤلف رحمه الله تعالى كيف التعامل مع ما يسميه العلماء بنصوص الوعيد، بنصوص وأحاديث وآيات الوعيد. فقال رحمه الله تعالى: هذا على التغليظ، نرويها كما جاءت ولا نفسرها. أولاً، هذه الأحاديث التي ذكرها المؤلف رحمه الله تعالى، فهي مما قد ثبتت عن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه. فالحديث الأول: ثلاث من كن فيه فهو منافق، فقد جاء ذلك في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. وأما الحديث الثاني: «لا ترجعوا بعد كفار ضلالا يضرب بعضكم رقاب بعض»، فهو كذلك متفق عليه، أي في الصحيحين، ما عدا كلمة "ضلالة" هذا لم تكن في الصحيحين، وإنما جاءت في مسند الإمام أحمد عند الإمام أحمد بسند صحيح. وهكذا في قوله عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، فهو كذلك حديث متفق عليه. وفي قوله صلوات ربي والسلام عليه: «من قال لأخيه يا كافر فقد باء بها أحدهما»، هو كذلك حديث صحيح، أخرجه أحمد رحمه الله تعالى، وهو في الصحيحين كذلك. وأما حديث: «كفر بالله تبرؤ من نسب وإن دق»، فهذا أخرجه أحمد والدارمي، وأحسنه العلماء الألباني رحمه الله تعالى، كما في صحيح الجامع. إذن، هذه الأحاديث مثل بها المؤلف رحمه الله تعالى، وهي من أحاديث الوعيد، من أحاديث الوعيد. فالمؤلف رحمه الله تعالى يرى أن هذه الأحاديث، كما عبر رحمه الله تعالى: نرويها كما جاءت، نرويها كما جاءت ولا نفسرها. وفي نسخة: ولا نقيسها، أي لا يقاس عليها غيرها. وأحاديث الوعيد، إخواني في الله، من منهج المؤلف، إمام أحمد، في هذا الباب، أنها تروى على ظاهرها، تروى على ظاهرها. ويرى رحمه الله تعالى أنك لا تدخل في التفسير بأن هذا نفاق عملي أو أن هذا مخرج من الملة، وهنا كفر أصغر أو كفر أكبر. ما يرى الإمام أحمد رحمه الله أن تفسر. وقال العلماء: وإنما هذا خرج في باب الوعيد، إن كان ذلك في باب الوعيد. لأن إبقاء النص على ظاهره أبلغ وأزجر للفاعل. فأنت مثلاً لو علمت أن رجلاً عنده نية في رفع السلاح على أخيه في قرية في قبيلة تخاف مع أمور الدنيا، ورأيت أن النار والشرار تطار بين عينيه، وقد عزم على تشهير السلاح، فأنت تروي مثل هذه الأحاديث: «انتبه يا عبد الله، إياك أن تفعل، أما سمعت حديث الرسول عندما قال: سباب المسلم فسوق وقتاله كفر؟». انتبه، كونك ترفع السلاح على أخيك، فهذا كفر. فتجد المستمع إذا استمع يقول: ليش تقول؟ ولهذا حديث المصطفى هذا الذي ثبت عن نبيك أنه حكم على هذا الفعل بأنه كفر. فأنت تقف على ظاهر النص ولا تفسر، لا تقول: الله هذا مقصود كذا. فيرى الإمام أحمد، وهو جماعة من المحدثين، أن إبقاء حديث الوعيد على ظاهره، أن هذا أبلغ وأزجر، كما أرواها نبينا صلواته ربي، لم يذكر النبي عن نفسه أنه مش فسر بالأصغر أو الأكبر أو دون ذلك أو النفاق العملي أو اعتقادي، وإنما ترك الحديث على ظاهره لأن هذا أبلغ. وإلا، العلماء يقولون: ليس معنى هذا أن الحديث ليس له تفسير، له تفسير، له معاني، له تفسير، له معاني. فإن أنت في باب التحقيق قد تحتاج إلى التفسير، في باب التحقيق قد تحتاج إلى. وخاصة أن هذه الأحاديث من أحاديث الوعيد تشبث بها الوعيدية كالخوارج، تشبث بها أيما تشبث في الاستدلال بها على صحة ما هم عليه من تكفير أهل المعاصي. فيرون مثل: «إذا قاموا واستدلوا على أن المعاصي كفر قالوا بهذا الحديث: وقتاله كفر»، أو «كفر بالله تبرء من نسب»، فقالوا: هذه الأحاديث لو جمعناها، يقول: وعيدية هذه الأحاديث لو جمعناها، فإنها تكون لنا هذا المنهج لنسير عليه: أن المعاصي من فعلها قد وقع في الكفر الأكبر، قد وقع في الكفر الأكبر. فحينها يتعين في هذا المقام يتعين أن تبين الحال، أن تبين الحال. فتذكر أن هذه الأحاديث لا تحتمل معنى مثل ما جاء في قوله: الحديث الأول الذي أورده المؤلف رحمه الله تعالى: «ثلاث من كن فيه فهو منافق»، إنما تقصد: أي أنه تشبه بأعمال المنافقين، ليس أنه من المنافق الذي هو في الدرك الأسفل من النار. فأنت تحتاج إلى التبيين. وهكذا: «سباب المسلم فسوق وقتاله كفر»، هل هو الكفر المخرج من الملة والمينة؟ لا، ليس هذا المعنى، وإنه من الكفر العملي، أي أنه أعماله كأعمال الكفار. وهذا كحديث: «لا ترجعوا بعد كفار»، أي: يضرب بعضكم رقاب بعض، أي: هل معنى ذلك أن المسلمين إذا اقتتلوا برفع السلاح بعضهم على بعض في أمور الدنيا أنهم قد كفروا بالله؟ لهذا الحديث: «لا ترجعوا بعد كفار يضرب بعضكم رقاب بعض»، لا، ليس هذا المعنى. وإنما المعنى: لا ترجعوا بعد كفار، أي: ترجعوا حالكم شبيه بحال الكفار الذي يتنازعون على كل شيء ويشمرون السلاح في كل حال. وهكذا قس. فهذه تجد لها معاني، تجد لها معاني. وقد تحتاج أحيانا إلى التفصيل في هذه المعاني، لكن في أيام الوعظ والزجر، فكما يقول العلماء: أنك تبقي النصوص على ظاهرها، لأنك إذا فصلت واستفسرت، لو ربما أضعف الواعظ في هذا الحديث، أضعفته أمام هذا المنصوح الذي سينطبع صحيحا بهذه النصائح. فإمام أحمد رحمه الله تعالى يرى أنها تذكر هذه الأحاديث. فقال: ونحو هذه الأحاديث مما قد صح، قال: وحفظ، فإن نسلم له وإن لم نعلم تفسيرها، ولا نتكلم فيه، ولا نجادل فيه، ولا نفسر هذه الأحاديث إلا بمثل ما جاءت، ولا نردها إلا بأحق منها. قال رحمه الله تعالى: والجنة والنار مخلوقتان قد خلقتا، كما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «دخلت الجنة فرأيت قصر ورأيت الكوثر»، «اطلعت في الجنة فرأيت أهلها كذا»، و«اطلعت في النار فرأيت كذا ورأيت كذا». فمن زعم أنهما لم تخلقا، فهم مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا أحسبه يؤمن بالجنة والنار. هذه الفقرة متعلقة بالإيمان باليوم الآخر، الإيمان باليوم الآخر يعتبر من أركان الإيمان الذي لا يمكن لأحد أن يقبل منه إيمانه إن لم يذعن بالإيمان باليوم الآخر. ومن أركان الإيمان باليوم الآخر: الإيمان بالجنة والنار، وبأنهما حق. فقال رحمه الله تعالى: والجنة والنار مخلوقتان. ومما يتعلق بمسائل الجنة والنار مسائل عديدة. وقد ذكر العلماء في كتب الاعتقاد وذكر الفصول المتعلقة بهذا. وأهم ما يذكر في باب الجنة والنار، كما قال مؤلف رحمه الله تعالى: أن نؤمن بأنهما مخلوقتان الآن، موجودتان الآن. وآخرت كثيرة دلت على ذلك. والمؤلف رحمه الله تعالى أشار إلى بعضها. فهذه الأحاديث التي أوردها المؤلف رحمه الله تعالى في خبره عليه الصلاة والسلام، كما وقع له في الإسراء والمعراج، أنه دخل الجنة، دخل الجنة فرأى من أهلها ورأى من حورها ورأى من قصورها الشيء الكثير. وجاء ذلك كثيرا في السنة. وهذا الذي ذكر المؤلف رحمه الله تعالى إنما مقتطفات مما رآه نبينا صلى الله عليه وسلم مما رآه من أهل النار ومما رآه من أهل الجنة: «اطلعت في الجنة فرأيت أكثر أهلها»، و«طلعت في النار» إلى آخره. وهذه من الأحاديث. وهناك الدلالة القرآنية، الدلالة القرآنية دلت على أن الجنة والنار قد خلقتا. من ذلك كما قال ربنا سبحانه وتعالى في حق النار: ﴿وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ﴾، فقال ربنا: أن النار قد أعدت، والإعداد كما قال العلماء بمعنى التهيئة، أي قد هيئت وحضرت لأهل الكفر. وهكذا بالمثل قال ربنا جل وعلا في حق الجنة أنها أعدت للمتقين، أعدت للمتقين. فالإعداد بمعنى التهيئة، أي أن الجنة والنار قد هيئتا. فهذا يدل على ما عليه أهل السنة والجماعة. وأيضا الأحاديث التي ما يتعلق في الحياة البرزخية: أن الميت إذا كان في قبره فإن الله جل وعلا يطلعه على مقعده في الجنة وفي النار. ومن ذلك ما جاء في حديث البراء بن عازب الطويل: أن الميت إذا كان من أهل الإيمان تفتح له نافذة تطل على الجنة، فيرى من حورها ومن قصورها ما يستبشر بذلك أيما استبشار، حتى ينادي يقول: «يا رب أقم الساعة». وأما الكافر والمارق الذي يرى مقعده من خلال هذه النافذة التي تطلع على مقعده في النار، ويرى من أهوالها ومن حرها ومن سمومها، يحزن أيما حزن، فينادي بأعلى صوته: «ربي لا تقم الساعة». فهذا دل على أن الجنة والنار قد وجدتا. وهذا الأمر قد اتفق عليه أهل السنة والجماعة، يقول بها الإمام أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى. قال: فاتفق أهل السنة والجماعة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن. أي: هذا اتفاق لم ينخرم إلا بقول أهل البدع. ولهذا قال رحمه الله تعالى: فمن زعم أنهما لم تخلقا، فهم مكذب بالقرآن وأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهذا التكذيب جاء عن المعتزلة، وهكذا عن القدرية: أنهم أنكروا خلق الجنة والنار، وأنها لم تخلق الآن، وإنما خلقهما يكون عند قيام الساعة. ولماذا الامتناع الذي منعهم أن يعتقدوا بما اعتقده أهل السنة والجماعة؟ ما هو ذاك إلا الدلالة العقلية على حد زعمهم. قالوا: إذا قلنا بأن الجنة والنار كما تدعون بأنهم قد وجدت الآن، إذن قد خلقت عبثا، خلقت عبثا لا فيها سكان ولا فيها شيء. ثم إذا قامت القيامة ثم تذهب بوار، ثم ينشئها ربنا مرة أخرى. فالدلالة العقلية أدخلتهم إلى هذه المتاهات. وإلا القرآن والسنة وإجماع الأمة من أهل السنة أثبتوا أن الجنة والنار موجودة. بل كذلك لها حكمة وجودها الآن، لها حكمة. وها نحن الآن إذا دخل رمضان ما يستبشر أحد في عمله في طاعة الله جل وعلا بمثل أحاديث التي تدل على أن النار قد أغلقت، فماذا يسعى وينافس؟ ومثل ينافس بطاعة الله سبحانه وتعالى. وأن أبواب الجنة قد فتحت، فتشرئب بالأعناق للجنة، فبالحرص على الأعمال الصالحة. فهذه حكمة عظيمة جعلها ربنا سبحانه وتعالى. ثم قال المؤلف رحمه الله تعالى: ومن مات من أهل القبلة موحدا يصلى عليه ويستغفر له، ولا يحجب عنه الاستغفار، ولا نترك الصلاة عليه لذنب أذنبه، صغيرا كان أو كبيرا، وأمره إلى الله عز وجل. وهذا عقيدة أهل السنة والجماعة، الصلاة على الموحدين من مات على التوحيد، هذا قصده، وهذا شرطه: أن يكون على التوحيد. أما من مات على كفر أو على ردة أو أتى بناقض أو ابتلي ببدعة كفرية، فهذا ليس من عداد أهل التوحيد، ليس من عداد أهل التوحيد. ولهذا كان الصحابة الذين يعلمون أهل النفاق ما يصلون عليهم، أهل النفاق الاعتقادي، لأنهم قد خرجوا عن الدين والملة. أما المؤمن والموحد، بل إذا علم أنه قد أذنب ذنبا، فهذا حري أن يصلى عليه. وقد نبى على ذلك ابن حزم رحمه الله تعالى في "المحلى" عندما تكلم حول صلاة الجنازة، ذكر أن المسلم إذا علم أنه قد أذنب، هذا ينبغي أن نحرص على الصلاة عليه، لأنه بأمس الحاجة لدعاء إخوانه له، لدعاء إخوانه له. وإن كان من أهل العلم من رأى مسألة التفصيل في ذلك، وهي مسألة: من مات على جريمة عظيمة، وحتى يكون عبرة لغيره، لا بأس من كان من كبراء القوم، كالقضاء والمفتي، ومن كان له منصب رفيع في مجتمعه، لا بأس أن ينأى، فلا يصلى على هذا الميت. مثل أن رجل علم أنه مات سكيرا، عربيدا، مات على إثر مخدرات، ميتة لا يحمد عليها صاحبه. فهنا حتى ينزجر غيره، فلا بأس على من كان من أهل الصلاة، ومن أهل التقى، كان لهم مناصب مرموقة في الدولة، أنهم لا يصلون على هذا. حتى إذا سأل الناس وتسأل الخلق: أين القاضي؟ أين المفتي؟ أين صاحب الفتوى؟ ما صلى على الجنازة؟ قال: لا، هذا ما استحق أن يصلى عليه. أمثال هؤلاء يترفعون. وهل له أصل؟ نعم، له أصل. فنبينا صلوات ربي والسلام عليه ترك الصلاة على عدة أناس ماتوا على أمر عظيم، كذاك الذي مات على دين، فقالوا: «صلوا على صاحبكم». وهكذا الذي مات وقد قتل نفسه بمشاقص، كما جاء في الصحيح بحديدة قتل نفسه، فنبينا ما صلى عليه، قالوا: «صلوا على صاحبكم». لكن ما معنى هذا؟ هل معنى هذا أن الأمة تترك الصلاة عليه؟ لا، نفس الحديث فيه الدلالة على الصلاة عليه، بدليل قوله عليه صلى الله عليه وسلم: «صلوا على صاحبكم»، صلوا، أمر بالصلاة. أما هو ما صلى، فمن هنا استدل الشيخ الألباني رحمه الله تعالى، وجماعة من أهل العلم على هذا التفصيل: أنه من مات على جريمة عظيمة، وهذا الفعل، أي أن الكبراء من كبراء القوم يترفعون عن الصلاة، الذي يكون فيه زجر لغيرهم، فلا بأس أن الكبراء يترفعون. حتى يعرف الناس أن من مات على هذه الميتة، فإن أهل الصلاة من الكبراء من القضاء لن يصلوا على هذا. ولا شك أن هذا زاجر، زاجر عظيم، لأن الميت إذا كان في قبره أحوج ما يكون إلى دعاء الصلاة، فإن هذه من الشفاعات المحمودة التي تنال العبد في قبره. إلى هنا، إخواني في الله، أهم ما في رسائل، أو هذه من مسائل عقدية، وذكرت في اختصار، حتى يكون في إشارة وإلمام لأهم المسائل التي طرحها المؤلف رحمه الله تعالى. إلى هنا والله تعالى أعلم، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.